مؤسسة الصلح الجنائي





إن أهم الانتقادات والمؤاخذات الموجهة للصلح الجنائي، تنبني أساسا على خرقه لمجموعة من المبادئ الأساسية في التشريع الجنائي، غير أن هذا  الخرق للمبادئ العامة لتشريع الجنائي المغربي ،لا يمكن أن يتم هكذا واعتباطيا ودون أن يستند على أسس أو مبررات سواء كانت تبريرات قانونية أو عملية و النابعة أساسا من الطابع الاستثنائي لهذه المؤسسة التي اختلفت الآراء الفقهية حول تحديد طابعها الذي تتميز به والذي يجعلها تتميز بمجموعة من الخصائص والمميزات ،جعلتها بالفعل مؤسسة لها أهميتها القصوى في التشريع المغربي الطامح لمحاكة التشريعات المقارنة في هذا المجال  .لذالك سنحاول إبراز الطابع الذي يميزها  وذلك من خلال (المبحث الأول)
ثم بعد ذلك نبرز مبررات الصلح الجنائي سواء كانت قانونية أو واقعية مع إبراز مدى قدرة المشرع المغربي في تبني قانون إداري جنائي مثلا التشريع المقارن
وذلك من خلال  ( المبحث الثاني) .

المبحث الأول : الطابع المميز لمؤسسة الصلح بالتشريع المغربي
إن الحديث عن مؤسسة الصلح في القانون المغربي، يحتم علينا إبراز النظريات التي حاولت إبراز طابعه هل هو مدني أم إداري أم جنائي.لذلك سنتوقف عند الطابع الإداري للصلح وذلك من خلال ( المطلب الأول)،و الطابع المدني للصلح وذلك من خلال (المطلب الثاني)،و الطابع الزجري للصلح الجنائي من خلال (المطلب الثالث).


المطلب الأول : الطابع الإداري للصلح
من أهم مميزات الصلح الجنائي وجود شخص معنوي عام كطرف فيه، وهذا ما يضفي عليها طابعا إداريا ينبع أساسا من الوضعية الممتازة التي تحظى الإدارة بها وما تمتلكه من آليات تمكنها من ضبط وتوجيه مسار هاته "المؤسسة".[1]
لذلك صيغت مجموعة من التعاريف لهذه المؤسسة من خلال تبني هذا التوجه الذي يضفي الطابع الإداري على الصلح ،فنجد الفقيه" Syr" أنه عرف الصلح في مادة الجرائم الاقتصادية أنها "غرامة إدارية تصالحية، وتصنف ضمن مساطر الزجر دون محاكمة، وهي لا تعتبر عقوبة وان كانت تحل محلها".[2]
وعرفها الفقيه "Dupre" غرامة ذات طبيعة إدارية تمكن الظنين من تفادي محاكمة قضائية أو تفادي تطبيق عقوبة عليه، ومقدارها محدد بواسطة قرار_ وثيقة الصلح_ صادر بنفس طريقة العقود الإدارية وتتضمن شروطا غالبا ما يذعن لها الظنين مخافة إتباع المسطرة القضائية، أو تطبيق العقوبة عليه في حالة صدور حكم بات في النزاع ،وبذلك فقد اعتبرها بأنها وسيلة إدارية ملزمة لطرفيها وقد سانده في هذا الرأي كل من الفقيه "ميرل" والفقيه "فيتي" وإن كانوا قد قصروا هذا الوصف على الصلح قبل النطق بالحكم النهائي3
والملاحظ من خلال هذه الآراء الفقهية أعلاه، هو كون الوسائل القانونية التي من خلاله يتم إجراء الصلح  تنحصر إما في شكل قرارات إدارية أو في شكل عقود إدارية ،لنتساءل على ماهية هذه  الآراء ومدى قدرتها على تحليل مؤسسة  الصلح بالاستناد على العقد الإداري؟ وكذا الآراء التي أعطت وصف قرار إداري فردي على الصلح الجنائي.





الفقرة الأولى : الصلح والعقد الإداري
الإدارة كشخص معنوي عام وما تتوفر عليه من أهلية قانونية، يخول لها القانون إبرام الصلح والعقود الإدارية، وهذا هو مركز الالتقاء بين الصلح والعقد الإداري خاصة أن هذه الإدارة تتوفر علي شروط تعتبر غير مألوفة، في عقود القانون الخاص، كما توجد هناك نقط التقاط بين الصلح والعقد الإداري، عندما يتعلق  الأمر بالبطلان الذي يتم الرجوع فيه للقواعد العامة للقانون المدني.
لكن  على الرغم من ذلك توجد بين هاتين المؤسستين القانونيتين_الصلح و العقد الإداري _ نقاط اختلاف جوهرية سواء من حيث الموضوع أو من حيث الآثار.
أولا- من حيث الموضوع : يجب أن يكون موضوع العقد الإداري الذي يرمي إلى إشباع الحاجات العامة مشروعا عكس الصلح الجنائي، التي ينصب على الدعوى العمومية أو على الجزاءات المالية، حيث يعتبر استثناءا من المبادئ العامة التي تحرم التصرف في الدعوى العمومية.[3]
ثانيا - من حيث الآثار : يمكن للإدارة التي أبرمت عقد إداريا أن تتحلل من التزاماتها وأن تفرض على المتعاقد معها التزامات جديدة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك وهذا استثناء على فكرة تمتع مرافق الدولة والإدارة بمبدأ السيادة "إذ يجوز لها أن تغير وحدها مدى أو نوع الالتزامات الملقاة على عاتق المتعاقد معها.[4]
وهذا بخلاف الصلح الجنائي حيث لا يملك طرفها سوى الالتزام بالبنود المضمنة ولا يحق للإدارة أن تفرض أالتزامات جديدة على المتصالح. وبمجرد إبرامه والالتزام بتنفيذ بنوده يسقط حق الدولة في العقاب ولا يحق للنيابة العامة ولا للإدارة متابعة المتصالح بشأن الجرائم المتصالح عليها.[5]
                                                                                                                           من هذا يتضح لنا صعوبة إلحاق الصلح الجنائي بصنف العقود الإدارية نظرا لهذا الاختلاف الكبير،ليحق لنا طرح سؤال أخر ، هل يمكن اعتباره قرارا إداريا؟
الفقرة الثانية: الصلح والقرار الإداري
بالرجوع إلى" فيليب” Philippe” نجده عرف الصلح الاقتصادي بأنه "قرار إداري تقترح بواسطته الإدارة على الظنين تنازلها عن متابعته قضائيا مقابل اعترافه بالمخالفة والتزامه بأداء عوض مالي.[6]
وإذا كان هذا التعريف قد جاء شاملا بين القرار الفردي والتنظيمي، فهناك من قال أن الأمر يتعلق بالقرار الفردي دون التنظيمي، على اعتبار أن الإدارة تهدف عن طريق الصلح تحقيق المصلحة العامة، استنادا إلى أن الصلح يشبه فكرة المرفق العام الذي تديره وتسيره والذي يعتبر الحفاظ عليه وحسن إدارته هو سبب وجودها.[7]
غير أن الملاحظ هو أن حق الصلح المخول لبعض الإدارات يختلف عن القرارات الإدارية إذ أن أهم ميزة تميز الصلح هو ذلك الهامش الرضائي الذي تكفله للمصالح، فبالرغم من أن الإدارة توجد في مركز قانوني قوي وغالبا ما يذعن المتصالح لشروطها، فان له حرية قبول إبرام الصلح أو رفضه، أما القرار الإداري فانه ينتج آثاره بالإرادة المنفردة للإدارة دونما حاجة إلى رضاء المشمول بأحكام3 فهو" الوسيلة التي تفصح فيها الإدارة عن إرادتها المنفردة والملزمة طبقا للقانون من أجل إحداث مراكز قانونية في نطاق تحقيق المصلحة العامة"4. لذا فإن العبارة المستعملة من طرف الفقيه "صولو""solo" في التعريف السابق ذكره، الذي اعتبر بأن الإدارة تقترح "بواسطة القرار الإداري هو في غير محله، إذ أن الإدارة تفرض بواسطة القرار الإداري ولا تقترح، حيث نجد أنفسنا أمام "امتياز أساسي من امتيازات السلطة العامة.                                    لان هذه الأخيرة تستطيع بمحض إرادتها وحدها إحداث حق أو واجب"[8] وهنا يكمن محل التمييز بين الصلح الجنائي والقرار الإداري.لذلك يصعب القول أن الصلح الجنائي هو قرار إداري.
وإذا كانت هذه وجهة نظر الذين أعطوا للصلح بعدا إداريا، فالتساؤل يثار حول ماهي وجهة نظر الذين  وصفوا الصلح الجنائي بان له  طابع مدني.
المطلب الثاني : الطابع المدني للصلح
  إن الحديث ،على مؤسسة الصلح وعلاقتها بالطابع المدني ،يوجب علينا الوقوف على الآراء التي تصفها ،بأنها مؤسسة شبيهة بالعقد المدني ،(الفقرة الأولى)وتلك التي اقتصرت على ربطها بعقود الإذعان فقط  (الفقرة الثانية).                                                            
الفقرة الأولى : الصلح وعقد الصلح المدني
بخصوص الفقه المغربي مدد الفقيه،" فرنسوا بول" التعريف الوارد في ق.ل.ع المغربي، لعقد الصلح المدني بحيث نجد المادة 1098 من ق.ل.ع عقد الصلح المدني عرفته بأنه "عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه وذلك بتنازل كل منها للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا".
حيث مدد هذا التعريف على الصلح الجنائي وقال : "عقد بمقتضاه يحسم طرفاه الإدارة والظنين نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه مقابل تنازل كل منها للآخر عن جزء من مطالبه".[9]
وهو نفس المنحى الذي  نحاه بعض الفقه الفرنسي،ومن بينهم، "ريموند"Raymond"  حيث ذهب إلى القول بتمديد تعريف عقد الصلح المدني، الوارد في القانون المدني الفرنسي،  الفصل 2044 ق.م الفرنسي، ليشمل حتى الصلح الجنائي باعتبار أن هذا الأخير ماهو إلا تطبيقا من تطبيقات عقد الصلح المدني وتجليات من تجلياته.[10]
وفي هذا السياق عرف "كوس"" kouss" الصلح بكونه "عقد بمقتضاه يتنازل طرفان – الإدارة والظنين- عن المزايا والضمانات التي تكفلها المحاكمة الجنائية ويقبلون إحلال جزاء إداري محل العقوبة التي كانت من الممكن النطق بها من طرف القضاء لو تم إتباع المسطرة العادية".[11]
بحيث ثم إطفاء الطابع المدني- التعويضي على الصلح الجنائي، إذا على الرغم من كونه يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية، فلا يعتبر كتطبيق لعقوبة، بقدر ما يظهر كاتفاق رضائي لجبر الضرر الناتج عن المخالفة"[12] ذلك أنه اتفاق مبرم مع الظنين أكثر منه جزاء بالمعنى الدقيق للكلمة".[13]
هنا تم التركيز على الصلح في المجال ذات الطابع المالي، خاصة المجال الجمركي الذي يظهر فيه بشكل بارز ،مثالا نجد المشرع المصري قد أجاز الصلح في المجال الجمركي والضرائب. وكذلك في جرائم المرور، فقد أجازت المادة 124 مكررا من القانون رقم 66 لسنة 1963، بشأن التهريب الجمركي والمضافة بالقانون رقم 75 لسنة 1980 لوزير المالية أو من ينيبه إلى ما قبل صدور حكم في الدعوى العمومية.[14]
وبالرجوع إلى الفقه المغربي، فقد اعتبر رأي بأن "الصلح المعتبر كمحضر،هو بمثابة انتقال من الإطار الزجري إلى الإطار المدني، مما يضفي على هاته الوثيقة نزعة تعويضية صرفة".[15]
وقد ذهب رأي في الفقه الفرنسي، إلى نعت الصلح الجمركي سواء كان نهائيا أو مؤقت بكونه "عقد تبادلي ملزم لطرفيه مثله مثل عقد الصلح المدني"[16]                                            
                                                                                                                                             ويبرر" بلنشير" "Blancher" هذا الموقف بكون نفس الأحكام المنظمة لعقد الصلح المدني هي المطبقة بخصوص الصلح الجنائي، فهو عقد مبرم بين طرفين لإنهاء نزاع وله قوة الشيء المقضي به ولا يمكن طلب إبطاله بسبب الغلط في القانون أو الغبن".[17]
إذن يتضح أن الصلح الجنائي يتوفر على مقومات الصلح المدني_حسب بعض  الفقه المغربي والفرنسي_ كما هو منصوص عليه في المبادئ العامة للقانون المدني، فهو عقد تبادلي وعوضي وملزم لطرفيه.[18]
"فالصلح عقد ملزم لطرفيه : لأنه يرتب على عاتق كل طرف التزامات اتجاه الطرف الآخر.
- عقد تبادلي : إذ لكل من طرفيه التزامات وحقوق في مواجهة الطرف الآخر.
- وهو كذلك عقد معاوضة : حيث لا ينتج آثاره إلا بعد أداء المتصالح بمبلغ مالي أو تخليه عن أشياء يمكن تقويمها بمال".[19]
وهذا الرأي إن كان يجد بعض تبريراه في كون الصلح الجنائي يخضع في بعض أحكامه لمبادئ القانون المدني خاصة فيما يتعلق بأسباب البطلان وآثاره كما يتوفر طرفاه على هامش رضائي يخولهما قبول أو رفض إبرامه. إضافة إلى أن وثيقة الصلح تحتوي على عبارة: وقع الاتفاق، مما قد يفهم منه على أنه عقد رضائي،وهذا الرأي الأخير  أصبح من الجائز الأخذ به بالنسبة للتشريع المغربي  مع صدور قانون المسطرة الجنائية الجديد، والذي نص على الصلح الجنائي في صلبه، حسب المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجديدة. ولم يعد المشرع المغربي يكتفي بمجرد الإحالة عليه ضمن مبادئ القانون المدني كما كان في السابق .
غير أن الصلح الجنائي يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية، وهو بخلاف الصلح المدني الذي لا تنصب آثاره حتى في حالة الدعوى المدنية المرفوعة أمام القضاء الزجري إلا على الحقوق الخاصة للأفراد دون أن تؤثر على الدعوى العمومية[20].

من هذا كله تبرز لنا، أن هناك مجموعة من الاختلافات بين الصلح المدني والصلح الجنائي،والتي تدعونا لإبراز متطلبات انعقاد العقد المدني لنلاحظ مدى توفرها في الصلح الجنائي حتي نستطيع اعطاه طابع عقد مدني  ،والتي سنحاول مقاربتها من خلال الوقوف على الخصائص المميزة للصلح المدني :
فلقيام عقد الصلح المدني يجب توافر ثلاثة عناصر تعتبر جد مهمة وهي شروط لانعقاده. [21]
* قيام النزاع أو احتمال قيامه.
* التنازل المتبادل.
* نية حسمه.
بالنسبة للشرط الأول :
إذا كان عقد الصلح المدني يضع حدا لنزاع قائم أو محتمل الوقوع[22]، فإن الصلح الجنائي يقتصر على النزاع القائـم، فالجريمة موضوع الصلح تكون كشرط للمتابعة مثبتة بمقتضى محاضر متوفرة على قوة إثباتية قاطعة، فتكون إدانة الظنين شبه مؤكدة وتكون الإدارة متأكدة من أن الظنين سيعاقب بعقوبات أشد، إذا ما لجأ إلى القضاء، وهنا يفقد عنصر المنازعة مدلوله فيما يتعلق بالصلح الجنائي، كما أن المشرع قد أجاز إبرام الصلح حتى بعد حسم النزاع بصدور حكم بات، وهنا لا وجود لأية منازعة "فالنزاع قد فض عن طريق المسطرة القضائية".[23]
بل هناك من الحالات ما أجاز فيها الصلح حتى بعد تنفيذ الحكم، حيث يتم الصلح  على مزاولة مهنة أو فتح المحل... وفي هذه الحالات لا وجود لأي نزاع لا قائم ولا محتمل الوقوع ومع ذلك فقد أجاز المشرع إبرام الصلح.[24]

وهناك اختلاف آخر أضافه "Syr" في معرض تحليله للطبيعة القانونية للصلح في مادة الجرائم الاقتصادية (خاصة جريمة الزيادة غير المشروعة في الأثمان حيث لاحظ أنه لا وجود لأي نزاع بين الإدارة والمتصالح فلوجود نزاع لابد من وجود رابطة قانونية تربط بين الإدارة والظنين. ومن الناحية الصرفة لا وجود لأية رابطة بين أطراف الصلح في القضايا الاقتصادية (الإدارة- الظنين) وذلك لعدم وجود أي نزاع بينهما (إذ أن النزاع كان بين المستهلك والظنين وبالتالي لا يمكننا تكييف الصلح الاقتصادي بكونه عقد صلح مدني".[25]
وهذا ما ينطبق حتى بالنسبة للمغرب بخصوص التصالح على الجرائم المتعلقة بحماية المستهلك[26].من هنا يتضح إذن أن من أهم متطلبات إبرام عقد الصلح في الميدان المدني هو قيام نزاع أو احتمال قيامه ،على خلاف الحال بالنسبة للميدان الجنائي.
أما: بخصوص الشرط الثاني :
التنازل المتبادل نجد أن هناك مجموعة من التعاريف المعطاة للصلح ركزت على هذا العنصر.
فقد عرفه" مجدي محب حافظ" بأنه : "تنازل الهيأة الاجتماعية عن حقها في الدعوى الجنائية مقابل الجعل الذي قام عليه الصلح"، وقد أورد هذا التعريف استنادا على مجموعة من القرارات الصادرة عن المحاكم المصرية.[27] غير انه يؤخذ على هذا التعريف أنه لا يشمل الصلح إلا بعد النطق  بحكم نهائي، والذي يؤثر على الجزاءات المالية فقط، بعدما تكون الدعوى العمومية قد انقضت بصدور حكم بات يحسم في النزاع[28] وهذا ما حاول تفاديه "كسين"."R. Cassin" حيث اعتبر بأن الصلح هو "تنازل من الإدارة عن الدعوى العمومية، قبل صدور حكم بات وعن الجزاءات المالية بعد صدور حكم بات مقابل عوض نقدي.[29]
كما نجد "jean pujol "  بعدما مدد تعريف عقد الصلح المدني على الصلح في المواد ذات الطابع المالي، أقر بوجود شرط الالتزامات المتبادلة "فالصلح يؤدي إلى إلغاء الجزاءات مقابل التزام المتصالح بأداء عوض الصلح وكذا تنازله عن حقه في اللجوء إلى المسطرة القضائية لفض النزاع موضوع الصلح".[30]
فهل يمك القول بوجود تنازل متبادل؟بالفعل؟
بالنظر إلى وضعية طرفي الصلح وما يطبع الممارسة الإدارية التصالحية من لامساواة والمركز الممتاز الذي تحظى به الإدارة، يجعل من الصعب تصور تنازل متبادل والذي من مقتضياته توافر مساواة بين طرفي العلاقة القانونية وهذا ما يجعلنا نطرح التساؤل أخر، حول قيمة هذا التنازل سواء بالنسبة للإدارة أو بالنسبة للمتصالح؟.
*بالنسبة للإدارة :لا يمكن القول بأن الصلح ليس سوى تنازل بعوض عن حقوقها.
*.أما بالنسبة للمتصالح: وفي حالة إبرام الصلح بعد صدور حكم بات فلا وجود لتنازل من قبله عن حقه في اللجوء إلى المسطرة القضائية، لأنه لا يكون بوسعه التخلي عن هذا الحق أي الرجوع إلى القضاء بعد أن يكون القضاء قد نظر فعلا في قضيته".[31]من هذا يبرز لنا أن شرط  التنازل المتبادل ،المتطلب كشرط لانعقاد الصلح المدني ،لا يوجد في الصلح الجنائي ، نظرا  لوضعية اللامساواة مع الخصم الذي يرغب في الصلح وهو الإدارة، والتي تملك عدة وساءل لتأثير على خصمها في الخصومة الجنائية،دون مراعاة لنيته في إنهاء النزاع.


بالنسبة للشرط الثالث :
نية وقصد الطرفين لإنهاء النزاع : إذا كان قصد طرفي عقد الصلح المدني متطابقا، حيث يهدف طرفاه إلى فض نزاع قائم أو توقي حدوثه، فإن وضعية اللامساواة التي تطبع الصلح الجنائي تجعل من قصد طرفيه مختلفا إذ غالبا ما يهدف الظنين من وراء إبرام الصلح إما وقف المتابعات أو تحاشي المثول أمام القضاء أو الخوف من تطبيق جزاءات حبسية عليه... أما الإدارة فإنها وإن كان يظهر بأنها تهدف إلى جبر وتعويض الضرر الذي لحق المصلحة المحمية، فإن طابع الزجر يبدو واضحا في وثيقة الصلح وهذا بخلاف عقد الصلح المدني الذي يراعي طرفاه عند تحديد العوض ضرورة التناسب بينه وبين الضرر بل يمكن للضحية أن يلجأ إلى  القضاء للطعن في العوض بالزيادة في حالة تفاقم الضرر1.
فيكون مدار الصلح المدني هو جبر الضرر،أما عوض الصلح الجنائي، يحدد إما من طرف المشرع مسبقا، أو يحدد بمعرفة الإدارة تبعا لسلطتها التقديرية دون اعتبار لضرورة التناسب بين العوض والضرر بل حتى دون إحداث أي ضرر للمصلحة المحمية، الفصل 214 من المدونة الجمركية المغربية، وهذا ما يزكي الطابع الزجري لهذه المؤسسة.2
وبدلك يتأكد لن بان عقد الصلح الجنائي ، رغم بعض النقاط التي يتشابه بها مع الصلح المدني، إلا انه ليس عقدا مثله، وبذلك نجدد ضرورة لمواصلة  البحث حول الطبيعة القانونية التي تميزه  ، ونقارنها مع عقد الإذعان، لنطرح تساؤل له أهميته ، هل يمكن الاستناد على الوضعية الممتازة التي تتمتع بها الإدارة عند إبرام الصلح لإخفاء وصف "عقد إذعان" على الصلح الجنائي؟


الفقرة الثانية : الصلح الجنائي وعقد الإذعان
لتحليل هذا المقتضى حاولنا استيعاب الفكرة التي قال بها الدكتور" غنام محمد غنام "أما الصلح فيتخذ شكل عقد بين طرفين، أو هو في الحقيقة إملاء لإرادة طرفا على طرف آخر وهو ما يمثل نوعا من عقود الإذعان"3
فإلى أي حد يمكن تطبيق هذا المقتضى على الصلح الجنائي بالمغرب؟.
وهل بالفعل هناك علاقة  اللامساواة داخل هذه المؤسسة بين الإدارة والظنين؟وإذا كانت هناك بالفعل وضعية اللامساواة داخل هذه العلاقة بين طرفي الصلح هل توحي بتصنيفها في زمرة عقود الإذعان؟
لهذا لابد من تحديد ماهية عقد الإذعان وعناصره، لمعرفة مدى انسجامها مع الأحكام المنظمة للصلح الجنائي.
لقيام عقد الإذعان لابد  أن تكون شروطه عامة و موجهة إلى الجمهور بحيث يكون لها صفة العموم وليست خاصة بشخص معين.1
وهذا الشرط غير متوفر في الصلح الجنائي، إذ يتم التحاور مع ظنين معين بعد ارتكابه للمخالفة موضوع التصالح ،فيجد نفسه في وضعية الخاضع للشروط التي تفرضها الإدارة المختصة والتي تلوح بالجزاءات القاسية، التي يمكن الحكم بها قضائيا، في حالة فشل مساعي الصلح، عكس المتعاقد في عقد الإذعان الذي يمكنه أن يرفض إبرام العقد ومن ثم البحث عن متعاقد آخر يتعاقد معه بشروط أفضل، شركة اتصالات أخرى مثلا..).
إذن فالصلح الجنائي هو شيء آخر غير عقد الإذعان ،الذي يعتبر عقد مدني رضائي، والمؤكد أن العقود المدنية لا يمتد أثرها لتنصب على الدعوى العمومية فتسقطها لأنها من النظام العام، فالصلح الجنائي ينصب على مجال محرم على العقود المدنية ألا وهي الدعوى العمومية.[33]
إضافة  إلى أن عقود الإذعان هي "عقود يتولى أحد الطرفين المتعاقدين تحديد شروطها ثم يعرضها على الطرف الآخر الذي لا يملك الحرية  إلا أن يقبلها جملة أو يرفضها جملة".3
كما  توجد عدة خلافات أخرى  ببن الصلح الجنائي وعقود الإذعان ،من حيث الجهة المختصة بإبرامها و من حيث موضوعها، والتي تؤكد بوضوح اختلاف المؤسستين، ،وبالتالي عدم الخضوع لفكرة أن الصلح الجنائي  هو عقد إذعان.


* من حيث الجهة المختصة :
إذا كان من الممكن إبرام عقود الإذعان سواء من طرف شخص عام أو خاص[34] فانه من شروط الصلح الجنائي، أن يكون أحد طرفي الصلح شخص معنوي يمثل الدولة.
* من حيث الموضوع:
إذا كانت الضرورة الاقتصادية -نظرا لكون السلعة أو الخدمة من المرافق العامة الضرورية للأفراد -هي التي تدفع المتعاقد على إبرام عقد الإذعان، فإن الأمر خلاف ذلك بخصوص الصلح الجنائي، حيث إن إقدام الظنين على مخالفة قواعد زجرية هو الذي يدفعه إلى إبرامه، إيمانا منه بأفضلية التصالح على المتابعات القضائية وما يمكن أن تجره عليه من عقوبات حبسية[35] "إذن فالجريمة وليست الضرورة الاقتصادية هي ما يدفع الظنين إلى إبرام الصلح".3
هكذا يتضح أن الصلح الجنائي هو يختلف كثيرا ،علي الصلح المدني ولا يستساغ اعتباره عقد إذعان ،رغم بعض التشابه بين هذه المؤسسات في بعض المقتضيات القانونية.وهذا ما يجعلنا نواصل البحث عن طبيعته القانونية، لذلك كان لابد من التعرف على المقتضيات الزجرية الخاصة به،
المطلب الثالث: الطابع الزجري للصلح الجنائي
سننطلق في تحليلنا للطابع الزجري لهذه المؤسسة، من التعريف الذي ساقه الدكتور "صلاح بوكناني" للصلح الجنائي إذ أنه بعدما ميز الصلح الجنائي عن بعض المؤسسات المشابهة4،قال انه  "ليس عقد صلح مدني ولا عقد إذعان ولا عقد إداريا، ولا تصرف إداريا فرديا ولا عقوبة جنائية".وإنما خلص إلى أن لمؤسسة الصلح ذاتيها الخاصة بها، إذ أنها جزاء استثنائي مختلط (جنائي- إداري) فهي مقررة من طرف الإدارة بعد رضاء الظنين ومشروطة بقيام مسطرة زجرية." لهذا سنحاول التركيز على  مفهوم المسطرة الزجرية في إطار الصلح ،لاستنتاج الطابع الزجري لهذه المؤسسة،ولمعرفة لماذا ثم وصفها بأنها لها ذاتيتها الخاصة بها،وذلك من خلال إبراز علاقة الصلح بالدعوى العمومية (الفقرة الأولى)،وعلاقته بالعفو الخاص(الفقرة الثانية).وعلاقته بالعقوبة(الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: علاقة الصلح الجنائي بالدعوى العمومية
من خلال ما سبق يتضح لنا أن الصلح لا يعتبر مؤسسة مدنية صرفة، فهويتعدى النطاق المدني ليتسم بسياق يضفي عليه الطابع الزجري، إذ يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية، وبالتالي ينتج آثاره على العقوبات الزجرية فيؤدي إلى انقضاء حق الدولة في العقاب.لهذا فنحن هنا أمام مؤسسة جنائية، تخول للإدارة تعديل جزاءات زجرية لا يملك حتى القضاء إمكانية  التصرف فيها عن طريق وقف التنفيذ أو تضبطها ظروف التخفيف.
كما أن الإدارة لا تأخذ بعين الاعتبار عند تحديد عوض الصلح نتيجة الضرر الذي أصاب المصلحة المحمية، بل حتى دون حدوث ضرر مادي بالمرة وهذا ما يدعم طابعها الزجري حيث يهدف الجزاء إلى زجر الضرر المعنوي الذي سببته الجريمة ،كما تعتمد الإدارة عند تحديد عوض الصلح على قواعد فرض العقوبات لدى القضاء الجنائي، حيث تأخذ بعين الاعتبار أهمية المخالفة وظروفها ونية المخالف وخطورته الإجرامية.[36]
من هنا تبرز لنا أهمية المتابعة ووقفها و الآثار المترتبة للصلح على الدعوى العمومية، ويثار على هذا المستوى سؤال مهم للغاية، هل يمكن اعتبار الصلح قيد من قيود الدعوى العمومية؟ ،وبالتالي لا يجوز للنيابة العامة أن تتابع إلا بعد عرض الصلح على الظنين ورفضه إياه؟ أم أن عرض الصلح عليه أمر اختياري خاضع لسلطة تقديرية للإدارة؟لذلك لابد من إبراز أثار الصلح إيقاف المتابعة(أولا) ،وأثار الصلح على الدعوى العمومية(ثانيا).

أولا : آثار إيقاف المتابعة
لابد من إبراز أن النيابة العامة تفقد ولايتها على المتابعة بمجرد ما تضع المحكمة يدها على النازلة،بحيث يصبح من العسير القول بإمكانية التنازل عن المتابعة أو حفظ الملف بعدما أصبح بين يدي المحكمة.
غير أن المشرع حاول أن يوسع من سلطة النيابة العامة على الدعوى العمومية في شتى المراحل التي تمر منها الخصومة الجنائية ،حتى ولو أثناء المحاكمة في حدود جرائم معينة وتحت ضوابط محددة.
وعلى هذا فإنه إذا كان للنيابة العامة الحق في توجيه الاتهام والمتابعة والحق في إضافة المتابعة ولو أثناء مرحلة المحاكمة ،فإنها أصبحت تملك أيضا الحق في التقدم إلى المحكمة بملتمس وقف المتابعة وبالتالي إيقاف سير الدعوى العمومية بشكل عام.[37]
والملاحظ انه تبرز مجموعة من الخصوصيات لهذه المسطرة إيقاف الدعوى العمومية،خاصة أنها  تنتج آثار مهمة سواء بالنسبة للمحكمة ذاتها أو بالنسبة للنيابة العامة أو للخصوم. فهي توفر على المحكمة العناء والجهد، الذي تتحمله في البث في الجرائم التي يجوز إيقاف المتابعة فيها والتي لا ينجم عنها ضرر كبير، وهذا يمنحها فرصة التعمق والبث الجيد في القضايا ذات الأهمية الكبرى. والمقرر الذي تصدره المحكمة في إيقاف الدعوى العمومية يكتسب طابعا وقتيا بحيث يظل على هذه الصفة، إلى أن تظهر دواعي جديدة تبرر إعادة الفصل في الدعوى العمومية أو إلى أن ينقضي أمد خمس سنوات فيكتسب إلزامية أمام تقادم الدعوى المذكورة وسقوطها تبعا لذلك، كما أن إيقاف الدعوى العمومية يوفر حلا وديا بين الخصومة ويعيد السكينة والاستقرار للروابط والعلاقات داخل المجتمع، مما يعطي العدالة التصالحية قيمتها أكثر فأكثر، سيما وأن هدف العقوبة التي توقعها السلطة القضائية هو إصلاح المتهم وإعادة إدماجه سويا في المجتمع. و العقاب ليس غاية في حد ذاته كما يعبر ذلك بعض الفقه.[38] وإنما هو وسيلة لتقويم سلوك الشخص.[39]
ومن المعلوم أن إيقاف الدعوى العمومية يجنب الشخص المتابع الإدانة، وصدور حكم ضده قد يسجل في السجل العدلي، مما قد يكون سبب تعاسته وعدم تمتعه بكافة حقوقه الوطنية.
والمشرع قد حرص، على عدم معاملة مرتكبي بعض الجرائم البسيطة بمزيد من الصرامة، لكنه في ذات الوقت لم يجازف بمصلحة المجتمع،وإنما خول النيابة العامة سلطة في الموافقة على إمكانية  إيقاف المتابعة أم لا. كما منحها الحق في أن تلتمس مواصلة النظر في الدعوى العمومية إذا ظهرت مبررات جديدة، ليكون المشرع قد وازن بين شتى المصالح ناهجا بذلك عدالة تصالحية ومضفيا على أجهزة العدالة دورا اجتماعيا إصلاحيا أكثر منه عدائيا كما يتصوره معظم أفراد المجتمع خاصة الماثلين منهم أمام القضاء.[40]





ثانيا : آثار الصلح على الدعوى العمومية
إن تدبير الصلح في قانون المسطرة الجنائية يعتبر تدبيرا وسطا بين قرار الحفظ والمتابعة اللذان يمتلكان من طرف النيابة العامة.فيجب متابعة المشتكى به وتحريك الدعوى العمومية في حقه وفي نفس الوقت لا يعتبر قرارا بالحفظ لأنه لا تتوفر أسبابه.[41]
فإلى حدود ما سبق تبدو الأمور واضحة، لكن يظهر نوع من الغموض في الفقرة التاسعة التي تتحدث عن أسباب تحريك الدعوى العمومية من جديد وخاصة عند الحديث عن السبب الثالث وهو ظهور عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية، فنصت الفقرة التاسعة على ما يلي : "توقف مسطرة الصلح والأمر الذي يتخذه رئيس المحكمة أو من ينوب عنه، في الحالتين المشار إليهما في هذه المادة لإقامة الدعوى العمومية، ويمكن لوكيل الملك إقامتها في حالة عدم المصادقة على محضر الصلح أو في حالة عدم تنفيذ الالتزامات التي صادق عليها رئيس المحكمة أو من ينوب عنه داخل الأجل المحددة أو إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية ما لم تكن هذه الأخيرة قد تقادمت".[42]
إن الأثر المترتب عن مسطرة الصلح وكذا الأمر الصادر عن رئيس المحكمة هو وقف الدعوى العمومية، بمعنى أن المشرع المغربي رغبة منه في اقتصاد الخصومة الجنائية وتشجيعا منه للأطراف على سلوك مسطرة الصلح الودي، قرر أن لا تستمر متابعة المشتكي به أو المشبوه فيه، والوقف لا يعني بتاتا انتهاء المسطرة الجنحية أو انقضائها، ولكنها تظل مقيدة ولا يطلق سراحها إلا إذا تحققت الحالات التي اشرنا إليها آنفا. فإذا كان المشرع استهدف بهذا المقتضى وقف سير القضايا الجنحية التي كانت تملأ الرفوف، فإنه رفع هذا العبء وألقى به على كاهل المشتكى به الذي سيبقى مهددا في كل آن وحين بإقامة الدعوى العمومية من لدن النيابة العامة ،فالمشرع المغربي لم يتحدث عن انقضاء المسطرة الجنحية التي صادق عليها رئيس المحكمة وإنما اكتفى بمجرد الإيقاف. والسؤال الذي يطرح هو : هل يعتبر المشتكى به مدانا أم غير مدان؟ هل هو محكوم عليه أو غير محكوم عليه ؟
لقد أغفل المشرع المغربي الحديث عن مآل المسطرة في حالة انصياع  المشتكى به للأمر بالتصديق وبالتالي يبقى هذا الأخير محط أنظار النيابة العامة وهو وضع شاذ وغير مأمون النتائج وكان حريا بالمشرع المغربي وهو بصدد إقرار مسطرة الصلح أن يحدد مصير المشتكى به.
وتثار إشكاليات أخرى:ا-  أثر إيقاف  الدعوى العمومية على السوابق القضائية؟
ب- إذا نفذ المشتكى به الالتزام المصادق عليه من لدن رئيس المحكمة، فهذا لا يشفع له في انقضاء الدعوى العمومية التي تبقى متوقفة فقط، بدليل عدم وجود النص، فإذا طرا ما يمس الدعوى العمومية والتي لم تتقادم فإن النيابة العامة يمكن لها أن تقيم الدعوى العمومية بالرغم من تنفيذها الالتزام مادام المشرع لم يتعرض للأثر الناتج عن تنفيذ الالتزام.
ج-  الدعوى العمومية التي لم تتقادم عن أمد تقادم الجنحة هو خمس سنوات فهل يبقى المشتكى به مهددا طيلة هذه المدة ، خاصة أن  حكما بالبراءة أو الإدانة يحقق نوعا من التوازن النفسي للمشتكى به،الشيء الذي لا وجود له في جد مقتضيات مسطرة الصلح التي تجعله طيلة أمد التقادم مهددا بإقامة الدعوى العمومية في حقه.[43]وتحريكها من جديد في حق.
إذن الصلح له عدة أثار مهمة تؤثر بشكل كبير الدعوى العمومية و على الطابع الزجري الذي يميزها،بل قد يتشابه مع العفو الخاص في طبيعته القانونية.
الفقرة الثانية : الصلح الجنائي والعفو الخاص
يعتبر العفو الخاص مزية تمنح من طرف رئيس الدولة لفائدة المحكوم عليه الذي يعفى من العقوبة كليا وجزئيا ،والعفو الخاص بهذا المعنى تنص عليه العديد من التشريعات مثل التشريع الفرنسي في الفصل 7، 133 من القانون الجنائي وفي المادة 17 من الدستور الصادر في 4 أكتوبر 1958 كما ينص عليه الدستور البلجيكي في الفصل 73 والدستور السوري في الفصل 414 وقانون العقوبات المصرية في المادة 153، أما المشرع المغربي فقد نص على العفو الخاص في الفصل 34 من الدستور وفي الفصل 53 من القانون الجنائي الذي ينص على أن العفو يعتبر حقا من حقوق الملك يباشر وفق ما ينص عليه الظهير المنظم له.[44]
ويعتبر سببا من أسباب انقضاء حق الدولة في العقاب إلى جانب الصلح، وهذا ما جعل بعض الفقه المقارن إلى الخلط بينهما واعتبار أن لهما نفس الطبيعة القانونية.
وهكذا فقد ذهب "H. Vaillant " إلى تشبيه الصلح  القانوني بالعفو الخاص سواءا أبرم قبل حكم قضائي ونهائي أو بعده، فبالنسبة للصلح قبل حكم نهائي يعتبر بمثابة حق عفو معلق على شرط أداء العوض المتفق عليه ونفس الشيء يقال بالنسبة للصلح بعد حكم نهائي ،والذي لا ينتج آثاره إلا بالنسبة للعقوبات المالية، دون الحبسية فنكون أمام حق عفو جزئي.[45]
نفس الرأي ذهب إليه الأستاذ "علي فاضل حسن" حين تعرض لتبريرات الصلح "ويمكن تبرير ذلك النظام- أي الصلح- باستيداع القانون هذه الإدارات في مثل تلك الجرائم التي لا تفزع النظام العام، سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية، فبوسع الإدارة المختصة مباشرة سلطات الدولة القضائية بتحريك الدعوى الجنائية، ومباشرة السلطة التنفيذية بتقرير التصالح المقابل للعفو، فالعفو ليس إلا ضربا من التصالح بين المجتمع والجاني".[46]
فهل يمكن الأخذ بهذه  الآراء سواء بالنسبة لمجال الغابات والجمارك... أو يمكن الاخد بها بخصوص جميع المجالات التي أجازت الصلح ؟.[47]خاصة انه قد يختلط الصلح  بحق العفو الخاص بالنسبة للصلح بعد صدور حكم نهائي "حيث يشابه حق الإدارة إلى حد بعيد حق رئيس الدولة في منح العفو الخاص".[48]
بل ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى نعته بوصف "العفو الإداري الرامي إلى تفادي النتائج الثانوية للحكم القضائي مثل المنع من مزاولة المهنة، وذلك في حالة إبرام الصلح بعد تنفيذ الحكم".[49]
لكن توجد مجموعة من الاختلافات تميز بين المؤسستين-الصلح والعفو الخاص- نقارب من خلالها مدى صحة الآراء أعلاه،وهكذا  يمكن إبراز هذه الاختلافات كالآتي :
* من حيث الجهة المختصة : فالعفو الخاص هو اختصاص ملكي بصريح نص القانون على ذلك، وهم ما يطلق عليه الفقه العفو المولوي.[50]
أما الصلح فهو من اختصاص مجموعة من الإدارات خولها القانون ذلك.بنصوص خاصة صريحة .
* من حيث الآثار : العفو الخاص يمكن أن ينتج مفعوله فيمحي العقوبات المالية والحبسية أو أحدهما فقط حسب إرادة الجهة المختصة (رئيس الدولة) كما يمكن لهاته الجهة حسب سلطتها التقديرية أن تمارس العفو الخاص.والذي يمكن أن يصدر قبل نحريك المتابعة الزجرية أو أثناء سيرها أو بعد صدور العقوبة، وهذا ما ينص عليه الفصل الثاني من ظهير 18/10/1977 على أن "العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة وفي جميع مراحل المسطرة ولو أمام المجلس الأعلى".[51]
أما آثار الصلح فهي محددة بمقتضى نصوص قانونية صريحة لا يجوز للإدارة تجاوزها، فلا يحق لها أن تتصالح مثلا بخصوص جريمة الزيادة غير المشروعة في الأثمان بعد إثارة الدعوى العمومية وإلا فإنها ستكون قد تكون قد خرقت نصا قانونيا صريحا.كما أن القانون قد حدد آثارها ،فهي تنصب على الجزاءات المالية والحبسية قبل صدور حكم نهائي ولا تنصب إلا على الجزاءات المالية بعد صدور حكم نهائي، فلا مجال لتدخل إرادة الإدارة في هذا التحديد.
* كما أن الصلح يفرض توافق إرادتين ،عكس العفو الخاص الذي يعتبر نتاج إرادة منفردة، فهو يعتبر منحة ملكية يستفيد منها بعض الأشخاص في مناسبات معينة، بل هناك من ذهب إلى أنه لا يجوز للمحكوم عليه أن يرفض العفو من عقوبته لأنه ليس هو صاحب الحق في العقوبة بل السلطة العليا هي التي لها الحق في توقيعها كما أن لها الحق في العدول عنها إذا رأت أنها لا تتفق مع العدل أو المصلحة الاجتماعية.[52]فالحيز الرضائي الممنوح للظنين هو الذي يميز الصلح عن العفو.[53]
* كما أن العفو الخاص يعفي من العقوبة فقط، ولا يؤثر العفو الخاص على الأحكام المسجلة بالسجل العدلي و التي تؤخذ بعين الاعتبار عند تطبيق قواعد العود أو إيقاف التنفيذ.[54]وهذا بخلاف الصلح الجنائي الذي لا يحتسب في العود ولا يتم تسجيله في سجل سوابق المتصالح.[55]
الفقرة الثالثة : الصلح والعقوبة
تعتبر العقوبة الزجرية أقدم وسيلة لجأ إليها النظام الجنائي لردع المجرمين منذ عدة قرون ،وقد عرفت تطورا كبيرا في كل المجتمعات، حيث تحولت عبر العصور، من العقوبة الوحشية إلى العقوبة التي تراعي آدمية المحكوم عليه، وتهدف إلى إعادة إدماجه في المجتمع[56] وهي أي العقوبة "الجزاء الذي يقرره القانون ويوقعه القاضي على من تثبت مسؤوليته الجنائية عن فعل يعتبر جريمة في نظر القانون".[57]
وتعتبر كذلك "جزاء للجريمة، فهي وسيلة زجرية تقع على الجاني فتصيبه في بدنه أو ماله أو شرفه".[58] وكانت الغرامة الجنائية من أهم العقوبات المالية التي تصيب الجاني في ذمته المالية، فقد يوحي الألم الذي يسببه الصلح للمخالف ووقوعه على ذمته المالية بأنه عقوبة بالمعنى الضيق للكلمة.[59]
وهذا ما ذهب إليه بعض الفقه الفرنسي حيث اعتبروا الصلح الجنائي عقوبة  بمعناها الدقيق وخاصة في المجالات التي يغلب فيها طابع النظام العام على طابع التعويض،كالجرائم الاقتصادي ومخالفة قواعد السير والمرور...
وقد ذهب رأي في الفقه المصري إلى اعتبار الصلح في بعض الجرائم "كوسيلة تتوصل الدولة بواسطته إلى ممارسة سلطة العقاب بغير طريق الدعوى الجنائية".[60] لنطرح سؤال هنا، هل بالفعل لدى الصلح خصائص العقوبة؟.
وهذا ما سنتعرف عليه من خلال إبراز خصائص العقوبة و مقارنتها مع الصلح الجنائي.
العقوبة  تتميز بالخصائص التالية :
* صفة الشرعية : تستمدها من القاعدة الدستوري.[61]
" لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
وهو المبدأ الذي يتطابق مع الطابع الاستثنائي للصلح الجنائي.
* الصفة القضائية : وهي تدخل السلطة القضائية عن طريق الدعوى العمومية، التي تحركها النيابة العامة، وذلك لمحاكمة الجاني وتحديد العقوبة الملائمة للجريمة التي ارتكبها في حق المجتمع.[62]
والعقوبة هي مرتبطة بصدور حكم قضائي من المحكمة المختصة، أما بخصوص الصلح الجنائي فانه مسطرة إدارية بحثة تبرم وتنفذ خارج مراقبة القضاء والقول بكون الصلح عقوبة ،معناه تفويت اختصاصات القضاء للسلطة الإدارية وهذا غير مشروع.[63]كما إن العقوبة تتناقض مع الهامش الرضائي المخول للظنين في قبول إبرام الصلح أو رفضه.2فالمخالف المعاقب ليس له خيار في خضوعه للعقوبة أو عدم خضوعه لها لان ذلك من صميم اختصاص القضاء،وهذا ما يتجلى حتى بالنسبة للتعريف القانوني للعقوبة الغرامة 3 .عند تعريفها عبارة "إلزام"، مما يقيد عدم الاختيار عكس الصلح الذي يتميز بطابعه الرضائي ،بل حتى بعد إبرام الصلح " يمكن للمتصالح –من الناحية النظرية- إن يرفض تنفيذه- ذلك إن أداء مبلغ الغرامة الصلحية اختياري وبما أنها غير مذيلة بالصيغة التنفيذية لأنها غير صادرة عن القضاء فلا يمكن تطبيق مسطرة التنفيذ الجبري علي أموال الظنين لإجباره على الوفاء بتنفيذ بنوده4
* صفة المساواة :
المساواة أمام القانون الجنائي وهي خضوع جميع الأفراد لمقتضياته، دون تمييز بينهم بالرجوع إلى وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي أو الديني.لكن هذا لا نجد له تطبيق بخصوص الصلح الجنائي، فقد خول المشرع للإدارة المختصة سلطة تقديرية في إبرام الصلح أو عدم إبرامه دون اهتداء بقواعد موضوعية مضبوطة وهذا يخرق مبدأ المساواة،الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ الشرعية المميزة للعقوبة .
كما يتجلى هذا الخرق كذلك في عدم ترتيب آثار العقوبة على الصلح (فهي لا تحتسب في العود ولا تسجل في سجل السوابق) فيكون بذلك الظنين المتصالح في وضعية أفضل من الذي قررت الإدارة بسلطتها التقديرية إحالة ملفه على المحكمة.
* صفة الشخصية : القضاء الجنائي لا يلجأ إلى العقوبة إلا عند ثبوت المسؤولية الجنائية للمتهم ،وهذا يعني أن العقوبة ترتبط ارتباطا عضويا بمفهوم المسؤولية الجنائية التي تعتبر في نظر المشرع شخصية[64] أي أن الشخص الذي يرتكب الجريمة يعتبر مسؤولا لوحده عن هذه الجريمة سواء كان فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا فيها. واعتبار المسؤولية الجنائية شخصية يضفي نفس الصفة على العقوبة، التي لا يمكنها أن تصيب إلا  الشخص المتابع بسبب جريمة ارتكبها وهذه الصفة تحول طبعا دون متابعة أفراد آخرين لم يرتكبوا الجريمة ولو كانت لهم قرابة بالمتهم أو علاقة اجتماعية محددة.[65]
كما أن مبدأ شخصية العقوبة هذا لا يجد تطبيقاته الكاملة بخصوص الصلح الجنائي فنجدها تمتد إلى أشخاص آخرين غير المخالف حيث يتم توسيع مفهوم المساهم والشريك إضافة إلى أشخاص آخرين (رب العمل، الزوج، الأب، المسؤول المدني، الورثة...) كما أنها لا تحقق مجموعة من أهداف العقوبة ،خاصة الردع العام والردع الخاص.

من هذا كله يمكن تبني التصور القائل بان الصلح الجنائي له طبيعة خاصة ، وهي التي دفعت المشرع إلى تبنيه في منظومته القانونية بالاعتماد على مجموعة من المبررات.قانونية وواقعية.














المبحث الثاني : مبررات الصلح الجنائي

سنبرز أهم المبررات التي دفعت المشرع المغربي إلى إحداث مؤسسة الصلح  في صلب القانون الجنائي المغربي؟ ونتساءل بالتالي هل هناك نية لإحداث قانون إداري جنائي بالمغرب؟يحاكي مجموعة من التشريعات المقارنة؟
أهمها التخفيف من الجزاءات وقسوتها، في المجالات التي أجازت الصلح ،كمبرر قانوني .(المطلب الأول) لنقف بعد ذلك على المبررات الواقعية(المطلب الثاني) لنتعرف هل هناك من ملامح للقانون الإداري الجنائي ومبرراته(المطلب الثالث).بالتشريع المغربي.
المطلب الأول : الجزاءات والتخفيف من قساوتها في المجالات التي أجازت الصلح
إن من أهم المبادئ القانونية الثابتة والراسخة في التشريع الجنائي ،هو عدم إمكانية التعرض في الدعوى العمومية والتي تعتبر ملكا للمجتمع ،هذا المجتمع الذي خول النيابة العامة وحدها- كمبدأ عام- سلطة تحريكها وممارستها دون إمكانية التصرف فيها.
فإعطاء مجموعة من الإدارات إمكانية التصرف في الدعوى العمومية وإنهائها عبر التصالح مع الظنين مقابل عوض مالي يعتبر تطاولا على مجال ،لا يسع حتى النيابة العامة أن تتصرف فيه ويشكل تهديدا للدعوى العمومية في حد ذاتها، ويزداد هذا النظام غرابة حينما يتم التصالح بخصوص بعض المجالات، على الجزاءات المالية حتى بعد صدور حكم نهائي، وفي هذا تطاول على الأحكام القضائية النهائية، فيشكل الصلح خرقا لمبدأ قوة القضية المقضية وما يرمي إليه من أهداف خاصة "استقرار المعاملات"[66] وهكذا  يمكن تبرير حق الصلح المخول لبعض الإدارات بالطبيعة الخاصة والمختلطة للدعوى والجزاء في المجالات التي أجاز المشرع التصالح بشأنها حسب الفقه الفرنسي.[67] ومن خلال قراءة في التشريعات المغربية التي أجازت الصلح، نجد بأن هذا التبرير يمكن الأخذ به خاصة بالنسبة للجرائم التي أجاز المشرع الصلح بشأنها قبل وبعد النطق بالحكم النهائي (الجرائم ذات الطابع المالي البيئة، التبغ، الصيد البحري...) حيث يتميز فيها الجزاء والدعوى بطابع مختلط.(الفقرة الأولى)كما هدف المشرع التخفيف من قساوة الجزاءات في هذه المجالات (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : الطابع المختلط للدعوى والجزاءات
فالعقوبة وخاصة الغرامات المقررة لزجر مخالفة تلك القوانين الجنائية الخاصة (البيئة، التبغ، الصيد البحري...) تشكل في نفس الوقت عقوبة بالمعنى الضيق للكلمة وتستهدف كذلك ترميم الضرر الذي لحق بالخزينة، فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى المغربي "حيث إنه من جهة فإن المبالغ التي يحكم بها لشركة التبغ وإن كانت تنزل منزلة التعويضات من حيث عدم إمكانية تطبيق مقتضيات ظروف التخفيف عليها فإنها تعتبر ذعائر حكم بها كعقوبة ضد المتهم لارتكابه جنحة مسك التبغ.[68]
وجاء في قرار آخر : "... ذلك أن اتصافها-دعائر التبغ- ببعض الخصائص المدنية لا ينفي عنها صفة العقوبة الزجرية ولا يغير شيئا من خصائصها.[69]
كما يتجلى طابعها المدني "في عدم خضوع الغرامة- ميدان التبغ- لتقدير المحكمة حتى تستطيع أن تنزل عن حدها الأدنى".[70]
إذ أن الإدارة هي التي تعمل على هذا التحديد وذلك عن طريق الربط بين هذا التحديد وبين الضرر الناتج عن الجريمة أو بينه وبين الفائدة التي حققها الجاني أو سعى إلى تحقيقها لكونها تختلف تبعا لظروف كل واقعة"[71] فهاته الخصائص تجعل الغرامة في هاته المجالات ذات طبيعة مدنية لكن دون إغفال طابعها الزجري "وضرورة إثباتها عن طريق وسائل الإثبات الجنائي دون غيرها".[72]
فالغرامة في المجالات التي أجازت الصلح قبل وبعد النطق بالحكم النهائي ذات طابع مختلط زجري ومدني،وطابعها المدني التعويض هو الذي يبرر حق الصلح لهاته الإدارات حسب رأي القائلين بهذا الاتجاه.[73]
كما أن صفة الطابع المختلط لا تقتصر على الغرامات ،بل تمتد إلى الدعوى،فالدعوى المقامة بخصوص المجالات أعلاه بالرغم من كونها دعوى عمومية إلا أنها شرعت لحماية مصلحة خاصة مما يعطيها قابلية للصلح ،فهاته الدعوى توجد في مركز وسط بين الدعوى المدنية والدعوى العمومية، تمارسها الإدارة باعتبارها طرفا متضررا "فإدارة الجمارك ليست طرفا مدنيا عاديا تطبق عليها القواعد العادية للمسطرة بل تمتلك دعوى مختلطة لها في نفس الوقت صبغة مدنية وصبغة جنائية من طبيعة خاصة...".[74] لهذا فقد أعطى المشرع لمجموعة من الإدارات حق إثارة هذه الدعوى وبالتالي إمكانية التصرف فيها عن طريق الصلح.[75]
 وكما هو ملاحظ من الآراء أعلاه فان هذا التبرير إن كان يصدق بالنسبة لمجالات معينة فانه لا يصدق بالنسبة لمجالات أخرى أجاز فيها المشرع الصلح خاصة منها الجرائم التي يجوز التصالح بشأنها قبل إثارة الدعوى العمومية فقط (مثلا التشريعات المتعلقة بحماية المستهلك، مخالفة قواعد السير والمرور...).حيث يكون للدعوى والغرامة فيها طابعا جنائيا صرفا، ففي جريمة الزيادة غير المشروعة في الأثمان مثلا لا تتضرر ميزانية الدولة ولا يثرى المخالف على حساب خزينة الدولة بل يثرى على حساب المستهلك،لذا فإن الغرامة المقررة لزجر مثل هذا التصرف ليس لها طابع تعويض مدني بل طابع جنائي صرف، ونفس الشيء يقال بخصوص مخالفة قواعد السير والمرور.
إذن فإن تبرير الصلح الجنائي بالطابع المختلط للدعوى والجزاء لا يشمل جميع مجالات الصلح، إضافة إلى أنه حتى بالنسبة للمجالات التي تتميز فيها الجزاءات والدعوى بالطابع المختلط فإن ذلك لا ينفي عنها الطابع الزجري ،ففي المجال الجمركي مثلا يحكم بالغرامة حتى ولو لم تلحق المخالفة أية أضرار بخزينة الدولة الفصل 214 من المدونة الجمركية المغربية.[76]
لهذا نجد أن البعض الآخر من الفقه قد نحا منحى مغايرا في تبريره لحق الصلح إذ ركزوا على طبيعة الجرائم الجائز التصالح بشأنه، وبرروا حق الصلح بكون تلك الجرائم لا تمس النظام العام ولا تحدث اضطرابا اجتماعيا.
وإذا كان رأي في الفقه الفرنسي قد قصر هذا التبرير على الجرائم الجبائية.[77]
فإن الأستاذ "بلون" "Blonc" في معرض تعريفه للصلح الجنائي في التشريع المغربي قد وسع من نطاقه وجعله تبريرا للصلح الجنائي في جميع المجالات التي أجازت الصلح "فالصلح يتعلق بجرائم لا تثير الشعور العام لأنها جرائم اصطناعية ارتبط ظهورها بالتطور الاقتصادي الذي عرفه المجتمع، وبالتالي فان التصالح بشأنها لا يشكل أي مساس بالنظام العام[78] فأعضاء المجتمع لا يعتبرون مثل هاته الوقائع المجرمة جرائم حقيقية ولا يعتبرون الجزاء الذي يوقع في مقابل ارتكابها عقوبة تستدعي اللوم الاجتماعي.[79]فهل يستقيم هذا التبرير ؟.
إن اعتبار الجرائم التي يجوز التصالح بشأنها "جرائم اصطناعية" انطلاقا من التفرقة التي قال بها الفقيه الإيطالي "جاروفالوا" في مجال السياسة الجنائية، بين الجرائم الطبيعية والجرائم الاصطناعية، توجيها منه للمشرع وهو يهم بممارسة وظيفته التشريعية في تجريم ما يريد تجريمه من أفعال" وباعتمادنا هاته التفرقة تبريرا للصلح" نكون قد أخرجنا هاته التفرقة من مجالها الطبيعي إلى مجال أخر غريب عليها وهو مجال القانون الجنائي بعد أن يكون المشرع قد فرغ من وضع قواعده الجنائية.[80]
فالجرائم التي أجاز المشرع التصالح بشأنها وإن لم تكن تثير استنكار العموم فإنها تمس النظام العام،خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي والبيئي، وهي الجرائم الأخرى التي تلحق ضررا بالمجتمع انطلاقا مما يلحق بأفراده من ضرر فإنها تلحق ضررا مباشرا بالمجتمع ثم ينعكس هذا الضرر على الأفراد "فالجرائم البحرية تزعزع النظام العام... إذ بالرغم من عدم تعامل الرأي العام معها بحساسية فإن الضرر يلحق بالاقتصاد الوطني ويمس المجتمع برمته".[81]
فالمشرع حينما يعمد إلى تجريم تصرف معين فلأنه يشكل خطرا على الاستقرار الاجتماعي، وبارتكاب مخالفة للتشريع الجنائي يتقرر للدولة حق العقاب تقتضيه بواسطة الدعوى العمومية، فهل من المعقول القول بأن الجرائم التي أجاز المشرع التصالح بشأنها لا تتعلق بالنظام العام وأن التضحية بالدعوى العمومية يجد تبريره بكونها لا تتعلق بالنظام العام؟ : علما بأن "كل تصرف غير مشروع يعتبر خطرا من وجهة نظر المجتمع" على حد تعبير رأي في الفقه الروسي.[82]
وهذا ما دفع الأستاذ "جورج قذيفة" للقول بأن "حق الصلح الذي منحته الإدارة –الجمركية- للتصرف في الدعوى العمومية إنما هو خرق لمبدأ الحق العام لأن بتنازلها عن الدعوى تتصرف في الحق العام أو جزء منه، هذا الحق الذي لا يسع النيابة العامة نفسها التصرف فيه".[83]
والى جانب هذا التبرير هناك تبرير آخر وهو رغبة المشرع في التلين من شدة الجزاءات في التشريعات الجنائية بصفة عامة.

الفقرة الثانية : التلين من شدة الجزاءات في التشريعات الجنائية الخاصة

هناك الكثير من الأحكام التي تقتبسها القوانين الجنائية الخاصة ،من المبادئ العامة للتشريع الجنائي إلا أن هناك استثناءات عديدة عن هذه المبادئ العامة، توجد بهذه التشريعات الجنائية الخاصة بالمقارنة مع التشريع  العام، وتتجلى أساسا في :
"تنعت أغلب الجرائم الجائز التصالح بشأنها بكونها جرائم مادية ،يكفي للمعاقبة عليها ارتكاب الركن المادي دونما اعتداد بالقصد ،المشرع يسوي بين العمد والخطأ ويترتب عن عدم هاته التسوية وعدم استلزام القصد الجنائي في العقاب على هاته الجرائم عدة نتائج حيث يسمح "بتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية عندما يمكن أن تلحق هاته المسؤولية شخصا غير من تحققت فيه الجريمة مباشرة بفعله المادي ودون أن يكون قد صدر عنه نشاط يجعل منه شريكا بمعناه الذي عرفه القانون الجنائي.[84] كما أن المشرع لا يعتد بحسن نية المتابع ،وفي هذا السياق ذهب المجلس الأعلى المغربي بخصوص جرائم التبغ إلى "نقض الحكم – الصادر عن إقليمية تطوان بتاريخ 12 أبريل 1962، الذي قضى برد السيارة المحجوزة كوسيلة النقل إلى صاحبها لعلة أنه كان حسن النية ولم يكن يعلم أن الراكب كان يحمل معه "الكيف" والحال أنه ضبط في السيارة أوراق طابا".[85]
بل ذهب المجلس الأعلى إلى حد نقض قرار صادر عن استئنافية مكناس قضى برد سيارة وجد على متنها التبغ إلى صاحبها لعلة أنها سرقت منه وارتكبت بها الجريمة[86] وهنا تقترب هاته الأحكام من بقايا الفلسفة الجنائية القديمة، التي كانت تعتد في العقاب بوصف الجريمة فقط دونما اعتداد بالقصد أو بحسن النية ودونما اعتداد بالقصد أو بحسن النية، ودونما اعتداد بالجوانب الشخصية للجاني في تقرير العقاب.[87]
ويتجلى الطابع الاستثنائي لهاته التشريعات الجنائية الخاصة كذلك في عدم تمتيع الجاني بظروف التخفيف ولا إيقاف التنفيذ.[88]وفي هذا خروج عن المبادئ الجنائية العامة "وذلك إن منح ظروف التخفيف ولئن كان ملك للمحكمة كمبدأ عام- فصل 146 ق.ج.م ،إلا أن هذا المبدأ يرد عليه استثناء وهو ما ذهب إليه الفصل 18 من ظهير 21 يوليوز 1923 المنظم للصيد البري الذي منع تطبيق الظروف المخففة وإيقاف التنفيذ على المخالفات المقررة في الظهير المذكور.
وعليه فإن القرار المطعون فيه كما قضى على النحو السالف الذكر يكون مخلا بمقتضيات قانون خاص وبالتالي يكون معرضا للنقض.[89]
* كما يتجلى الطابع الاستثنائي كذلك في الجانب المسطري، حيث خول المشرع لمجموعة من الإدارات إمكانية ممارسة الدعوى الزجرية وملاءمة تحريك الدعوى العمومية كما نص على أحكام خاصة للأدلة فوسع من نطاق الأشخاص المخول لهم ضبط هاته الجرائم وأعطاهم سلطات واسعة، وأعطى للمحاضر المحررة من قبلهم قوة إثبات قاطعة[90] "حيث تقوم حجة على الأفعال المادية المتعلقة بالجنح- الظهير الغابوي- التي تشهد بوقوعها ما لم يطعن في تلك المحاضر بالزور".[91]ويكون معرضا للنقض الحكم الذي اعتبر باطلا المحضر المحرر من طرف شخصين على الأقل من رجال الجمارك في المسائل المالية استنادا إلى إثبات ما يخالفه عن طريق شهادة الشهود وعن طريق القرائن فهاته المحاضر يوثق بها إلى أن يدعي فيها بالزور.[92]
فكل هاته الأحكام الاستثنائية والقاسية راجعة أساسا إلى الطبيعة الخاصة للتشريعات الزجرية- التي أجازت الصلح- لأهمية المجالات التي تنظمها، وقد ارجع الأستاذ "علي فاضل حسن" شدة هاته الأحكام لغياب الوعي الاقتصادي لدى الجمهور"[93] إضافة إلى الطابع التقني لهاته المجالات فهي جرائم خفية يصعب اكتشافها وان تم اكتشافها يصعب إثباتها لذا فإن خضوع الزجر في هاته المجالات للمبادئ العامة للتشريع الجنائي يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب.[94]
وكخلاصة نستطيع أن نقول بأن الجزاءات في هاته المجالات تختلف عن العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات باعتبار أن هدف هذه الجزاءات هو حماية النشاط الاقتصادي لذا فهي "تتميز بأخذ المحكوم عليه بالشدة وحرمانه من بعض وسائل التخفيف كإيقاف التنفيذ مثلا حيث يضيق مجال وسائل التفريد التي يقررها القانون لقاضي الموضوع عند تقدير الجزاء.[95]
وهاته الطبيعة القاسية والخاصة للجزاء في الجرائم التي أجاز المشرع التصالح بشأنها هي التي اعتمدها بعض الفقه لتبرير حق الصلح إذ أن قساوة الأحكام الجمركية هي التي تدفع الإدارة لتصالح وكثرة لجوءها إلى هذا الإجراء لفض المنازعات".[96]
فعن طريق الصلح "ثم تعويض التخفيف القضائي للعقوبة بتخفيف إداري[97] إذ أنه "مقابل الصرامة التي تطبع مقتضيات التشريع الجمركي- الفرنسي- يخول المشرع للإدارة حق إبرام الصلح الذي يسمح بوقف المتابعات القضائية أو تفاديها، وفرض جزاء نقدي يتناسب مع ظروف وملابسات النزاع".[98] ورغم وجاهة هذا التبرير فلا يمكن الآخذ به على إطلاقه ،فحتى وان كان الصلح الجنائي يصهر كظرف مخفف1منحه المشرع للإدارة-نظرا لحنكتها ودرايتها بالمجال الذي تسهر على إدارته-كوسيلة للتلطيف من قسوة الجزاء بشكل يتناسب مع ظروف وملابسات النزاع تبعا لسلطتها التقديرية في اعتماد حسن نية الظنين وظروفه الشخصية فانه لا يبرر حلول الإدارة محل القضاء في ممارسة اختصاصات فيصبح رجل الإدارة يقوم بنفس الدور الذي يقوم به القاضي عند تقرير الجزاء ويتوصل إلى نفس النتيجة التي يتوصل إليها القاضي لكن دون إن يتوفر على التكوين اللازم لذلك،ودون احترام لمبادئ المقاضاة وضمانته ،فالإدارة هنا تصبح هي الخصم والحكم وفي هدا إهدار لحقوق المتقاضي.
والى جانب هذه المبررات هناك مبررات أخرى واقعية.



المطلب الثاني .المبررات الواقعية للصلح الجنائي

بعد أن تطرقنا للتبريرات التي تستند على جانب ألتأصلي القانوني،سنتطرق هنا للتبريرات التي تتخذ كشعار لها ما يحققه الصلح من نفع،من اجل "الحصول تشريعيا على نتائج عملية وبسيطة يجب في بعض الأحيان الاستسلام وخرق المبادئ"3
فالتطور الذي عرفه المجتمع،وتعقد الحياة العصرية وكثرة المخالفات البسيطة التي لا تثير الشعور العام ولا تحدث اضطرابا اجتماعية هو "المبرر الأساسي أي يدفعنا لترجيح كفة التبريرات النفعية للأخد بالصلح حتى ولو تعارضت مع مبادئ القانون الجنائي"4. وهدا ما تؤكده ديباجة القانون المتعلق بالمحافظة على الطرق العمومية ومراقبة السير والمرور بالمغرب5
إذ بالرغم من كون الصلح الجنائي تؤدي إلى خرق مجموعة من المبادئ الأساسية في التشريع الجنائي فلا يمكن إنكار أنها تؤدي إلى تحقيق ميزتين : الملاءة، والسرعة. وهما ما اصطلحنا على تسميته بالتبرير الاقتصادي في المصاريف والاقتصاد في الإجراءات.وهكذا سنقسم إلى مبحثين:
الملاءة (الفقرة الأول)
السرعة( الفقرة الثانية)



الفقرة الأول:الملاءة-الاقتصاد في المصاريف-
إن من أهم التبريرات المعطاة للصلح هو النفع الذي نحققه لخزينة الدولة ويتجلى هذا النفع على عدة مستويات:
_عن طريق الصلح تجني خزينة الدولة منافع مادية محترمة فالإدارة تفضل الحصول على عوض الصلح  بدل انتظار الفض القضائي للنزاع والحكم على الظنين بعقوبات حبسية – لا تستفيد منها الخزينة وإنما تزيد في أعبئها – أو عقوبات مالية يصعب على الإدارة إن  تحصل مبلغها وهنا تطرح مشكلة تحصيل الغرامة المالية 6
_كما إن الصلح يجنب الأطراف كلفة المسطرة القضائية  خاصة بالنسبة للدولة  حيث إن كثرة المخالفات البسيطة وتكدس القضايا أمام المحاكم فسح المجال لكثرة اللجوء إلى مسطرة الصلح لفض النزاعات وهذا مايو فر على الدولة "تكلفة إحداث محاكم جديدة ومضاعفة عدد القضاة7 ،وهذا التبرير هو أساس ا في صالح الإدارة ،أما بالنسبة للظنين فان تبرير لجوؤه لمسطرة الصلح" بكون المسطرة القضائية مكلفة لا يستقيم مع الواقع حيث إن اللجؤ إلى المحكمة المختصة-والتي غالبا ما تكون هي المحكمة الزجرية- لا يكلفه مصاريف تذكر1وهذا ما يجعل المستفيد الأكبر من فض النزاع عن طريق الصلح هو خزينة الدولة.
_إضافة إلى الصلح _خاصة الجمركية_ تساعد على خدمة التبادل التجاري ،فالتبادل التجاري وسياسة السوق المفتوح تفرض السرعة في تداول البضائع عن طريق إدخالها وإخراجها عبر الحدود ، وهذا ما يجعل التجار –سواء كانوا أشخاص طبعين أو معنويين- معرضين لارتكاب عدة مخالفات بسيطة للقوانين الجمركية، وتفاديا لإضاعة الوقت ،وما للتأخير من انعكاسات سلبية على المعاملات التجارية (فساد البضائع،عدم الوفاء بالالتزامات...)أصبح الصلح من" الالتزامات العادية التي تفرضها الحياة الاقتصادية"
ويؤخذ على هذا التبرير كونه يجعل الجزاء و العقوبة مصدرين للربح والاتجار، ويشكل خرقا لمبدأ مساواة الأفراد أمام العدالة الجنائية،فيؤخذ على الصلح الجنائي –شانه شان الغرامة الجنائية –كونها في صالح الأغنياء الذين يتوفرون على المال الكافي لأداء العوض،وهنا تفقد العدالة الجنائية هيبتها ويستخف الناس بالجرائم فيعمدون إلى مخالفة القوانين مادام الجزاء في الأخير هو مبلغ مالي يؤذونه للإدارة ويرمون باللوم –في حالة ضبطهم- على سوء حظهم دون هن يترك ذلك أي تأثير على نفسيتهم (الردع الخاص) وهذا ما يرسخ لدى الراى العام "انه يكفي أن يكون الشخص غنيا حتى يتفادى تطبيق العقوبة عليه" فيصبح الصلح عامل تشجيع غير مباشر على ارتكاب المخالفات للقوانين التي أجازت الصلح –وهي مجالات مهمة-،كما سيشعر المخالف بان عوض الصلح هو "ثمن الجريمة"وليس جزاء بهدف بالأساس الردع العام والخاص و التحسيس باستنكار المجتمع للتصرف المجرم،"فهي-أي الصلح الجمركي المغربي-لا تحقق فائدة الزجر العام إذ تتسم بصفة مباشرة وسرية بين المكلفين وإدارة ولذلك فإنها لا تكون رادعة للغير بل وللمتهرب نفسه1

القانون الإداري الجنائي هو ذلك الفرع من القانون الذي ينص على جرائم إدارية ويحدد جزاءات إدارية توقعها جهة الإدارة.
وقد تكون الجرائم الإدارية جرائم جنائية في الوقت نفسه وقد تكون جريمة إدارية بحثة الحالة الأولى : يجيز القانون للإدارة أن تتدخل بتوقيع جزاء إداري من شأنه أن يؤدي في بعض الأحيان إلى انقضاء الدعوى العمومية، وفي الحالة الثانية لا توجد دعوى عمومية أصلا لأن العقل يشكل جريمة إدارية بحثة وبالتالي فإن المتهم بالجريمة الإدارية لا يملك رفض الطريق الإداري حيث لا تتاح له فرصة التوجه إلى القضاء الجنائي.
في الوضع الأول حيث يعتبر الفعل جريمة جنائية وجريمة إدارية في آن واحد تضمن هذه الازدواجية للإدارة قدرا من الفعالية حيث يخشى المتهم أن يتعرض لعقاب جنائي من درجة أشد من العقاب الإداري، ولكنه يبيح في الوقت نفسه ضمانات الدعوى العادلة التي توفرها الإجراءات الجنائية[99]،




الفقرة الثانية:  السرعة –الاقتصاد في الوقت-
ويتجلى ذلك في صورتين:
_باللجوء إلى مسطرة الصلح  يتم اختصار مسطرة الزجر والسرعة في فض النزاع وهنا يتم " استغلال الجانب النفسي المثمتل في الشعور بالذنب والتلبس لخدمة أغراض الصلح 2،ويحقق الجزاء احد أهم أهدفه وهو الردع الخاص.
_كما يساعد الصلح علي حسن تدبير واستغلال "وقت القاضي " وقصر مهمته في التصدي للقضايا المهمة والشائكة وعدم تضيع وقته في القضايا البسيطة،فمن بين مشاكل العصر كثرة المخالفات  البسيطة،الشيء الذي يؤدي إلى تكديس  الملفات أمام المحاكم ويؤثر سلبا على مرد ودية القضاء ،لذا فقد ارتا المشرع اختصار مسطرة الزجر في بعض المجالات وتخويل الإدارة إمكانية فض هذه النزاعات خاصة عن طريق الصلح وبذلك يتم الاستعاضة عن الصيغة الثلاثية :قضاء،إدارة،والظنين"1
   وإذا كان الصلح يؤدي بالفعل إلي الفض السريع للنزاع  بخصوص بعض الجرائم خاصة تلك التي يتم فيها القبض الحالي لعوض الصلح (بعض جرائم القنص،مخالفات السير و المرور..)فان نفس الهاجس هو الذي دفع المشرع في بعض المجالات –الجبائية، البيئة –إلي تخويل الإدارة إمكانية إبرام" الصلح المؤقت"،وه وصلح معتق على شرط موافقة السلطة العليا المختصة إبرامها،ويتم اللجؤ إليها لتفادي اضاعت الوقت ولاستغلال العامل النفسي للظنين حيث يؤدي حالا عوض الصلح وينتظر موافقة السلطة المختصة،هاته الأخيرة التي يكون لهل الخيار بين المصادقة عليها فيصبح الصلح نهائيا أو رفضه فترجع الحالة إلى ما كانت عليه مع بقاء مبلغ المالي الذي أداه الظنين بصندوق الإدارة المعينة إلى حين الفض القضائي للنزاع
اذن فالسرعة في إبرام الصلح مطلوبة لذتها وذلك لكي لا يلعب عامل الزمن دوره لصالح الظنين في "تخفيف حدة غضب الإدارة وبالتالي خضوع الظنين لجزاء اخف وطأة"2
  وتجدر الإشارة إلى أن الصلح لا يجب تقويمه استنادا على ما تحققه من سرعة في فض النزاع وإنما انطلاقا من النتائج المحصل عليها إلا وهي التزام المتصالح بتنفيذ بنود الصلح "فليس كل صلح مبرم منفذ"،بمعنى انه ليس إبرام الصلح انه سينفذ.
   وخلاصة ما يمكن أن يقال هو انه بالمقرنة مع المسطرة القضائية فان مسطرة  الصلح أكثر فعالية وسرعة وا ما يحقق مزيا للطرفين إذ"في المقابل المادي الذي يحققه الصلح للإدارة يحقق نفعا معنويا –أخلاقيا- للمتصالح يتجلى في تفادي ظهوره ومثوله أمام جهاز العدالة كمتابع"3
  لكن هل هاته المسوغات كافية لتبرير الصلح؟

وإذا كانت هذه هي المبررات ، القانونية والواقعية التي يقوم عليها الصلح ، فهل هناك بالفعل رغبة لدى المشرع المغربي لتجاوز قواعد القانون الجنائي التقليدي وبروز القانون الجنائي الإداري ، خاصة في مجال الصلح.
المطلب الثالث: القانون الإداري الجنائي
   القانون الإداري الجنائي،هو ذلك الفرع من القانون الذي ينص علي جرائم إدارية ،ويحدد جزاءات إدارية توقعها جهة الإدارة . 
 وقد تكون الجرائم الإدارية ،جرائم جنائية في الوقت نفسه ، وقد تكون جريمة إدارية بحثة .في الحالة الأولى:يجيز القانون للإدارة أن تتدخل بتوقيع جزاء إداري من شانه أن يؤدي في بعض الأحيان إلى انقضاء الدعوى العمومية ،وفي الحالة الثانية: لا توجد  دعوى عمومية  أصلا لان الفعل يشكل جريمة إدارية بحثة ،وبالتالي فان المتهم بالجريمة الإدارية لا يملك رفض الطريق الإداري ،حيث لا تتاح فرصة التوجه إلا القضاء الجنائي  . 
في الوضع الأول  حيث يعتبر  الفعل جريمة جنائية وجريمة إدارية في إن واحد تضمن هذه الازدواجية للإدارة قدرا من الفعالية حيث يخشى المتهم أن يتعرض لعقاب جنائي من درجة اشد من العقاب الإداري، ولكنه يبيح في الوقت نفسه ضمانات الدعوى العادلة التي توفرها الإجراءات الجنائية.1
 وعلى هذا فإن الجريمة الإدارية في رأينا هي فعل معاقب عليه. بجزاء إداري وهي تتضمن مخالفة لقوانين وقرارات تنظيمية، وذلك أنها تختلف عن الجريمة الجنائية من حيث الجزاء وكذلك من حيث الطبيعة.
الفقرة الأولى : التمييز بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية
وذلك من خلال إبراز المعايير المعتمدة للتمييز و أهميتها(أولا)ودور الإدارة في هذه الجرائم(ثانيا).
          أولا : المعايير المعتمدة للتمييز وأهميتها
هناك عدة معايير للتمييز بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية ،يبدوا المعيار الشكلي أكثر وضوحا في التمييز بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية حيث يتقرر للأولى جزاء إداري ويتقرر للثانية جزاء جنائي. ومن حيث السلطة التي توقع الجزاء فإنها السلطة الإدارية في الحالة الأولى وهي السلطة القضائية في الحالة الثانية.
غير أن صعوبة قد تثور إذا كان الفعل له وصف الجريمة الإدارية وصف الجريمة الجنائية وهو ما يحدث في بعض الأحيان؟. كما أن المعيار الشكلي لا يوضح لنا الأسباب التي حدت بالمشرع إلى تصنيف بعض الجرائم على أنها إدارية وتصنيف البعض الآخر على أنها جنائية فلابد أن هناك فراقا في الطبيعة بين هاتين الطائفتين من الجرائم.
من هنا كانت أهمية الاستعانة بالمعيار الموضوعي في التفرقة بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية، هذا الفارق في الطبيعة والجوهر قد ظهرت الإشارة إليه في ألمانيا منذ منتصف القرن السادس عشر حيث ظهرت التفرقة بين الجرائم التي تقع اعتداء المجني عليهم من الأفراد والجرائم التي تقع اعتداء على رفاهية المجتمع.[100]
هذا النوع الأخير هو ما يسمى بالجرائم الإدارية.
   وقد استند أصحاب المعيار الموضوعي إلى معايير للتمييز بين الجريمة الجنائية والجريمة الإدارية، أهم هذه المعايير معيار "المصلحة المحمية "ومعيار الضرر"، فإذا كانت المصلحة التي يحميها التجريم أساسية فإن الجريمة جنائية وإذا كانت هذه المصلحة غير أساسية من الناحية الاجتماعية فإن المخالفة تمثل جريمة إدارية، يضاف على معيار المصلحة معيار الضرر، فإذا كانت الجريمة من جرائم الضرر وكان هذا الضرر جسيما كنا بصدد جريمة جنائية وإذا كان الضرر غير جسيم فإن الفعل يمكن الاكتفاء بالعقاب عليه إداريا،أما إذا كانت الجريمة من جرائم الخطر فإن الأمر يتوقف على درجة جسامة التهديد بالخطر الذي يمثله الفعل.[101]
ويستند رأي آخر ضمن هذا الاتجاه، إلى ما يمثله الفعل من استهجان اجتماعي، بالإضافة إلى درجة الخطأ والضرر، فكلما زادت درجة الاستهجان الاجتماعي وزادت جسامة الخطأ المنسوب إلى الفاعل والضرر المترتب عليه كانت الجريمة الجنائية
والعكس صحيح إذ تصبح الجريمة إدارية كلما قلت جسامة هذه العناصر.[102]
وقد حدا ذلك ببعض الآراء إلى تحديد المصالح الأساسية التي تعتبر الجريمة جنائية إذا وقعت اعتداء عليها بأنها تلك التي يحميها الدستور كالحق في الحياة وسلامة الجسم والحق في الحرية الفردية والملكية.[103]
وفي ذلك تنص المادة 81 من الدستور الإسباني على أن مخالفة القانون الأساسي يستتبع تدخل قانون العقوبات.[104]
غير أن هذا المعيار الأخير بعثوره النقص حيث يتدخل قانون العقوبات لحماية مصالح اجتماعية غير التي يضمنها الدستور مثل الثقة العامة في المحررات التي تبرر تجريم التزوير والثقة في الشيكات التي تبرر تجريم إصدار شيكات بدون رصيد.
يضاف على ذلك أن الاعتداء على المصالح الأساسية التي يحميها الدستور قد يكون بشكل جسيم وهنا فإن الاستعانة بالتجريم يبدوا مبررا، وقد يتم بشكل بسيط وهنا فإنه يمكن أن ينتمي الفعل إلى الجرائم الإدارية.[105]
وقد كان ذلك سببا في تدعيم معيار الجسامة، فإذا كان الفعل يتسم بالجسامة  معينة على المصالح الاجتماعية، فإنه ينتمي إلى طائفة الجرائم الجنائية، أما إذا كانت خطورته محدودة فإنه ينتمي إلى الجرائم الإدارية، ففي مجال المواد الغذائية مثلا إذا كان الغش هو مجرد مخالفة للمواصفات فإنه يمكن اعتبار الفعل جريمة إدارية، وإذا وصل الغش إلى درجة من الخطر على صحة المستهلكين فإنه يتعين اعتباره جريمة جنائية وبالمثل  فان المشرع السويسري قد أقام التفرقة في  مواد الضرائب بين الجرائم الجسيمة  والجرائم قليلة الأهمية، فجعل الطائفة الأولى معاقب عليها جنائيا بالحبس أو الغرامة والثانية مخالفات إدارية معاقبا عليها بغرامة إدارية.[106]
وقد تبنى كذلك المشرع الإيطالي في القانون رقم 689 لسنة 1981هذا المعيار في اختياره للأفعال التي تدخل في نطاق القانون الإداري الجنائي، فقد نصت المادة 32 من القانون السابق الذكر على أن  "لا تعتبر جرائم ولكن تخضع للجزاء الإداري الذي يتمثل في دفع مبلغ من النقود كل الأفعال المعاقب عليها بالغرامة المقررة للمخالفات أو الغرامة المقررة للجنح مع استثناء الجرائم الضريبية التي تنظمها المادة 39 من هذا القانون، ولا تسري هذه الأحكام على الجرائم المعاقب عليها بالحبس حتى ولو كان اختياريا مع الغرامة والجرائم التي تستثني بنص خاص".[107]
وقد حاول اتجاه آخر إقامة معيار التفرقة بين الجرائم الإدارية والجريمة الجنائية على أساس القوانين التي تخالفها هذه الجرائم  فالجرائم الإدارية تقع إخلال بالقوانين الإدارية وليس القوانين الأخرى، من أمثلة هذه القوانين الإدارية وليس القوانين الأخرى من أمثلة هذه القوانين الإدارية قوانين الضرائب، وقوانين البنوك وقوانين الجمارك والبريد والتبغ والخمور والسينما والصيد والمرور.[108]
ويمكن تكملة هذا المعيار الأخير بمعيار الجسامة حيث تعتبر بعض جرائم التهريب الضريبي والجمركي الجسيمة من الجرائم الجنائية بينما يعتبر البعض الآخر منها غير الجسيم من قبيل الجرائم الإدارية.
وقد دعا اتجاه إلى معيار مزدوج يجمع بين طبيعة المصالح التي يحميها التجريم ودرجة الجسامة وكذلك مدى فعالية العقاب.[109]فتكون المخالفة إدارية في الحالات الآتية :
أ- إذا كان الانتهاك غير خطير لمصالح جوهرية..
ب- إذا كان الانتهاك خطير لمصالح جوهرية.
ج- إذا كان الجزاء الإداري أكثر فعالية من الناحية العملية عن الجزاء الجنائي وخاصة فيما يتعلق بالردع العام.
وبالإضافة إلى معيار الجسامة ظهر معيار آخر إضافي يستند إلى شكل الركن المعنوي، فإذا كانت المخالفة عمدية فإنها تنتهي إلى الجرائم الجنائية وإذا كانت غير عمدية فإنها أقرب إلى الطبيعة الإدارية.
ويبدو المعيار الموضوعي أكثر دقة في التعبير عن طبيعة الاختلاف بين جوهر الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية، فالجرائم الإدارية جرائم تنظيمية بينما الجرائم الجنائية، أفعال تقع اعتداء على مصالح اجتماعية جوهرية، والأولى هي غالبا جرائم غير عمدية ،بينما الثانية تميل إلى الطبيعة العمدية، وواضح أن هذا المعيار يخضع لتقدير المشرع في التمييز بين الحالات التي يعتبرها من المصالح الجوهرية والتي تستحق أن تنتمي إلى مجال القانون الجنائي وتلك التي يمكن الاكتفاء بحمايتها عن طريق الجزاءات الإدارية، وهنا يمكن أن يختلف مشرعو الدول فيما بينهم في تقدير مجال كل من هاتين الطائفتين، وهو أمر طبيعي يلتصق بالطابع النسبي للقانون.[110]
هذا المعيار الموضوعي يقيد المشرع في تبنيه لسياسة جنائية متناسقة ،تعتمد على اختيار منطقي وموضوعي غير انه بالنسبة للفقه والقضاء يتعين تبني المعيار الشكلي في التفرقة بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية، فإذا كانت الإدارة هي التي توقع الجزاء وإذا كانت هي التي تقوم بإجراءات التحقيق والمحاكمة وإذا كانت هذه الإجراءات ذات طابع إداري ومختلفة عن الإجراءات الجنائية المعتادة، فإننا بلا شك أمام جريمة إدارية وليس أمام جريمة جنائية.

      ثانيا : دور الإدارة في الجرائم الإدارية
يترتب على التمييز بين الجريمة الإدارية والجريمة الجنائية اختصاص الإدارة بالقيام بإجراءات الاستدلال والتحقيق وكذلك إجراءات المحاكمة، هذه الإجراءات تختلف عن الإجراءات الجنائية العادية التي ينظمها قانون الإجراءات الجنائية.وتنحصر سلطة الإدارة في الجزاءات المالية والجزاءات التي تتمثل في الحرمان من الحقوق والامتيازات، وبالتالي يخرج من نطاق سلطة الإدارة الحكم بالعقوبات السالبة للحرية، كما تختلف سلطة الإدارة عند قيامها بالإجراءات الإدارية الجنائية عما تتمتع به النيابة العامة في تحريكها للدعوى الجنائية.
وعلى الرغم من أن القرار الصادر بالجزاء هو قرار إداري، أخذا بالمعيار الشكلي وهو أنه يصدر من الإدارة ،إلا أنه يصدر فصلا في جريمة إدارية، فهو إذن ذو طبيعة قضائية. وقد اختار المشرع في الدول التي تبنت قانونا خاصا بالجرائم الإدارية الجنائية، أن يكون الطعن على قرارات الإدارة الصادرة بجزاء أمام القضاء العادي، وإدراك المشرع للطبيعة القضائية لقرارات الإدارية الصادرة بجزاء يتجلى أيضا بالنسبة للقرارات التادبية الصادرة من مجالس التأديب والتي قالت عنها المحكمة الإدارية العليا أنها في حقيقتها قرارات قضائية بمنزلة الحكم التأديبي ويكون الطعن عليها أمام المحكمة الإدارية العليا1 ويسري الأمر أيضا على مجالس التأديبية للنقابات المهنية.
غير أن هذا لا يخفي الطبيعة الإدارية للقرار الصادر بالجزاء عن جريمة إدارية جنائية وبالتالي يجوز المطالبة بالتعويض في حالة بطلان هذا القرار إذا ترتب عن ذلك ضرر بصاحب الشأن.
     الفقرة الثانية : التدابير التي تتخذها الإدارة
تتخذ الإدارة عدة تدابير إدارية تنعكس على حقوق الأفراد بالتقييد أو بالحرمان فهناك الجزاءات الإدارية(أولا)  وهناك أيضا تدابير الضبط الإداري (ثانيا).
أولا : الجزاءات الإدارية
من الجزاءات التي تتخذها الإدارة الجزاءات التأديبية والغرامات الإدارية، وتتميز هذه الجزاءات بالعناصر الآتية :
1- أنها توقع على أثر خطأ ارتكبه شخص.
2- أن الغاية من توقيعها هي العقاب على مخالفة التزام معين.
* يجب احترام مبدأ الشرعية عندما يتعلق الأمر بسلطة الإدارة في توقيع الجزاء الإداري في كل حالة على حدة.
* يتعين أن تحترم الإدارة مبدأ المواجهة قبل أن تتخذ جزاء إداريا بينما لا تلزم بذلك عندما تتخذ تدابير للضبط الإداري ونقصد مبدأ المواجهة وهو ضرورة إخطار صاحب الشأن بالتهمة الموجهة ضده وبتمكينه من الدفاع عن نفسه وذلك بإعطائه مهلة لإعداد دفاعه وتمكينه من تقديم مذكرات دفاعه.
غير أن هناك تدابير يمكن أن توصف بأنها جزاءات إدارية في بعض الحالات وتدابير للضبط الإداري في حالات أخرى. من ذلك قفل المنشأة وسحب ترخيص مزاولة المهنة، بل إن هناك بعض التدابير التي ترمي إلى الجزاء وإلى المنع والوقاية في الوقت نفسه، من ذلك سحب رخصة القيادة عند وقوع جريمة مرور وسحب الترخيص عند وقوع مخالفة لشروطه.[111]فإذا كان توقيع التدبير قد تم على أثر خطأ قد صدر من صاحب الشأن وكان غرض الإدارة هو عقابه، فإن الأمر يتعلق بجزاء، أما إذا كان إصدار هذه التدابير بباعث من المنع والوقاية فإن المر يتعلق بتدبير للضبط الإداري، وقد قضى أيضا بأن سحب الترخيص ينتمي إلى إجراءات الضبط الإداري، إذا كان للحفاظ على الأمن العام، ويعتبر جزاء إداريا إذا اتخذته الإدارة على إثر ارتكاب جريمة أو على إثر مخالفة الشروط الصحية أو البيئية.[112]
غير أن لمجلس الدولة الفرنسي أحكاما لا يعتبر فيها سحب الترخيص من قبيل الجزاءات الإدارية ولا من قبيل إجراءات الضبط الإداري في حالة فقدان شروط الترخيص3، عندئذ يعتبر سحب الترخيص إجراء إداريا. بمقتضاه تملك الجهة الإدارية سحب الترخيص لأنها تملك إعطاء هذا الترخيص ابتداء عند توافر شروط معينة ويكون سحب هذا الترخيص بسبب أن المستفيد منه قد فقد الشروط التي منحت على أساسها.
ومع ذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي عندما يستشعر خطورة الإجراء فإنه يتطلب عندئذ ضرورة احترام مبدأ المواجهة، بغض النظر عن تكييف طبيعة الإجراء، جزاء إداري أو تدابير للضبط الإداري وقد قضى بذلك في حكم Caqurant” الذي تعلق بسحب ترخيص لمعسكر إجازات لمخالفة شروط إعطاء هذا الترخيص.[113]
وعلى هذا فإن الجزاء الإداري يتميز عن غيره من الإجراءات الإدارية بأنه :
1- تتخذه الإدارة بناء على مبادرة منها وليس في شكل رفض طلب قدمه صاحب الشأن.
2- الباعث على إصدار القرار هو الجزاء.
3- توافر درجة معينة من الجسامة.
وكما تختلف الجزاءات الإدارية عن إجراءات الضبط الإداري  فإنها تختلف أيضا عن التدابير الإدارية الوقائية، مثل قرار وقف الأعمال المخالفة في حالة عدم وجود رخصة بناء أو مخالفة شروط الرخصة.[114] هذه التدابير ترمي إلى الوقاية بينما يستهدف الجزاء الإداري محاسبة المتهم بالجريمة الإدارية على خطأ صدر منه.[115]
ثانيا : الضبط الإداري
ترمي التدابير هذه إلى المنع والوقاية لحماية الأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة لا فهي ترمي إلى عقاب صاحب الشأن وإن كانت تنعكس عليه سلبا فتحرمه من حقوق أو تقييد ممارسته لهذه الحقوق. من ذلك قرار إبعاد الأجنبي بعد ارتكابه لجريمة أو بسبب أنه يمثل خطرا على الأمن العام أو الصحة العامة وكذلك قرار حظر الإقامة.[116]
_ الضبط القضائي فإن الإدارة تملك توقيعها بناء على نص عام يخول لها هذا الحق دون تحديد ماهية هذه التدابير على وجه الدقة كما هو الحال بالنسبة للجزاءات.
_الإدارة غير ملزمة باحترام مبدأ المواجهة قبل اتخاذ قرارها كما هو الشأن بالنسبة للجزاء الإداري، وهكذا في حالة تدبير الضبط الإداري كحظر الإقامة، فإنه لا يقبل من صاحب الشأن أن ينفي على القرار أنه صدر دون علمه ودون تمكينه من الدفاع عن نفسه.[117]
هكذا يتضح أن الضبط الإداري هو وسيلة اخرى فعالة إلى جانب الجزاء الإداري خاصة في مجالات عدة منحى فيها المشرع إمكانية أخرى وكبيرة للإدارة لتنفرد بسلطة مهمة تجعل بعض التشريعات هي في رغبة كبيرة لتبني فكرة القانون الجنائي الإداري وهي مؤسسة الصلح.


الفقرة الثالثة : مجال تطبيق القانون الإداري الجنائي والصلح
لابد من إبراز مجال تطبيق هذا القانون (أولا) قبل الحديث على أهمية الصلح به (ثانيا)
أولا: مجال التطبيق
يتحدد مجال تطبيق القانون الإداري الجنائي من حيث الموضوع التجريم ومن حيث طبيعة العقاب بمعايير كبيرة عن القانون الجنائي التقليدي.
أ- من حيث موضوع التجريم:
استبعدت كثير من الدول مثل إيطاليا وألمانيا (منذ عام 1975) والمجر والبرازيل[118] والبرتغال منذ عام 1955.[119] المخالفات من نطاق تطبيق القانون الجنائي التقليدي وأخضعتها للقانون الإداري الجنائي. وقد أضافت كل من إيطاليا وألمانيا إلى المخالفات بعض الجنح المعاقب عليها بغرامة. نطرح سؤال مهم في هذه النقطة هل المشرع المغربي عند تبنيه لمجموعة من المخالفات المعاقب عليها بالغرامة كانت له رغبة في تجاوز القانون الجنائي التقليدي وتبني هذه القواعد المهمة في القانون الإداري الجنائي؟
لكن هناك بعض التشريعات لازالت تؤكد على أهمية القواعد الجنائية التقليدية ؟
لذلك نجد المشرع الإيطالي قد استبعد القانون رقم 679 لسنة 1981، من تطبيق القانون الإداري الجنائي، الجنح المعاقب عليها بالحبس وكذلك الجنح المعاقب عليها بالحبس أو الغرامة.كما استثنى المشرع الإيطالي بعض الجنح المعاقب عليها بالغرامة ولم يدخلها في نطاق تطبيق القانون الإداري الجنائي وأبقى عليها ضمن الجرائم الجنائية وهي إسقاط الحوامل والجرائم الصحية وجرائم التلوث والتخطيط العمراني وكذلك جرائم العمل، وهو تقدير يرجع إلى أن المشرع نظر إلى هذه الجرائم بعين الخطورة.[120]
وفعلا فهذه الجرائم لا يمكن تركها في يد هذا التصور الجديد للقانون الإداري الجنائي وبالتالي لابد من تقليص خطورة الإدارة، بل لابد من تقييمها في هذه الجرائم نظرا للخطورة التي تكتسيها خاصة البيئة والعمران.
كما أفرد القانون الإيطالي سابق الذكر نظاما خاصا بالجرائم الضريبية ضمن القانون الإداري الجنائي نظرا لاعتبارات تاريخية، هذه الاعتبارات جعلت هذا النوع من الجرائم ينفرد بنظام خاص من حيث الصلح، فقد ظهر نظام الصلح قبل تبلور أفكار القانون الإداري الجنائي.[121] ولا يزال هذا النظام يسري بالنسبة للجرائم الضريبية والجمركية حيث يسري عليها قانون 7 يناير 1929.[122]
وعلى هذا فإن السمة العامة للتشريعات التي تأخذ بنظام القانون الإداري الجنائي هي انها تتبنى، تقسيما ثنائيا للجرائم، هذا هو الحال في إيطاليا وكذلك في ألمانيا، حيث أصبح المشرع الألماني يعرف الجرائم الإداري بعد أن استبعد المخالفات من نطاق قانون العقوبات[123] وكذلك النمساوي والسويسري ومن حيث موضوعات القانون الإداري الجنائي فإن أولى الموضوعات التي طبق عليها في الجرائم الضريبية، والجمركية ثم تلتها جرائم المرور. يضاف إليها جرائم الأمن الصناعي وجرائم التلوث غير الخطيرة وجرائم الصحة غير الخطيرة.وجرائم المنافسة غير المشروعة وجرائم التأمين والحرائق العامة وكذلك الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون العمل وأحكام قانون البناء.[124]
وعلى الرغم من أن القانون الفرنسي لا يعرف نظاما متكاملا للقانون الإداري الجنائي وكذلك المشرع المغربي إلا أنهما توجد عندهما نصوصا متفرقة يتيح فيها للإدارة فرض غرامات مالية بدلا من إحالة القضية إلى المحاكمة الجنائية، من ذلك في التشريع الفرنسي نظام الغرامات الجزافية التي يلتزم المخالف بمقتضاها بدفع غرامة فورية في جرائم المرور لرجل المرور لنفسه أو شراء طابع الغرامة وإرساله إلى إدارة المرور في مهلة لا تزيد على 15 يوما من تحرير المخالفة أو إخطار المخالف إذا تم تبرير المخالفة في غيبته.[125]
والحقيقة أن إحلال سلطة الإدارة في فرض الجزاءات بدلا من القضاء، في مجال جرائم المرور بدأ في الاتساع في غالبية التشريعات المعاصرة، وبذلك أصبحت جرائم المرور تشكل المرتبة الثانية، بعد الجرائم الضريبية والجمركية بين الجرائم التي تدخل في نطاق تطبيق القانون الإداري الجنائي.
وقد بدأت سلطة الإدارة في فرنسا في امتداد إلى مجالات أخرى غير مجال الضرائب _الغرامات الإدارية وغرامات التأخير_ ومجال المرور بحيث شملت جرائم الحدائق العامة والنقل والتأمين.[126]
وقد اختار المشرع في النمسا أن يدخل بعض الجرائم في نطاق تطبيق الجرائم الجنائية وهي الجرائم ضد السلامة الجسمية وجرائم ضد أمن الدولة والسلطة العامة وجرائم ضد سير العدالة، وجرائم فساد الإدارة وسوء استعمال السلطة وكذلك جرائم المخدرات.أما الجرائم التي تقع في مجال القانون التجاري والأغذية وحيازة الأسلحة والقذف فإنه اختار أن تنتمي الجرائم الجسمية منها فقط إلى القانون الجنائي، أما الجرائم الإدارية فانه يدخل في نطاقها وفقا للقانون النمساوي، جرائم البيئة وجرائم الصيد والمخالفات التي تقع إخلالا بلوائح البوليس وغالبية جرائم المرور وخاصة السرعة والسكر.[127]
ب- من حيث الجزاءات
في البداية يجب استبعاد العقوبات السالبة للحرية، من نطاق تطبيق القانون الإداري الجنائي، ذلك أن أي نص على هذه الجزاءات يتعارض مع الدستور في التشريعات المختلفة والذي يتضمن عادة أن السلطة القضائية هي الحارسة على الحريات الفردية، وباستثناء دول قليلة يتسم نظامها بالبعد عن الديمقراطية مثل الشيلي وبعض دول أوريا الشرقية مثل بولندا لا يدخل الحبس ضمن الجزاءات التي توقعها الإدارة[128]،ويوجه الانتقاد إلى اعتبار الحبس جزاء إداريا لمخالفته لحقوق الإنسان في هذه الدول.[129]وقد حدا ذلك المشرع في رومانيا إلى أن يجعل غرامة إدارية بيد الإدارة أما الحبس فجعله بأمر من المحكمة.3
فالجزاءات الإدارية الجنائية هي إذن في غالبيتها غرامة إدارية بالإضافة إلى جزاءات أخرى تتمثل في الحرمان من بعض الحقوق والامتيازات مثل سحب رخصة السيارة وسحب رخصة السياقة وسحب ترخيص ممارسة النشاط يضاف إلى ذلك تدابير ذات طابع عيني مثل قفل المنشأة والإزالة والمصادرة4 وإتلاف بضاعة أو مواد غذائية مخالفة.وأهم هذه الجزاءات هناك الغرامة الإدارية، وهي ذلك المبلغ من النقود التي تفرضه الإدارة على المخالف بدلا من متابعته جنائيا عن الفعل. فقد يحتفظ الفعل بوصفه الجنائي وعنذئذ من شأن دفع الغرامة المالية في بعض الأحوال انقضاء الدعوى الجنائية وأحيانا تمثل الغرامة الإدارية الجزاء الوحيد للفعل مع الاحتفاظ بحق المتهم في الطعن أمام القضاء على القرار الصادر بفرض الغرامة، ويفترض هذا الحل أن المشرع يأخذ بالجزاء الإداري كبديل عن التجريم في نظام يقوم على الردة عن التجريم (إلغاء التجريم) خاصة وأن هذه الغرامة تتخذ عدة أشكال، فقد تكون مبلغا من المال تفرضه الإدارة بالإرادة المنفردة على المخالف، وقد تكون في شكل مصالحة بين الإدارة والمخالف.
كما قد تكون الغرامة في شكل ثابت كتعريفة محددة عن كل  سلوك كما في جرائم المرور، وقد يترك للإدارة سلطة تقديرية في تحديد مقدارها، وقد يحدد المشرع مقدار الغرامة كما في حالة الغرامة النسبية التي تعادل مثلى أو ثلاثة أمثال الضريبة المتهرب منها كما هو في جرائم التهريب الجمركي.
غير أن هذه الغرامة، فهي تتميز عن الغرامات الجنائية، لأن الإدارة هي التي تحدد مقدارها وليس القضاء، على أنه في حالة الطعن على القرار الصادر  بالغرامة الإدارية أمام القضاء للمحكمة المختصة أن تعدل من مقدارها.والغرامة الجزافية لا تأخذ في الاعتبار ظروف المتهم أو سوابقه، وهي في ذلك تختلف عن الغرامة الجنائية.[131]
فالغرامة الإدارية تهتم بعنصر الردع أكثر من اهتمامها بتحقيق تفريد المعاملة العقابية، ومع ذلك فإنه يلزم توافر التناسب بين الغرامة وبين الخطأ الذي ينسب إلى المتهم والجدير بالذكر أن المجلس الدستوري الفرنسي ومجلس الدولة الفرنسي يستلزمان احترام شرط التناسب في الجزاء الإداري.[132]ويعتبران الإخلال الظاهر به يشوب سلطة الإدارة في فرض إجراءات إدارية جنائية، بعيب عدم الدستورية، كما لو بلغت قيمة الغرامة 10 مرات قيمة الضريبة المتهرب منها.[133]وهذه الغرامات الإدارية لا يرد عليها وقف التنفيذ على خلاف الغرامات الجنائية.4 مع ذلك تسمح القواعد العامة، بطلب وقف تنفيذ القرار الإداري من قاضي الأمور المستعجلة لحين الفصل في الطعن على القرار الإداري الصادر بالغرامة الإدارية.
كما أن الغرامة الإدارية لا تتحول إلى حبس في حالة عدم دفع مبلغ هذه الغرامة على عكس الحال للغرامة الجنائية في غالبية التشريعات المقارنة.5 لكن هذه التشريعات قد أجازت الإكراه البدني تنفيذا لمبلغ الغرامة الإدارية، على غرار ما يحدها بالنسبة للغرامة الجنائية ولفرق بين تحول الغرامة إلى حبس عند عدم الدفع وبين نظام الإكراه البدني، فالإكراه البدني وسيلة لإجبار المحكوم عليه المماطل على الرغم من مقدرته على الدفع، فهو ليس وسيلة تلقائية تتحول بمقتضاها الغرامة إلى حبس دون بحث مقدرة المحكوم عليه المالية على الوفاء.
ومع ذلك فقد انفرد المشرع الإيطالي بين المشرعين الذين أخذوا بنظام القانون الإداري الجنائي باستبعاده لإكراه البدني لضمان تنفيذ الغرامة الإدارية، وقد جاء هذا الموقف تأثرا من المشرع الإيطالي بحكم المحكمة الدستورية الإيطالية الذي صدر بمناسبة حبس المحكوم عليه بالغرامة الجنائية عند عدم الدفع[135] فقد قضت المحكمة في حكمها الصادر في نونبر سنة 1979 بعدم دستورية تحول الغرامة إلى حبس لتعارضه مع مبدأ المساواة.[136]
غير انه قد تكون الغرامة رغم ذلك من بين الوسائل التي تلجأ إليها الإدارة للتصالح مع الجاني.
ثانيا : الصلح وفق القانون الإداري الجنائي
الصلح قد يتخذ شكل عقد بين طرفين، وهو في الحقيقة إملاء لإرادة طرف على طرف آخر وهو ما يمثل نوعا من عقود الإذعان، ومع أن الأمر يتعلق باتفاق إلا أنه يصدر به قرار إداري يجوز الطعن فيه أمام القضاء الإداري.[137]وقد تضمن القانون المصري عدة قوانين تسمح بالصلح بين المخالف والإدارة من أهم مجالات الصلح بين المخالف والإدارة، هناك الصلح الجمركي والصلح في مجال الضرائب العامة وكذلك في جرائم المرور، فقد أجازت المادة 124 مكررا من القانون رقم 66 لسنة 1963 بشأن التهريب الجمركي والمضافة بالقانون رقم 75 لسنة 1980 لوزير المالية أو من ينيبه إلى ما قبل صدور حكم في الدعوى العمومية الصلح مقابل أداء مبلغ التعويض كاملا، ولا يترتب على الصلح رد البضائع المضبوطة في جريمة التهريب، وإنما يجوز رد وسائل النقل والمواد التي استخدمت في التهريب ويعد تعليق الدعوى الجنائية بناء على طلب الإدارة في هذه الجرائم وسيلة لتشجيع المصالحة بين المخالف والإدارة (المادة 124). ويعد اتصال المحكمة الجنائية بالدعوى وقت تقديم الطلب المشار إليه إجراء باطلا لتعلقه بالنظام العام.[138] لكن هذا التعليق لا يسري على إجراءات الاستدلال.[139]
وقد تضمن قانون الضرائب على الدخل في مصر نظام التصالح في الجرائم التي تقع بالمخالفة له نظير دفع الممول مبلغ يعادل 100 في المائة مما لم يؤد من الضريبة.فإذا كانت الدعوى العمومية قد رفعت فيرتفع المبلغ إلى 150 في المائة مما لم يؤد من الضريبة (مادة 191 من القانون رقم 157 لسنة 1981) ومن ذلك أيضا المادة 45 من القانون رقم 11 لسنة 1991 بشأن ضريبة المبيعات تلك المادة قد نصت على أنه "يجوز للوزير أو من ينيبه التصالح على جرائم التهرب وذلك قبل صدور حكم في الدعوى مقابل سداد الضريبة والضريبة الإضافية وتعويض يعادل مثلي الضريبة وفي حالة صدور الحكم وقبل صيرورته باتا يرتفع التعويض ليصبح ثلاثة أمثال.[140]
وقد تضمن القانون الكويتي أيضا نظام المصالحة بالمرسوم بقانون رقم 13 لسنة 1980 في شأن الجمارك (مادة 22) الذي أجازها لسلطة الجمارك، بناء على طلب أصحاب الشأن، كلهم أو بعضهم في قضايا التهريب، وتجيز المصالحة الاستغناء عن عقوبة الحبس والغرامة الجمركية التي لا تتجاوز ثلاثة أمثال الضرائب والرسوم المستحقة ومصادرة البضائع موضوع التهريب أو الحكم، بما يعادل قيمتها إذا لم تكن قد ضبطت فيما عدا السفن والطائرات ما لم تكن قد اعد لهذا الغرض، وبدلا من ذلك فإن المصالحة تتضمن أ- غرامة لا تقل عن مثلي الضريبة الجمركية والرسوم المستحقة عن البضائع المستوردة أو المصدرة موضوع جريمة التهريب. ب- مصادرة البضائع المستوردة او المصدرة موضوع جريمة التهريب، ومع ذلك يجوز أن تتضمن المصالحة إعادة كل أو بعض البضائع المحجوزة ووسائل النقل والأشياء التي استحدثت في جريمة التهريب.
ولا يقتصر مجال الصلح على الجرائم الجمركية والضريبية ولكنه يمتد إلى جرائم المرور، فقد أجازت المادة 80 من القانون رقم 66 لسنة 1973 بإصدار قانون المرور والمعدل بالقانون رقم 210 لسنة 1980 في مصر، الصلح في الحالات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الداخلية من بين الحالات المبينة في المادة 740 من هذا القانون ويكون بدفع مبلغ خمسة جنيهات بصفة فورية، في حالة عدم قبول الصلح يحكم على المخالف بالعقوبة الجنائية.
وقد أشارت المادة 388 من اللائحة التنفيذية لقانون المرور إلى حالات الصلح ومنها قيادة مركبة آلية بسرعة تجاوز الحد الأقصى للسرعة المقررة وقيادة مركبة آلية غير مرخص لها أو كانت رخصتها قد انتهت مدتها أو سحبت رخصتها أو لوحتها المعدنية أو قيادة مركبة آلية بدون رخصة قيادة أو برخصة لا تجيز قيادتها أو برخصة لا تجيز قيادتها أو برخصة انتهى أجلها أو تقرر سحبها أو إيقاف سريانها.
وقد امتد مجال التصالح في القانون المصري حتى شمل الجرائم التي تقع بالمخالفة لقانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 في شأن النظافة العامة والمعدل بالقانون رقم 209 لسنة 1980 وبالقانون رقم 177 لسنة 1981 رقم 121 لسنة 1982.\1
وبالإضافة إلى صورة الغرامة الإدارية التي تحددها الإدارة بإرادتها المنفردة وتلك التي تأخذ شكل مصالحة بينها وبين المخالف قد تتخذ الغرامة الإدارية أحيانا مضمون الغرامة دون اسمها كما في حالة فرض زيادة في الرسوم والضرائب أو فرض رسم تأخير كما في حالة المخالفات الضريبية والجمركية.2
هكذا يمكن القول أن الصلح في القانون الإداري الجنائي يلعب ركيزة في قيامه هذا ما يدفعنا لتساؤل هل بالإمكان المشرع المغربي تبني هذا القانون ؟ وهل الصلح في التشريع المغربي له نفس الخصائص في باقي التشريعات الدولية؟



[1]  محمد الشلي : المصالحة في التشريع الجنائي المغربي، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الحقوق جامعة محمد الخامس ،الرباط، السنة الجامعية 1997-1998  1417-1418 الصفحة 27 وما بعدها.
[2]  Syr. Gean. herve، « la nature de la transaction économique » junis-calsseurs .périodiques.1969.doc.2280. p : 1969. doc 2280.                                                                                                                                                                                                                                          
3 .Roger.Merle at andvita « traite de droit criminel » édition cajas.baris.3e.edittion
[3]  Jean، François، Dupré« la transaction en matière pénale » libération techniques, Paris 1977, page 186.
[4] راجع. إدريس البصري وآخرون : "القانون الإداري المغربي" المطبعة الملكية الرباط الطبعة الأولى 1988 ص 323.راجع.عبد العزيز عبد المنعم خليفة "الأسس العامة للعقود الإدارية " منشاة المعارف. االاسكندرية2004 راجع. رضوان بوجمعة "المقتضب في القانون الإداري المغري".مطبعة النجاح  الجديدة، الدار البيضاء.طبعة 1999. راجع. احمد السنيهجي ."الموجز في القانون الإداري المغربي".مكتبة سجلماسة مكناس،الطبعة الأولي.2004.
[5]  محمد الشلي : م.س الصفحة 28 وما بعدها.
[6]  Philippe Souleau : « infractions économiques » encyclopédie. Dalloz .pénal.1989.p.5

. محمد.الشلي.م.س .الصفحة.29 وما بعدها .3
[8]  إدريس البصري وآخرون : م.س الصفحة 282.
[9] François Paul Blanc « droit pénal  marocain » Sochpress، Casablanca، 1984. p : 151. 
[10]  محمد الشلي : م.س الصفحة 10 وما بعدها.
[11] Cousse، Louis، Mery، François « la transaction en matière pénale « , Librairie général de droit et de jurisprudence Pari، 1945، page 35.
[12] Raymond ،legars : « les procédures sans de hauts en droit pénal français « revue international de droit pénal paris 1962. p : 450..
[13] . M، Demas، Marty « code pénal d’hier، droit pénal d’aujourd’hui matière pénal de demain « recueil، Dalloz ، Serey, 1986, p 30.
[14].غنام محمد.غنام:"القانون الإداري الجنائي. الصعوبات التي تحول دون تطوره.القسم الأول والثاني "مجلة الحقوق. العدد الأول .السنة الثامنة عشر.رمضان 1414ه.مارس.1994.الصفحة.9
[15] . حفيظي  الشرقي  "حول الطبيعة القانونية للمحاضر في القانون الجنائي الجمركي ،دراسة لبعض التحولات التقنية للقانون الجنائي" أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، الرباط،،1991 ص 392.
[16]  Max، Ray « Dauanes : poursuites et procédures devant les tribunaux » juris- (pénal annexes) page 9.
[17] Rene، Blancher : Note : Conseil d’état, 28 septembre 1983 Gazette du palais 1984, p : 44.
[18] محمد الشلي : م.س الصفحة 10 وما بعدها.
[19] Causse I.M.F / « la transaction en matière pénale » thèse pour le Doctorat en droit Faculté de droit de Toulouse ،13،jurllel.1945،Librairie général de droit et de jurisprudence paris 1945. p : 32.
[20]  محمد الشلي : م.س الصفحة 11 وما بعدها.
[21]  عبد الرزاق السنهوري "الوسيط في شرح القانون المدني الجديد" الجزء السادس، دار النهضة العربية. القاهرة، دون تاريخ، صفحة :508.
[22]  تجدر الإشارة إلى أن المشرع المدني التونسي قد قصر إمكانية إبرام المصالحة المدنية على النزاع القائم حيث نصت المادة 1458 منه على : "الصلح وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة ويكون ذلك بتنازل كل من المتصالحين عن شيء من مطالبه أو بتسليم شيء من مطالبه أو بتسليم شيء من المال أو الحق" مجلة الالتزامات والعقود التونسية (معدلة ومعلقا على فصولها بأحكام القضاء جمع ونشر، محمود بن الشيخ، المطبعة العصرية تونس ،1984 وهذا ما سار عليه القضاء التونسي في تعقيب صادر بتاريخ 4 فبراير 1924 والذي جاء فيه "لا يمكن إبرام صلح أو اتفاق إلا في النزاع الموجود من قبل أما إذا تعلق بأمر متوقع الحصول فهو غير قانوني" قرار مشار إليه بنفس المرجع ص :438.
[23] Huguet.j.h « : Dauranes », Encyclopédie. Dalloz. Pénal. II.
[24]  محمد الشلي : م.س الصفحة 12.
[25]  J.H. Syr : « la mature de la transaction économique » j.c. p 1964 ،Doc. 2280.
[26]  محمد الشلي : م.س ص 12.
[27]  مجدي محب حافظ :" جريمة التهريب الجمركي"، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية ، ص 215 و 230.
[28]  محمد الشلي : م.س الصفحة 13.
[29]  Raymond Cassin : « Transaction » Encyclopédie، Dalloz، pénal.
[30]  Pujoel. Jean: « lُapplication du droit privé en matière fiscale:recherche sur la véritable place du droit prive dans le system fiscal français » doctorat dَ etat.fac.droit.pris.1984..p : 299.300
[31]  جورج قذيفة : "القضايا الجمركية الجزائية" أصول المحاكمات" الجزء 2 الشركة الصناعية للطباعة والتغليف، بيروت، 1973،، ص 434.
1 Jean ..Piérre. Chauchard « :la transition dans l’َindemnisation du préjudice » revue trimestrielle de droit civil.1989.p1
2. .محمد الشلي.م.س. الصفحة:.14
3. غنام محمد غنام.م.س.الصفحة:322
1. راجع. هشام فرعون: النظرية العامة للالتزام في التشريع المغربي" مطبعة الكتاب، فاس الطبعة الثالثة،.1981 .ص 30و 31.راجع: محمد الشرقاني" النظرية العامة للالتزام" مطبعة دارالقلم. الطبعة الأولى .2003.
.[33] . محمد الشلي : م.س ص 16.
. هشام فرعون.مس:31 3
[34]  هشام فرعون م.س ص : 31.
[35]  محمد الشلي : م.س ص : 16.
3 .Jeun.Francois.Duppe. « la transaction en matière » .librairie، techriquis.paris.1977.p.185 
4 Bouknani Salah : « la transaction en droit marocain » collection de la faculté juridique et économiques et sociales, Marrakech série : Thèses et mémoires n1, Imprimerie de la faculté de Marrakech. 1997 page 379.

[36]  محمد الشلي : م.س ص : 17 وما بعدها.
[37]  حميد ميمون : المتابعة الزجرية إشكالاتها العملية، مطبعة بني أزناس، سلا ،الطبعة الأولى، 2005 الصفحة 128 وما بعدها.
[38]  محي الدين أمزار."العقوبة؟ منشورات.جمعية البحوث والدارسات القضائية. مطبعة الأمنية. الرباط .1993.
[39]  حميد ميمون : م.س ص : 142.
[40]  حميد ميمون : م.س ص : 142.
[41]  رشيدة مشقاقة : "دليل النيابة العامة في مسطرة الصلح الزجري" الطبعة الأولى، الرباط، 2004، ص : 16.
[42]  الفقرة التاسعة من المادة 41 ق.م.ج.ج.
[43]  رشيد مشقاقة. م.س. ص : 76.
[44]  الظهير رقم 1.57.387 الصادر في 16 رجب 1377 الموافق ل 6 فبراير 1958 والمعدل بالظهير رقم 1.77.226 الصادر بتاريخ 24 شوال 1397 الموافق ل8 أكتوبر.
محمد بنجلول "شرح القانون الجنائي العام وتطبيقاته" مطبعة الجسور الطبعة الأولى.وجدة. 2004، ص : 308 وما بعدها.
[45] VAILLANT.HENRI.« des pénalités en matière forestière Thèse Doctorat faculté droit Nancy 1913, Imprimerie Berger Levraut Nancy 1913. P : 220.
[46]  على فاضل حسن : نظرية المصادرة في القانون الجنائي عالم  الكتب. القاهرة 1973 ص : 254.
[47]  محمد الشلي : م.س ص : 21.
[48]  جورج قذيفة. ص : 412.
[49]  Raymond .Gassin. Op cit P : 3.
[50]  حميد ميمون : م.س ص : 285.
[51]  حميد ميمون : م.س ص : 285.
[52]  رأى الفقيه" جارو" مشار : بلمحجوب إدريس : "قواعد تنفيذ العقوبات العقوبات السالبة والعقوبات المالية" شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ،الرباط، 1988,، ص : 33.
[53] محمد الشلي : م.س، ص : 22.
[54]  محمد بنجلون : م.س،ص : 312.
[55]  محمد الشلي، م.س، ص : 23.
[56]  محمد بنجلون : م.س ص : 233.
[57]  محمد ،بنجلون م.س ص : 223.
[58]  Piérre، Bauzat : « Peine » Encyclopédie Dallas Pénal VI.
[59]  محمد الشلي : م.س ص : 18.
[60]  عزت الدسوقي : "قيود الدعوى الجنائية بين النظرية والتطبيق" رسالة للحصول على درجة دكتوراه في القانون ،كلية الحقوق، جامعة، القاهرة ،،1986 ص : 86.
[61]  الفصل 10 من الدستور المغربي، المراجع في بموجب استفتاء 14 شتنبر 1996.
[62]  محمد بنجلون : م.س ص : 226.
[63]  محمد الشلي : م.س ص : 20.
2 Charles .Baille. « la perception de lَamende par lَagent verbalisateur » thés doctorat en droit université de Dijon.Bersancons.imprimerie de lEst.1929.p.106
.عرف الفصل 55 من ق.ج .الغرامة الجنائية بقوله :"هي إلزام المحكوم عليه بان يؤدي لفائدة الخزينة العامة مبلغا من النقود بالعملة المتداولة قانون  في المملكة"3
.4 .Jean-.Syr: « la meture de la transaction éconmique »j.c.p.1969.dec.2280
[64]  راجع الفصل 132 من القانون الجنائي.
[65]  محمد بنجلون م.س ص : 224.
[66]  عالية سمير "قوة القضية المقضية" المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الثانية،، بيروت، 1987.ص 38.
[67] Michel ،Laure، Rossot : « droit pénal et procédure pénale » Presse universitaire de France. Paris ،1986 p : 126.
[68]  قرار رقم 825 ملف جنائي 57616 الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1980 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 27 السنة 1981 2009 أورده محمد الشلي م.س ص : 36.
[69]  قرار  المجلس الأعلى عدد 3545 الصادر بتاريخ 27 أبريل 89 ملف جنحي 20410-96. منشور إدريس ملين : مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية 1981-1995 ص : 311.
[70]  قرار المجلس الأعلى عدد 196 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى ع 21. ص : 47 ونفس الأحكام منصوص عليها في الفصل 217 من المدونة الجمركية المغربية.
[71]  بلمحجوب إدريس : "قواعد تنفيذ العقوبات" م.س ص : 169.
[72]  قرار المجلس الأعلى رقم 825 الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1980، ملف جنائي 57616 منشور ب إدريس ملين، مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية (1960-1986)،منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، دار المعرفة الرباط 1987 ص : 531.
[73]  محمد الشلي : م.س ص : 37.
[74]  قرار المجلس الأعلى عدد : 442 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 16 ص : 57.
[75]  محمد الشلي : م.س ص : 37.
[76]  محمد الشلي : م.س ص : 37.
[77]  G. Vevasseur : « la répression des infractions à la réglementation des prix » j.c.p،1941، I 93.
[78] F.P.Blanc : « droit pénal général marocain » Sochpress، Casablanca. 1984 p : 151.
[79] .يس. السيد : "السياسة الجنائية المعاصرة" دار الفكر العربي. الطبعة الأولى 1973 ص : 92.
[80]  عبد الفتاح مصطفى الصيفي :" حق الدولة في العقاب": نشأته واقتضاؤه وانقضاؤه." دار الأحد بحريني، إخوان : بيروت 1971 ص : 256.
[81] Mohammed Drissi Alami : « droit pénal maritime » Revue juridique et politique et économique du Maroc. Fac droit Rabat n°9. ، ،1981, p : 41.
[82]  Z. G Anachkine : « les problèmes juridiques et pratiques posés par la différence entre droit criminelet droit pénal administratif » revue international de droit pénal.1988.،p449.
[83]  جورج قذيفة : م.س ص : 417.
[84]  احميد واكريبي : "المسؤولية الجنائية عن فعل الغير في الجرائم الاقتصادية" مجلة القضاء والقانون، عدد 26 السنة ،1988 ص 107.
[85]  حكم جنائي عدد 110 الصادر بتاريخ 10 دجنبر 1970 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى ع 20 ص : 50.
[86]  قرار جنائي عدد 48 الصادر بتاريخ 19 نونبر، 1970 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى ع 19 ص : 85.
[87]  محمد الشلي : م.س ص : 40.
[88]  مثلا : الفصل 18 من ظهير 21/07/1923 المتعلق بالقنص : - الفصل 117 من ظهير 9 أكتوبر 1977 مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
- الفصل 35 من قانون 12/10/1971 المتعلق بتنظيم الأثمان ومراقبتها.
- الفصل 19 من قانون 12/10/1971 المنظم للادخار الاحتياطي.
[89]  القرار عدد 7109-94 الصادر بتاريخ 21/07/1994، ملف جنحي 19139-89، منشور ب إدريس ملين : مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية. 1981-1985 م.س ص : 418.
[90]  مثلا : - الفصل 47 من ظهير 23/11/1973 المنظم للصيد البحري.
- الفصل 29 من ظهير 11/04/1922 المنظم للصيد في الأنهار.
[91]  قرار المجلس الأعلى عدد 333 الصادر بتاريخ 05/02/1962 منشور بمجلة القضاء والقانون ع 54 ص 32.
[92]  حكم جنائي عدد 87 الصادر بتاريخ 11 نونبر 1971 منشور ب : إدريس ملين : مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية 1966-1986 م.س ص: 63.
[93]  علي فاضل حسن : نظرية المصادرة في القانون الجنائي المقارن :عالم الكتب ،القاهرة ،1973 ص : 257.
[94]  محمد الشلي : م.س ص : 41.
[95]  محمد شلال حبيب : "الجزاءات المقررة لمخالفة القوانين الاقتصادية وما يقضي استحداثه من جزاءات جديدة لحماية النشاط الاقتصادي في مرحلة التنمية" سلسلة الدفاع الاجتماعي، عدد 5 ص : 87.
[96]  A.H Hoguet : « Dauanes » op cit p 3.
[97]Henivallant : op cit p 220..
[98] M. Pellorin : « caractères généraux du droit et du contentieux douaniers » Ecole National du Douane Nenilly 1950 p 97.
.لا نقصد به "ظروف التخفيف" المنصوص عليها في القانون الجنائي –الفصول146الى151- إذ أن هاته الإمكانية يلجا إليها القضاء تبعا لسلطته التقديرية ،إضافة إلى إن ظروف التخفيف يلجا إليها القاضي قبل إصدار الحكم عكس الصلح التي تبرمها الإدارة حتى بعد صدور حكم نهائي.1
3 .Henry Max: « transaction économique et action civil :à la recherche dَune conciliation » revue  des  sciences criminelles.1981.p.292
..4 .Raymond Legeais: « les procédures sans débats en droit pénal français ».r.i.d.p.1962.p.450.
. ظهير 19 يناير 1953-النص- الفرنسي- المنشور بالجريدة الرسمية عدد2104.الصادرة بتاريخ 20.02.19535
7 Raymond Legeais: « les procédures sans débats en droit pénal français .r.i.d.p.1962.p 450
1 .Charles de Guardia: « changes et transaction avec lَadministration des douanes » michil lambert.r.i.d.p.1962
p.490
[99]  غنام محمد غنام : م.س ص : 292.
. الشرقي حفيظي، مس،الصفحة:.393 1
3 .mellor alec”les contraventions et le tribunal de bolice”   librairie du journal des notaires et avocats.1959.p.45
.غنام محمد غنام.م.س.ص.2921
[100]  Thoms Weionend « the legal and practical problems posed by the difference between criminal law and administrative penal law » R.I.D.P 1988 P : 67.
[101]  Circulaire du 19 déc. 1983 portant sur les critères d’orientation pour le choix entre sanctions pénales et sanctions administratives » ARCH. Pol crime 1977 p 195.
[102]  François  Chabas : « la notion de construction » R.S.C 1969 P : 2.
[103]  Circulaire du 19 déc 1983. op. cit. p 195.
[104]  Miguel Polaino- Navarrele « les problèmes juridiques et pratiques posés par la différence entre le droit criminel et le droit administratif pénal. R.I.P.p. 1988. P 166.
[105]  محمد غنام محمد : م.س ص : 295.
[106] Jean Gauthier « les problèmes juridiques et pratiques posée par la différence entre le droit criminel et le droit administratif pénal » R.I.D.P 1988 P : 404.
[107]  محمد غنام محمد : م.س ص : 296.
[108] Jean Gauthier « la loi fédérale sur le droit pénal administratif » mémoires précités p 25.
[109]  Emilo Dolcino « les problèmes juridiques et pratiques posées par la différence entre le droit criminel et le droit administratif pénal » R.I.D P 1988 p : 277.
[110]  غنام محمد غنام : م.س ص : 297.
[111] Jaceques  .Georgeel.Houber.Geraldhubrecht”sanctions administratives” juris classeur administratife.fasc n.36.
[112]  Coms. ET 6juin 1976.lebon p.733 cons d.et
8nov.1963.lebon.p532.a.j.b.a.1964.p28.19mai.1976.lebon.tobles.731.cons.d.et 6Mars1970. Lebon p 173 A.J.D.A 1970 II 564.
3 .cous .Dَet.29 mai.1970.lebon .362.
[113]  Cons d’Etat 14 janv. 1995. Lebon p 27.
[114]  غنام محمد غنام : م.س ص : 307.
[115]  Bruno Gennois « la protection administrative en droit français Arch. Pol Crime 1984. p 70.
[116]  Cons d’Et 16 Déc. 1955 dame Baurakba Lebon P / 590. D 1956. 392 ? 25 AVR 1958 Société labratiore GligyLebon p 236. A.J.D.A 1958 J.C.P 1958 II.
[117]  Jacques Georgel Hubert- Gerald Hubertcht « Sanctions administratives » juris classeur administratif  fasc. 202.
[118] J. Marcello  de Araujo Junior « les problèmes juridiques et pratiques posés par la différence entre le droit criminel et le droit administratif pénal. Int 1988. p : 118.
[119]  M.Delmas –Marty les problèmes juridiques et pratiques posés par la différence entre le droit administratif pénal R.I.D.P 1988. P 29.
[120]  SOoizic. Lorvellec « les frontières entre infractions pénales et infractions .administratives en Italie. ARch .pol crim. 1985, p 193.
[121]  غنام محمد غنام : م.س ص : 310.
[122]  Ciulian. Vassalli « le droit Italien principes généraux applicables à la matière pénale » R.S.C 1987 . p 84.
[123]  Aless. Andres. Bernard « expériences italiennes récentes en matière de science et de techniques de la législation pénale » ARch pol. Crim. 1987. p 180.
[124]  Grygiep « XIVIH International congress of pénal law » addendum to section I.R.I.D.P 1988 P / 227.
[125]  غنام محمد غنام : م.س ص : 311.
[126] A. Varinard et Joly- Sibuet « les problèmes juridiques et pratiques posés par la différence entre le droit pénal et le droit administratif pénal » R.I.D.P 1988 P / 195.
[127]  Roland. Miklau, op. cit. p. 110.
[128]   غنام محمد غنام : م.س ص : 312.
[129] Andrzej. Marek. “The legal land practical problèmes poses by the difference betentcn criminal law and administrative law” R.I.D.P 1988 P / 331.
3 George Antionia”the lega land problémes rosed ba the difference betmen criminal and administrative pend law”.
4 . A.varinard et Jaly si but.ob.cet.p.199.

[131].Jean. Gauthier. Op. cit. p 409.
[132]  Jean Gauthier. Op. cit. p 409.
[133]  J. Gauthier. Op. cit. p 409.
4 .  Emilo. Dolcini « les problèmes juridiques et pratiques par la différence entre droit criminel et le droit administratif pénal ».R.I.D.P.1988.P282.
.. المادة 511 اجراءات مصري والمادة 232 اجراءات كويتي..5
[135]  غنام محمد غنام : م.س ص : 327.
[136]  G. Vassali « les orientations actuelles de la politique criminelle italienne » ARch. Pol. Crim. 1983 p : 183.
[137]  Edaourd. Baurrel « Sanctions fiscales » Encyclopédie Dalloz droit administratif. n. 49.
[138]   نقض نونبر سنة 1960 س 11 ص : 767. 22 يناير سنة 1963 س 14 ص : 35.أشار له غنام محمد غنام م.س. ص.323.
[139]  نقض 30 أكتوبر 1967 س 18 ص : 1043.
[140]  غنام محمد غنام : م.س ص : 322.
2 . Edaurd Baurred op. Cit. N. 2.


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق