الصلح الجنائي بين القواعد الجنائية العامة والنصوص الجنائية الخاصة






إن السياسة العقابية الحديثة بدأت تتجه نحو التخلص من عقوبة السجن والبحث عن بدائل لها، نظرا لما أثبته تنفيذها من مساوئ، خاصة في العقوبات القصيرة منها، بل إن الاتجاه بدأ يسود حديثا نحو رفع الصفة الجنائية نفسها عن الأفعال المحدودة الأهمية مما يبرز لنا أزمة بالنسبة للعدالة الجنائية،  وتلازمت ظاهرة أزمة العدالة الجنائية مع ظاهرة التضخم العقابي، والتي كانت نتاجا طبيعيا لتزايد أعداد القضايا الجنائية، لهذا لم يكن من الممكن أن يظل القانون الإجرائي رهين بقواعده التقليدية، بل كان عليه البحث عن سياسة إجرائية حديثة، خاصة من أجل التخفيف على القضاة بمختلف مستوياتهم.
فبدا البحث بالفعل عن بدائل للدعوى الجنائية، وتفادي طول إجراءاتها والمعاناة التي يتحملها المتهمون أنفسهم، فبرزت فكرة الصلح الجنائي أو العدالة التصالحية كوسيلة كفيلة بتحقيق ذلك، وكذلك من خلالها ينقضي حق الدولة في العقاب.هكذا حاول المغرب نهج مثل باقي التشريعات الجنائية الأخرى نهج هذا التوجه الجديد وتبنيه و تفعيل وتسهيل التقاضي وإجراءاته، لذلك بادر إلى إحداث هذه المؤسسة لرفع العبء عن القضاء الذي كان يجد نفسه أحيانا مرغما في البث في قضايا بسيطة.
لهذا أصبح الصلح آلية مهمة لفض النزاعات والخصومات، وهذا ما كرسته المادة 41 من القانون رقم 01.22 بمثابة قانون المسطرة الجنائية.
غير أن  هذه المؤسسة كان لها دور كبير من خلال التشريعات الجنائية الخاصة، فارتبطت بالممارسة اليومية للإدارة، حتى أصبحت خاضعة لمجموعة من الأعراف الإدارية. غير أن هذه المؤسسة سواء في ظل المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية  أو القوانين الجنائية  الخاصة، تثير مجموعة من الإشكاليات القانونية والتي ستكون محل نقاش من خلال هذا الفصل  الذي سنحاول التعرف على كيف تتم إجراءات الصلح وفق المادة 41 ق.م.ج. (المبحث الأول) وعلى مكانة الصلح في التشريعات الجنائية الخاصة.(المبحث الثاني).

المبحث الأول : إجراءات الصلح وفق المادة 41 ق.م.ج.
لقد سعى المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية الجديد، إلى إسناد دور جديد للنيابة العامة، كانت الغاية منه هو السداد بين الخصوم وبالتالي تمكين الضحايا من الوصول إلى حقوقهم عبر تسوية حبية دون اللجوء إلى حكم قضائي، والقضاء في نفس الوقت على الفتن والاضطرابات والنزاعات الانتقامية لدى الضحايا،1 هذا من جهة ومن جهة أخرى اختزال الإمكانيات البشرية و المادية بالنسبة للمحاكم، إسوة بما جنحت إليه بعض التشريعات الجنائية الدولية، فمكن المشرع بالتالي النيابة العامة من إمكانية المبادرة إلى اقتراح الصلح بين أطراف النزاع، طبقا للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية وفق شروط معينة ،لهذا سنحاول إبراز الدور الجديد للنيابة العامة في الصلح، وكذا مسطرة التصالح بصفة عامة.
خاصة أن المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية تثير العديد من الإشكاليات القانونية وبالخصوص من الناحية العملية، مما يستدعي تدخل تشريعي أو إصدار مناشير لإيجاد الحلول المناسبة وتوحيد العمل القضائي في مختلف أجهزة النيابة العامة في سائر المحاكم،بهذا سيحاول المبحث الأول استيعاب والإجابة علي التساؤلات التي تطرحها الإشكاليات التالية.
* إن اشتمال مسطرة الصلح على جميع الجرائم المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم، وسعت بذلك من دائرة       الجرائم التي تشملها مسطرة الصلح. لكن بالمقابل فإنها تفتح المجال أمام إجراء الصلح بالنسبة لبعض الجرائم الماسة بالنظام العام والآداب العامة؟.بحيث أن  هناك مجموعة من الجرائم التي تشكل خطورة على المجتمع من حيث الأمن والصحة ويقتضي التشدد في زجرها، وأن فتح المجال في تطبيق مسطرة الصلح بالنسبة لها سيؤدي إلى تزايدها ولا تخفى آثارها الوخيمة على المجتمع؟.
*هناك كذلك إشكالية تتعلق بتطبيق مسطرة الصلح في المحاضر العادية التي عادة ما تحال بشكل عادي على النيابة العامة ودون تقديم لأطرافها؟، وبسبب هذه الوضعية يصعب تطبيق مسطرة الصلح بينهم، كما نصت عليها المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، وأن من شأن إحضار الأطراف وحتى استدعائهم إحياء وإحداث نزاع فيما بينهم من جديد يدور بعدما تراجع الضحية عن تنازله، وزرع الحقد فيما بين طرفي الخصومة، وعوض تحقيق التصالح فيما بينهم تجديد النزاع.
*هناك إشكالية أخرى تتمثل في حالة وجود جنحتين وضحيتين في نفس المسطرة، وأحد الضحايا تنازل عن شكايته ويطلب إجراء مسطرة الصلح والضحية الثانية تصر على المتابعة، فكيف يمكن تطبيق مسطرة الصلح على هذه النازلة؟ وكذلك الأمر في حالة تنازل الضحيتين معا بغرفة المشورة، هنا  ينبغي أن يتضمن أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى، ففي هذه الحالة هل يؤخذ بالغرامة القصوى المنصوص عليها في إحدى الجنحتين أم يتم جمع الغرامتين معا، وأن يكون نصف الحد الأقصى لهما معا،.
*هناك إشكال آخر يهم الصلح الذي يقع بعد إقامة الدعوى العمومية، فطبقا للمادة 372 من قانون المسطرة الجنائية، فإن المحكمة المعروض عليها النزاع يمكنها أن توقف سير إجراءات الدعوى العمومية بناءا على ملتمس تقدمه النيابة العامة في حالة تنازل الطرف المتضرر من الفعل ألجرمي عن شكايته، والإشكال الذي يطرح هل يمكن للمحكمة أن تحيل ملف الدعوى على النيابة العامة قصد مباشرة الصلح وعرض القضية بعد إيقاف سير إجراءات الدعوى العمومية بإحدى أسباب السقوط دون أن تلزم المتهم بأداء نصف الحد الأقصى للغرامة، مما قد يفتح باب التحايل في تطبيق هذه المسطرة وبالتالي الإضرار بحقوق الخزينة العامة.وختما لهذه الإشكاليات القانونية ،ماهو الأثر الذي تخلفه أحكام مسطرة الصلح الواردة في المادة 41 ق.م.ج على الدعوى العمومية ؟ (المطلب الثاني)
لكن قبل ذلك لابد من الوقوف على الأحكام الخاصة بالمسطرة؟ (المطلب الأول).





المطلب الأول : أحكام مسطرة الصلح طبقا للمادة 41 من ق.م.ج
إن الحديث عن إمكانية التصالح في الدعوى العمومية قبل دخول قانون المسطرة الجنائية إلى حيز التطبيق كان يبدو شاذا، ذلك أن الدعوى العمومية ملك للمجتمع، ومسلك الدولة لحماية سلطاتها في العقاب بهدف تحقيق الصالح العام، لذلك جاء المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجديدة بأحكام مهمة جعلت المشرع المغربي هو في محاولة لمحاكاة التشريعات الجنائية المقارنة، من قبيل تدعيم مكانة النيابة العامة و تقرير الرقابة القضائية على المسطرة.(الفقرة الأولى).للوقوف بشكل واضح على أحكام المسطرة(الفقرة الثانية).
الفقرة الأول : دور النيابة العامة في إعمال المسطرة ورقابة القضاء لها.
إلى جانب الأدوار التقليدية التي كانت تمارسها النيابة العامة فان قانون المسطرة الجنائية الحالي، خاصة في المادة 41 اتجه نحو إعطاء النيابة العامة أدوار جديدة، أهمها الصلح الذي أصبحت تقوم به حينما تم تخويل لها الحق في الموافقة عليه أو رفضه، إلى جانب أن النيابة العامة تم تخويل لها وهي الوحيدة باقتراح الصلح في حالة تغيب المتضرر الذي أدلي بتنازل مكتوب، بحيث تبقى دائما للنيابة العامة سلطة الملاءمة التي تملكها، وهكذا خولت المادة المذكورة لوكيل الملك إحالة محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية، حيث يتم تداول هذا المحضر بين النيابة العامة ورئيس المحكمة الابتدائية بمقتضى سجل معد لهذه الغاية حرصا على توثيق هذه العملية ويعمل هذا الأخير على التأكد من إرفاق محضر الصلح بالوثائق المقيدة قبل أن يدرج الملف بغرفة المشورة ليبث في محاضر الصلح الواردة عليها من طرف وكيل الملك.خاصة وأن الجهة المختصة بتلقي الصلح هي النيابة العامة وذلك تقريرا لدورها الهام في هذا المجال.
وبناء عليه سنحاول معرفة الصلاحيات التي تملكها النيابة العامة في هذا المجال الجذ حساس والذي أحدته المشرع داخل قانون المسطرة الجنائية الجديدة.(أولا)وكذلك الدور الذي أوكله للقضاء الجالس داخل المسطرة(ثانيا).

أولا : صلاحيات النيابة العامة في الصلح الزجري
لابد من إبراز أن الآراء الفقهية قد تضاربت في هذا الشأن ، بين الذين يقولون بأن النيابة العامة لها الحق في توجيه الأطراف إلى إجراء الصلح بينهما متى أيقنت أن الوقائع تكيف قانونا بجريمة تدخل ضمن الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية، وعليها أن تجري محاولة التصالح بينهما قياسا إلى نفس التدابير التي يضطلع بها قاضي التوثيق في قضايا الطلاق،[1] وقاضي الشغل في النزاعات الاجتماعية.
وهناك اتجاه آخر يقول بأن سلطة التمسك بالصلح من عدمه بين يدي طرفي النزاع الماثلين أمام ممثل الحق العام دون غيرهما، بحيث أنهما إذا لم يعبرا عن رغبتهما في إجراء الصلح فإن النيابة العامة لا شأن لها بذلك، ويجد هذا التوجه مبرره في مقتضيات المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية التي توقف دور النيابة العامة عند حدود التضمين فقط وبالتالي فهي لا تملك حسب صياغة النص توجيه الأطراف نحو إبرام الصلح.2
وبدوري أميل إلى الرأي الثاني باعتبار أن طرف النزاع هما المتحكمان في المتابعة أو إبرام التصالح وليس النيابة العامة سوى الاستجابة لرغبة الطرف المتضرر "... يمكن للمتضرر المشتكي...".لكن يظل أهم صلاحياتها هي الصلاحيات التي لها قبل تحريك المتابعة، وهي سلطة المتابعة على اعتبار أنها تقرر واحدا من الأمرين على ضوء ما انتهت إليه في بحثها وتمحيصها للأدلة وهذا ما يعرف بالسلطة التقديرية في إقامة الدعوى العمومية، أو سلامة الملاءمة، وهو يشكل أسلوبا أو نظاما مرنا في إثارة المتابعة، غير أن هذه السلطة لا يمكن أن تكون بأية حال من الأحوال مطلقة بل لها حدود بحيث أن المشرع وضع في حسابه جملة من الأمور التي من شأنها أن تضمن الحد الأدنى من التعايش والتوفيق بين مبررات حفظ القضية والحق في المتابعة طبقا لما قررته المادة 2 ق.م.ج.ج.[2]
لكن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد يتعلق بالدور الذي يجب أن يلعبه ممثل الحق العام أمام عدة آليات ضمن سلطة الملاءمة، أو بعبارة أخرى فإن سلطة الملاءمة والتقدير تكون محل اعتبار عند سلوك بعض المساطر مثل الصلح و السند التنفيذي في المخالفات، تقديم ملتمس إيقاف الدعوى العمومية.[3] رد الأشياء المحجوزة لمن له الحق فيها، وبصفة عامة مجموعة من المساطر والإجراءات التي يبرز فيها الدور الوقائي والاجتماعي الذي ينبغي أن تلعبه النيابة العامة.[4] خاصة أن هذه الأخيرة مدعوة إلى الموازنة بين مصلحة المجتمع الذي تعمل باسمه وبين مصلحة الشخص الماثل أمامها وتمتيعه بما أمكن من الآليات التي خولها القانون في درء المتابعة عنه أو في أن تختار له وضعا أفضل مما كان سيخضع له، وكل ذلك في إطار ما هو ممكن في القانون.[5]
لكن الإشكال عندما تتوفر شروط5إبرام مسطرة الصلح وشروط أخرى لمسطرة السند التنفيذي في المخالفات6 مع وجود دواعي لحفظ القضية، فأي سبيل أنجع في هذه الحالة؟
الحقيقة أن المشرع لم يضع مقتضى قانونيا للمفاضلة والترجيح بين المساطر عند اجتماع مبرراتها جميعها، لكن الأقرب إلى الصواب – في نظرنا- هو أن ممثل النيابة العامة يكون في هذه الحالة أمام فرضيتين : الأولى هو توافر مبررات مسطرة الصلح والسند التنفيذي في المخالفات مع غياب وسائل الإثبات، وهنا لا نعتقد وجود مدعاة لسلوك إحدى المسطرتين المذكورتين. فإذا تم اللجوء إلى مسطرة الصلح فإن ذلك سيجعل المتهم في وضع أسوء، وهو أنه بعدما كانت وسائل الإثبات ما اقترفه من أفعال منعدمة، سيضع نفسه أمام ما يشبه الاعتراف المنسوب إليه، بمعنى أن سلوك مسطرة الصلح ستتخذه المحكمة لا محالة كقرينة قوية على ثبوت الجريمة ونسبتها للمتهم والحقيقة أن من شأن الفراغ التشريعي في هذه النقطة أن يجعل المشتكي هو من يسعى في غالب الأحوال إلى سلوك مسطرة الصلح كلما انتفت وسائل الإثبات، مما يجعله في حال لا يحسد عليها.
وفي نظرنا في حالة غياب وسائل الإثبات يتوجب على ممثل الحق العام حفظ الملف، توفيرا لجهد المحكمة واقتصار المسطرة أمام صعوبة إثبات الفعل ألجرمي ونسبته إلى المشتكى به.
أما في حالة وجود وسائل الإثبات مع توفر مبررات المسطرتين فانه يستحسن سلوك إحداهما بدل المتابعة،فمسطرة الصلح تكون أنجع للمتهم باعتبار أن تضمين الأمر القضائي في الصلح لا يتضمن وجوبا أداء غرامة بل جواز فقط.[6]
غير أن النيابة العامة في ظل هذه الصلاحيات التي تتوفر عليها، تظل دائما خاضعة للمراقبة القضاء في ذلك.
ثانيا : الرقابة القضائية على إعمال  مسطرة الصلح
عمل المشرع وكما هو الشأن بالنسبة لبعض المساطر الأخرى، مثلا في حالة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه عند الاعتداء على حيازة عقار طبقا للمادتين 40 و 49 من قانون المسطرة الجنائية، أخضع أوامر النيابة العامة لرقابة القضاء، حتى تكون مسطرة الصلح محاطة بضمانات قضائية، إذ أن محضر النيابة العامة  بإجراء الصلح يعرض على غرفة المشورة للتصديق عليه بأمر قضائي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية أو مما ينوب عنه وغير قابل لأي طعن.
ويحيل وكيل الملك محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية ليقوم هو أو من ينوب عنه بالتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين أو دفاعهما بغرفة المشورة بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن".[7]
كما نصت الفقرة السادسة من نفس المادة 41 ق.م.ج "يحيل وكيل الملك المحضر على رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والمعني بالأمر أو دفاعه بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن" والمجلس الأعلى يعمل هو الآخر كذلك على نقض الحكام والقرارات التي لم يتم احترام مسطرة الصلح بشأنها من طرف ممثل النيابة العامة تدعيما منه لاحترام الإجراءات الجنائية.
ومن هنا تبرز لنا أهمية مسطرة الصلح.
الفقرة الثانية : مسطرة الصلح وفق المادة 41 ق.م.ج
لقد حدد المشرع المغربي في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجرائم التي يمكن سلوك مسطرة الصلح في  شأنها وهي الجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو 3بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم2، ومسطرة الصلح تتم بناء على طلب طرفي الخصومة سواء كان المتضرر نفسه3 أو المشتكي به4 أو بناء على اقتراح من وكيل الملك قبل إقامة الدعوى العمومية.
لهذا لابد في البداية من التعرف على نطاق الصلح قبل التعرف على مسطرة الصلح وطريقة إجرائها وأطرافها والآثار التي تترتب عليها.



أولا : نطاق الصلح
أ- الجرائم المشمولة بالصلح
الملاحظ هو أن المشرع المغربي قصر الصلح على بعض الجنح التي تتسم بعدم خطورتها على النظام العام، ويقتصر ضررها على أطرافها الذين يعتبر رضاهم ضروريا لتحقيق الصلح وليس هذا هو الإشكال لأن إحداث مسطرة الصلح، داخل مثل هذه الجنح هو إيجابي على جميع المستويات، لكن الإشكال داخل هذه الفقرة هو التحديد الذي تضمنه الفصل 41 من ق.م.ج فيما يتعلق بالجرائم الخاضعة لمسطرة الصلح، إذ بالرجوع إلى مضمون هذه الفقرة يفهم أن الجرائم التي يمكن الاتفاق على إنجاز صلح، بصددها هي فقط تلك المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو تلك المعاقب عليها بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم، لكن إذا ما رجعنا للقانون الجنائي، نجد هذا الأخير يحتوي على جنح معاقب عليها بالحبس فقط، وأخرى معاقب عليها بالحبس والغرامة أو بإحدى العقوبتين أو مخالفات معاقب عليها بالاعتقال والغرامة وأخرى معاقب عليها بالغرامة فقط.
 فهل هذا يعني أن الجرائم المعاقب عليها بالحبس لأقل من سنتين والغرامة وكذا المخالفات المعاقب عليها بالاعتقال والغرامة لا تخضع لمسطرة الصلح ؟ غير انه يبدو أنه لا يوجد أي مبرر موضوعي لإقصاء مرتكبي هذه الجرائم من الاستفادة من مسطرة الصلح، خصوصا إذا كانت هذه الجرائم تشترك في الأهداف والمزايا التي يحققها الصلح مع باقي الجرائم الأخرى التي أجاز المشرع للمشتكي والمشتكى به إجراء صلح بصددها وتلك التي قد يقترح وكيل الملك صلحا بشأنها، لذلك لابد من أن يشمل الصلح حتى هذه الجرائم.
وانطلاقا من مضمون الفقرة الأولى من المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية[8] وأمام عدم موضوعية التحديد الذي تضمنته المادة فيما يتعلق بالجرائم الخاضعة لإجراء الصلح، فلا نؤاخذ على المشرع سوى تداركه لهذا العيب التشريعي و العيب التشريعي الأخر وهو موافقة وكيل الملك على محضر الصلح ،يجب ألا تظل موافقة وكيل الملك على محضر الصلح المتفق عليه بين المشتكي والمشتكى به ضرورية، وكذا اقتراحه الصلح في حالة عدم وجود مشتكى مقيدة فقط بالجرائم المعاقب عليها بالحبس لأقل من سنتين أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم، بل يتجاوز موافقته واقتراحه، ذلك إلى الجرائم المعاقب عليها بالحبس لأقل من سنتين والمخالفات المعاقب عليها كذلك بالاعتقال والغرامة.
ويبدو أن المشرع من خلال المادة 41 من ق.م.ج ركز على الجرائم التي يمكن التصالح بشأنها والتي  تتميز في معظمها بطابعها البسيط وارتباطها بالجوانب الاجتماعية والعائلية، كما أن الإحصائيات تؤكد أن هذه القضايا تمثل صدارة القضايا المدرجة حاليا أمام المحاكم العادية من قبيل الإيذاء ألعمدي الخفيف، إهمال الأسرة، السرقة الزهيدة..الخ.[9]
ب- أطراف الصلح
نصت المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية على طرفين اثنين يتوليان مهمة إجراء الصلح بينهما هما المتضرر والمشتكى به، وقد انصرفت نية المشرع حسب مقتضى المادة 41 ق.م.ج إلى عدم إقحام النيابة العامة في الموضوع حتى لا يكون ثمة تأثير خاصة وأن فئة عريضة من المتقاضين هم أميين، ولأجل هذه الغاية لم يخضع المشرع هذه المسطرة لتدخل النيابة إلا في الصلح في المخالفات وترك المبادرة للطرفين معا، ويؤكد هذا التفسير اشتراط إنجاز هذه المسطرة قبل إقامة الدعوى العمومية[10] أي بمجرد إحالة محضر الضابطة القضائية على النيابة العامة، فمن خلال هذا المقتضى يتضح أن مسطرة الصلح تتضمن طرفين، وكذلك تعتبر حضورية، على اعتبار أن الطرفين يجب أن يحضرا أو على الأقل المشتكى به لأن المشتكي قد يتغيب خاصة في الحالة التي يدلي فيها بتنازله لذلك لابد من إبراز من هو المتضرر ومن هو المشتكى به.[11]
* المتضرر :
ويدخل في هذا الصنف ضحايا جرائم النتيجة من ضرب وجرح وانتزاع الحيازة وما شابه ذلك ويكفي لاعتبار الشخص متضررا حسب الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية أن يشار إليه بمحضر الضابطة القضائية، كضحية ونحن هنا نطرح سؤالا لماذا لم يستعمل المشرع كلمة "المشتكى بدلا من المتضرر" فهو أشار إلى "المشتكى به" لكنه نص على المتضرر، ويجد هذا السؤال أهميته في الحالة التي يتقدم بها الطرف إلى النيابة العامة بشكاية ضد خصمه فهل يجوز للنيابة العامة قبل إحالة الملف على الضابطة القضائية، أن تجري الصلح بين الطرفين أم لا؟ بحيث يمكن لها أن تستدعي المشتكى به لأجل هذه الغاية، ويبدوا أن المشرع المغربي أراد أن يضفي طابع الجدية على مسطرة الصلح فاشترط أن يتعلق الأمر بمتضرر من جريمة حتى يضع حدا للشكايات الكيدية التي ليس لها فيها إثبات، فالظاهر من خلال النص أن الأمر يتعلق باعتراف من جانب المشتكى به بالفعل المنسوب إليه وإلا لما كان لهذه المسطرة من عمل.
* المشتكى به :
وقد استعمل المشرع المغربي هنا هذه الكلمة لكونها تتطابق مع الوصف، الذي ينسجم مع وضع الماثل أمام النيابة العامة في هذه المرحلة إن هذه الفقرة تخص طرفين اثنين : ضحية ومشتكى به وبالتالي تستثنى منها الحالة التي يوجد بها متضرر.
ويتعلق الأمر فقط بوشاية وشكاية أو معلومة وردت إلى النيابة العامة في شأن جنحة وقع ارتكابها. ويؤكد هذا الطرح عبارة "الصلح الحاصل بينهما" بمعنى أن يكون هنا كطرف نزاع مشتكى به ومتضرر، أما الحالة التي لا يوجد فيها متضرر فقد عرفت بها الفقرة الثامنة من الفصل 41 الذي سوف نتعرض لها لاحقا.[12]
وهكذا بعدما قمنا بالتعرف على الجرائم التي يجوز التصالح فيها وكذا أطراف هذا الصلح لابد من التعرف على فترة إجراء الصلح  وكذا آثاره التي يخلفها على أطرافه.


ثالثا : زمن إجراء الصلح والآثار المترتبة عليه
ا- زمن الصلح
حدد المشرع زمن الصلح عندما قال : "قبل إقامة الدعوى العمومية وهي عبارة تفيد أن امتداد الصلح ليس له حد أدنى ولا حد أقصى، وبخصوص الحد الأدنى يمكن طرح السؤال التالي : هل يمكن للأطراف الماثلين أمام الضابطة القضائية بسبب شكاية تقدم بها أحدهما في مواجهة الآخر أن يبديا رغبتهما في الصلح ويضمن ذلك بمحضر الضابطة القضائية؟ ويحال على النيابة العامة أم أن إجراء الصلح محصور نطاقه أمام النيابة العامة فقط؟.
بمعنى أن المشتكى به أو المتضرر عبر عن رغبتهما في إنهاء النزاع بينهما عن طريق الصلح، ولم يقدما طلبا بذلك أمام النيابة العامة بعد إحالة محضر الضابطة القضائية عليها، هل يقضي وكيل الملك أو نائبه باعتبار الصلح الوارد أم يلزم الطرف المتصالح بضرورة تقديم الطلب وفق الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية وبعدها يتم تحرير محضر بذلك؟ وإن بعض التشريعات ولرفع العبء عن النيابة العامة تكتفي في بعض الجرائم البسيطة، والتي تتوج بصلح الطرفين بإفادة من طرف الضابطة القضائية للنيابة العامة كإشعارها بتصالح الأطراف ونجد هذا النموذج في التشريع الفرنسي، إذ يكتفي ممثل النيابة العامة بالتعبير كتابيا أو شفويا عن قبوله الصلح المبرم بين الطرفين، ومن شأن هذه الوسيلة تخفيف العبء عن  النيابة العامة التي قد تجد نفسها مثقلة بعدد لا يستهان به من طلبات الصلح الواجب المصادقة عليها من طر رئيس المحكمة وبموازاة هذا التساؤل هناك تساؤلا آخر على جانب من أهمية ويتعلق بالصلح الواقع أمام النيابة العامة مباشرة دون أن يكون محضر الضابطة القضائية قد أنجز، فلو تقدم المشتكى به بمعية المتضرر وعبرا عن تراضيهما ورغبتهما في إنهاء النزاع بالصلح، هل من الضروري إحالة الشكاية على الضابطة القضائية لانجاز محاضر لاستماع أم تكتفي النيابة العامة بتضمين الصلح الواقع بين الطرفين وأن تحفظ الملف؟
إن لكل إجراء من هذه الإجراءات سلبيات وإيجابيات، إذا ارتأى ممثل النيابة العامة أن يحيل الشكاية على الضابطة القضائية للاستماع فان مثل هذا الإجراء ليس له أثر إيجابي ومجرد تطويل المسطرة مادام الأطراف تصالحوا لكنه في نفس الوقت إجراء قانوني إذ لابد من الاستماع للأطراف في محضر قانوني مع تحديد إطار الفعل الإجرامي، وغيرها من الشكليات التي يقتضيها  القانون المسطرة الجنائي في باقي مواده، وهناك رأي في هذا الصدد بقوله أن بوسع النيابة العامة تحرير محضر الصلح وإحالته على رئيس المحكمة وفق مقتضيات الفصل 41 من ق.م.ج.[13]
يعيب البعض على هذا الرأي أنه من غير المنطق إحالة مجرد شكاية بدون محضر استماع منجز من لدن الضابطة القضائية يعرض الوقائع، ويسهل على رئيس المحكمة كسلطة في مراقبة الفعل ألجرمي وتضيفه في حالة الأفعال التي يجوز بشأنها الصلح، وإذا كان محضر الاستماع المنجز من طر النيابة العامة والمتضمن للصلح القائم بين الطرفين يعني أن النيابة العامة هي رئيسة الشرطة القضائية، وهنا نفتح قوسين لنعيب على التشريع الجديد عدم تحديده بدقة للقيمة الأساسية والقانونية للمحاضر الاستنطاق المنجز من طرف النيابة العامة.[14]  أما إذا ارتأى ممثل النيابة العامة تضمين الصلح القائم بين الطرفين دون الإحالة على الضابطة القضائية رفعا للعبء وتيسير المسطرة فإذا كان هذا الجانب يخدم سرعة المسطرة فيعاب عليه أن التقيد بمقتضيات الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية يقتضي أن يكون ثمة اعتراف بالفعل من لدن المعتدي مضمن بمحضر الضابطة القضائية وللاعتراف في الجنح كما هو معروف تلعب فيه محاضر الضابطة القضائية دورا هاما كما أن النيابة العامة لا تضمن ضمن محاضر الاستماع الوقائع، وبالتالي يكون للنيابة فراغ يستعصي معه إتمام مسطرة الصلح وفق القانون. أضف إلى ذلك أن من شأن الأخذ بهذا الاقتراح أن يزيد أعباء النيابة العامة بحيث سيلجأ المواطنين لطرق بابها دون اللجوء إلى الضابطة القضائية.
وبخصوص الحالة الثالثة هل يجوز للنيابة العامة في حالة التنازل عن الشكاية أن تقرر الحفظ متى كان التنازل مؤسس على صلح بين الطرفين، ويبدوا أن هذا الحفظ يتعارض مع مفهوم الجريمة التي لها اتصال بالنظام العام وتعرض إلى جانب التعويض الذي يجبر الضرر والإدانة التي هي حق المجتمع.
ب- محضر الصلح :
انطلاقا من المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجديد، يتضح أن الصلح قد يتم بصورة تلقائية، يطلب بمقتضاه أحد الطرفين من وكيل الملك تضمين مضمونه داخل محضره في حالة أخرى قد يكون وكيل الملك هو صاحب المبادرة في اقتراح الصلح.
حيث بمقتضى المحضر الذي يطلب بمقتضاه أحد الطرفين من وكيل الملك تضمين مضمونه داخل محضر يحق للمشتكي أو المشتكى به بمراضاة الطرف الآخر ومحاولة التوصل معه إلى صلح بشأن الجريمة التي ارتكبها الطرف الثاني في حق الطرف الأول وذلك مع مراعاة شرطين :
الشرط الأول : أن يقضي التكييف القانوني للجريمة المراد إنجاز الصلح بصددها إلى جنحة معاقب عليها بالحبس سنتين آو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.[15]
الشرط الثاني : أن يتم تقديم طلب من أحد الطرفين المتضرر أو المشتكى به إلى وكيل الملك يتعلق بتضمين الصلح الحاصل بينهما داخل محضر قبل إقامة الدعوى العمومية، وبصرف النظر عن الإشكالية التي سيطرحها هذا الشرط في الواقع العملي فانه لا يمنع الطرفين من إبرام الصلح والدعوى العمومية رائجة أمام المحكمة مادام من حق المشتكى تقديم تنازل عن شكاية لنيابة العامة التي تقدم ملتمسا في هذا الموضوع يؤدي إلى وقف سير إجراءات الدعوى العمومية .
الواقع العملي فإنه لا يمنع الطرفين من إبرام الصلح والدعوى العمومية رائجة أمام المحكمة مادام من حق المشتكي تقديم تنازل عن شكايته لنيابة العامة التي تقدم ملتمسا في هذا الموضوع يؤدي إلى وقف سير إجراءات الدعوى العمومية ما لم تكن المحكمة قد بثت فيها بحكم نهائي.[16] وإن لم تكن قد أشارت إليه هذه المادة 372 من ق.م.ج بصراحة كوسيلة لأنها الدعوى العمومية.
ويفهم من نص الفصل 41 من ق. م.ج. أن التراضي والاتفاق على الصلح بين المشتكي والمشتكى به يظل دون أثر قانوني ما لم يقدم أحد الطرفين أو هما معا طلبا إلى وكيل الملك بتضمين هذا الصلح في محضر، وهذا يعني أن اتفاقهما لا يصبح نهائيا إلا بعد موافقة وكيل الملك مع عدم تراجع أحد الطرفين أو هما معا عن هذا الصلح، وعلى هذا الأساس فإن اتفاق الطرفين على الصلح لا يعتبر نهائيا بل يظل مرهونا بموافقة وكيل الملك على محضر الصلح.
وانطلاقا من نص المادة 41 من ق.م.ج يفهم أن عرض اتفاق الصلح على وكيل الملك لتحريره في محضر يحتمل فرضيتين :
الفرضية الأولى : وهي عدم الموافقة على  الصلح أي رفضه ، وهذه الفرضية مستبعدة في ظل حضور شروط الاتفاق على الصلح وسبب مزايا الأخير في التخفيف من العبء الذي يتحمله جهاز النيابة العامة، وفي تحقيق السرعة في حل النزاعات عبر اشتراك الأطراف في إيجاد الحلول المناسبة لها.
الفرضية الثانية : وهي عدم  التراجع عن الصلح : وفي هذه الحالة وفي غياب تراجع أحد الطرفين أو هما معا  عن اتفاق الصلح، يحرر وكيل الملك بحضورهما وحضور دفاعهما محضرا يتضمن ما اتفقا عليه، ولا نرى هنا ضرورة في الحضور الشخصي للمشتكي والمشتكى به ويكفي في حضور دفاعهما، بمقتضى توكيل خاص بإجراء الصلح.
ومن جهة أخرى اقتضى قانون المسطرة الجنائية الجديد أن يكون وكيل الملك هو صاحب المبادرة في إجراء الصلح عبر اقتراحه على المشتكى به ولم يضع المشرع هذه المبادرة في صيغة الوجوب بل تركها خاضعة لاجتهاده المطلق وقيدها في حالتين :
* الحالة الأولى : عدم حضور المتضرر أمام وكيل الملك ووجود تنازل مكتوب صادر عنه ضمن وثائق الملف.
* الحالة الثانية : حالة عدم وجود مشتكي.
هنا لوكيل الملك الحق في إجراء الصلح مع المتهم يتضمن أداء نصف الحد الأدنى للعقوبة أو إصلاح الأضرار الناجمة عن أفعال وحالة موافقة المتهم يتم تضمين شروط الصلح في محضر قانوني.
وسواء تعلق الأمر بمحضر الصلح الذي يطلبه أحد الطرفين أو يكون وكيل الملك هو صاحب المبادرة في اقتراحه الصلح، فإن صحة هذا المحضر من الناحية الشكلية يجب أن تتضمن إشعار وكيل الملك للطرفين أو لدفاعهما بتاريخ جلسة غرفة المشورة. وأن يحمل توقيع المتضرر والمشتكى به إلى جانب توقيع وكيل الملك في حالة الصلح الذي يطلبه الطرفين من وكيل الملك تضمينه في محضر، وأن يتضمن محضر نفس الأشعار للمشتكى به أو المشتبه فيه أو لدفاعه، وأن يحمل توقيع المشتكي به أو المشتبه فيه إلى جانب توقيع وكيل الملك في حالة الصلح المقترح من طرف هذا الأخير.
غير انه يظل دور المحكمة في صفة رئيسها هو أهم دور داخل مسطرة الصلح.
ج- التصديق على الصلح من طرف رئيس المحكمة الابتدائية
تعتبر مرحلة مهمة في مسطرة الصلح، وفيها يتخذ صبغته النهائية ويكتسب صحيته وقوة نفاذه، فعند ما ينتهي وكيل الملك من تحرير محضر الصلح، يأمر بإحالته على رئيس المحكمة الابتدائية للمصادقة عليه بغرفة المشورة، وتعقد هذه الغرفة جلساتها برئاسة رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين ودفاعهما، أو حضور طرف واحد عندما يتعلق الأمر بالاستناد الوارد بالفقرة الثامنة من المادة 41 من ق.م.ج، والملاحظ هنا عدم النص على حضور كتابة الضبط أثناء انعقاد جلسات غرفة المشورة، والأمر هنا ربما يكون مجرد إغفال لأنه لابد لكل جلسة من كاتب للضبط لتدوين ما راج من مناقشات بالجلسة وتسجيل حضور الأطراف ودفاعهم،وتنتهي مرحلة التصديق على الصلح بصدور أمر قضائي عن رئيس المحكمة الابتدائية بصفته رئيس لغرفة المشورة بالمصادقة على محضر الصلح المحرر من طرف وكيل الملك الأمر القضائي نهائي وغير قابل لأي طعن كيفما كان نوعه.[17]
وهذا ما يبرر لنا أن الصلح له عدة آثار في مراحله المختلفة،أهما الآثار المترتبة على السير العادي للدعوى العمومية.
المطلب الثاني : آثار الصلح القانونية
هناك عدة آثار تترتب على الصلح، سواء بالنسبة للمتهم أو للمتضرر(الفقرة الأولى)، لكن تظل أهم الآثار هي تلك المترتبة على الدعوى العموميةوالدعوى المدنية(الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : آثار الصلح بالنسبة للمتهم والمتضرر
الصلح يخلف عدة آثار بالنسبة للمتهم(أولا) وللمتضرر(ثانيا) على حد سواء.
أولا : بالنسبة للمتهم
يحقق الصلح للمتهم مجموعة من المنافع :
1- انقضاء الدعوى العمومية.
2- وقف السير في إجراءات التقاضي وإلغاء ما يترتب على ذلك من آثار بما في ذلك العقوبة الجنائية المقضي بها عليه.
3- عدم قيد واقعة التهرب محل التصالح سابقة في صحيفة الجنائية بعد أن قضى لانقضاء الدعوى الجنائية.
إلا أن الصلح في المواد الجنائية يحرم المتهم من الضمانات القضائية والحقوق التي يمنحها القانون.[18]
ومؤدى ذلك وفقا لمبدأ قضائية العقوبة ألا توقع عقوبة على متهم إلا من خلال السلطة القضائية، حيث يحاط المتهم بضمانات المحكمة المنصفة، احترام حقوق الدفاع ومبدأ الأصل هو البراءة، كما أن الصلح الجنائي يحول دون تطبيق قواعد التفريد العقابي.[19]
ويذهب جانب من الفقه ردا على هذه الحجة بأن الصلح ينشأ بإرادة المتهم الحرة ومن ثم يمكن للمتهم وحده تقدير مصلحته فيرفض الصلح إن كان في الرفض مصلحته،[20]وهذا ما ثم تأكيده حتى في التشريع المغربي من خلال المادة 41 من ق.م.ج بأن الصلح الأطراف هم الذين يتحكمون فيه أكثر من السلطة القضائية نفسها.[21] مع ملاحظة من هذا الجانب الصريح أو الضمني الذي يحويه الصلح، ويجعل المتهم في غنى  عن الضمانات، فالمتهم يتخلى عن تلك الضمانات طواعية واختيارية.
ولا ريب أن الضمانات القضائية والقانونية وحق المتهم في المحاكمة العادلة تشتغل مكانة سامية داخل المجتمع الديمقراطي، ليس في الجرائم الجنائية فقط، بل وأيضا في حالة التنازل عن الحق المجرد من كل إكراه وضغط، على اعتبار أن المادة 41 من ق.م.ج توجب عرض التصالح على المتهم، والمقصود بذلك تنبيه المتهم إلى حقه في التصالح، وبقبول التصالح تنقضي الدعوى الجنائية التي ارتكبها بدل السير في إجراءات الدعوى واحتمال الحكم عليه بالعقوبة، تؤكد المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان دوما على أن الصلح الجنائي لا يخل بالضمانات القانونية والقضائية، فالصلح على ذلك لا يعتبر تخلصا من الإجراءات القضائية إنما هو تجنب القضية الجنائية بالأدق، والأصل كما سبق ذكره، أن إجراءات الصلح أنها  إجراءات هي معالجة خارج النطاق القضائي، ومن ثم ينحسر الاختصاص القضائي عن الواقعة، وتصبح قرينة البراءة ذات قيمة محدودة بموجب الموافقة على الصلح وبالإجمال فالصلح أسلوب لإدارة الدعوى الجنائية خارج نطاق المبادئ المستقرة في القانون الجنائي.



ثانيا : بالنسبة للمتضرر
يضمن الصلح تعويضا فعالا للمجني عليه أو المتضرر سواء كان المجني عليه شخصا طبيعيا أو معنويا، فالصلح يعد الضمان لتعويض المجني عليهم،[22] ويلاحظ أن مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومات كانت تغفل الاهتمام بالمجني عليه بيد أنها في السنوات الأخيرة بدأت في اقتراح القوانين التي تهدف إلى تعويض المجني عليه بأسلوب ميسر ومن ذلك ما نصت عليه المادة 41 من قانون الإجراءات الفرنسي، والمتعلق بالوساطة الجنائية ومن ثم فلابد أن يكون للمجني عليه، دور فعال في القضية الجنائية لأن القضاء الجنائي لا يعوض كل الأضرار التي تخلفها الجريمة، على عكس الصلح الجنائي فقد يتعذر الحصول على التعويض حتى في حالة الإدانة، إذا صادف ذلك إعسار المحكوم عليه فالصلح، الجنائي جعل النظرة متفائلة للقانون الجنائي بهذا الخصوص.
وقد صدرت قوانين كثيرة تهدف إلى تعويض المجني عليه في جرائم العنف والسرقة البسيطة، وكذلك في جرائم الإتلاف ومنها القوانين التي أصدرتها بعض من الولايات المتحدة الأمريكية وما أصدرته حكومة نيوزلندا عام 1964 وقد أنشأت إنجلترا مجلس لتعويض المجني عليه في جرائم العنف منذ عام 1961، ولن يتخلى النظام الجنائي عن مبدأ الردع لمكافحة الجريمة، من خلال الحكم القضائي والعقاب وكان الصلح الجنائي من الأساليب المهجورة وفق النظام التقليدي والذي يستند إلى تحريك الدعوى الجنائية لتوقيع العقاب وردع الجاني بيد أن السياسة الجنائية المعاصرة، اتجهت نحو مبدأ "تسيس الجاني" وتعد وظيفة العقد بأسره والصلح في المواد الجنائية يؤدي على البحث في حق الدولة في العقاب وفلسفة العقد الاجتماعي وحقوق المجني عليه، ولا ننكر الثورة التشريعية في التشريعات المعاصرة من أجل فعالية الدعوى المدنية في القضية   الجنائية مما يكفل للمجني عليه الحصول على حقوقه بيد أن الصلح الجنائي يمكن المجني عليه من التعويض من خلال العقوبة المالية بصورة أيسر وأسرع.[23]
والصلح يحقق للمجني عليه التعويض المناسب والسريع من خلال اللقاء بين المجني عليه والجاني حيث يتم تحديد التعويض على قد مسؤولية الجاني، أما الوساطة الجنائية التي يعمل بها في التشريع الفرنسي فهي تهدف في المقام الأول إلى حماية المجني عليه وتعويضه عن الأضرار ووضع حد للمتاعب التي خلفتها الجريمة، على اعتبار أن الوساطة في الأصل هي تعويضية2.
هكذا فالسياسات الجنائية المعاصرة، أصبحت تقيم توازنا بين حق الدولة في العقاب مع حق المجني عليه في التعويض، لذلك لجأت جل التشريعات إلى تقنين مؤسسة الصلح الجنائي، وقد أقر القضاء الفرنسي مبدأ التعويض في الجرائم الاقتصادية والمالية حيث قضى بأن عرض التصالح عن الإدارة المعنية لابد وأن يضع في اعتباره تعويض المجني عليه.
الفقرة الثانية : آثار الصلح على الدعوى العمومية
سبقت الإشارة إلى أن مسطرة الصلح تعتبر حلا وسطا بين قراري الحفظ والمتابعة، لأنه إذا توفر سبب من أسباب الحفظ يكون من المفيد بالنسبة للنيابة العامة اتخاذ قرار الحفظ لأنه أيسر الطرق (ناولا).
غير أن الصلح يكون له الأثر الأكبر عندما يؤدي إلى إسقاطها.[24]لكن هل لذلك ثاثير على الدعوى المدنية( ثانيا).
أولا : سقوط الدعوى العمومية من خلال الصلح
نطرح سؤالا مهم في البداية يتعلق ب : هل يعد الصلح المنصوص عليه في المادة 41 من ق.م.ج مسقطا للمتابعة الزجرية؟
والحقيقة أن الجواب ليس إيجابيا على إطلاقه، كما ليس سلبيا على إطلاقه أيضا وإنما هناك شروطا تحد من كون الصلح المنصوص عليه في المادة 41 منهيا للخصومة الجنائية من غير شرط أو قيد، ونعتقد أن هذه خاصية تسبغ كافة أو معظم مسقطات المتابعة الزجرية ذلك أنه إذا كان التقادم مثلا- يسقط الدعوى العمومية بشرط عدم انقطاع أمد أثناء السريان فهل يكون الصلح المبين في المادة 41 من ق.م.ج منهيا هو الآخر للمتابعة الزجرية بشروط حددها المشرع؟
بالنسبة للفقه الفرنسي نجد البعض قد كتب صراحة أن تنفيذ الصلح بالمعنى المقصود من المادة 41 من ق.م.ج "ينهي الدعوى العمومية حسب الفقيه "Larguer"لكن ما مصداقية هذا الرأي إذا أسقطناه على الوضع بالنسبة للقانون المغربي؟
لقد نصت الفقرة 8 من المادة 41 من ق.م.ج على ما يلي : "توقف مسطرة الصلح والأمر الذي يتخذه رئيس المحكمة أو من ينوب عنه، في الحالتين المشار إليهما في هذه المادة إقامة الدعوى العمومية ويمكن لوكيل الملك إقامتها في حالة عدم المصادقة على محضر الصلح أو في حالة تنفيذ الالتزامات التي صادق عليها رئيس المحكمة أو من ينوب عنه داخل الأجل المحدد أو إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية ما لم تكن هذه الأخيرة قد تقادمت".
إن الصلح في هذا السياق ينهي ويسقط الخصومة الجنائية بثلاث شروط، أولهما أن يصادق عليه رئيس المحكمة وثانيها أن يتم تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وثالثا ألا تظهر عناصر جديدة تعطي تطورات جديدة للنازلة.[25]
وقد تساءل الدكتور" فريد السموني" بمزية من الوجاهة والأهمية الملحوظة عما إذا كان الأمر يتعلق في إطار الفقرة 8 المادة 41 من ق.م.ج بتوقف التقادم أم بانقضاء الدعوى العمومية ؟ والجواب على هذا سؤال من هذا القبيل ينصرف إلى التسليم بانقضاء المتابعة الزجرية والدعوى العمومية) بالشروط السابقة مع التركيز عمليا على شرط تنفيذ الالتزامات.
مادام الصلح لا يعتد به إلا بعد المصادقة عليه من طرف رئيس المحكمة وتنفيذه من طرف الأطراف وذلك بحكم أنه قلما تظهر عناصر جديدة تفرغ الصلح من فحواه، أما وقف تقادم الدعوى الزجرية  فهو أمر مستبعد ولا يعد أن يكون ترسبا لسوء صياغة الفقرة 8 من المادة 41 من ق.م.ج ذلك لاعتبار لكون الأمر يتعلق بتوقف إثارة المتابعة الزجرية داخل أجل خمس سنوات (مدة التقادم الجنحي) خاصة وأن الفقرة 8 المذكورة اختتمت بعبارة "ما لم تكن (الدعوى العمومية) قد تقادمت"،ثم أنه يصعب التسليم بأن الأمر الذي يتخذه رئيس المحكمة بالمصادقة على محضر الصلح يوقف التقادم فهذا سيجعل العدالة التصالحية ضربا من ضروب الخيال أو مسألة جوفاء فاقدة لمدلولها وبعدها القانوني والاجتماعي، بحيث أن الشخص الذي تصالح سيظل رحمة المشتكي (المتضرر) خاصة إذا كانت بحوزته عناصر جديدة يظل يتسلح بها في تهديد غريمه مهما طال الزمن وهذا ما لا يقبله المنطق القانوني.[26]
من خلال ما سبق فإن ما يمكن قوله حول الصلح المنصوص عليها في المادة 41 من ق.م.ج هو أنه سبب من نوع خاص ضمن الأسباب المنهية للدعوى العمومية ذلك أننا نكاد لا نجد عمليا حالة من الحالات التي تظهر فيها عناصر جديدة تضفي على النازلة تطورا يجعلها موضوع متابعة الزجرية ولربما وضع المشرع هذا الشرط من باب الاحتراز، وتحسبا لبعض الحالات الخاصة التي تكون خطورتها محل اعتبار، أو لعله كان وسيلة في منع المتهم من معاودة اعتداء على المتضرر.
ثانيا : آثار الصلح على الدعوى المدنية
إن الصلح يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريقة الإدعاء المباشر ولا يكون لذلك تأثير على الدعوى المدنية.[27]
وبناء على ذلك فإنه إذا كان للصلح صحة بالنسبة للدعوى الجنائية، يترتب عن ذلك انقضائها إلا أنه ليس له الأثر بالنسبة للدعوى المدنية سواء كانت منظورة معها بطريقة التبعية أو منظورة أمام القضاء المدني وللمضرور الحق في المطالبة بحقوقه الناشئة عن الجريمة ويرجع ذلك إلى :
أ- الصلح يعتبر أثره على طرفيه والمضرور لم يكن طرفا في هذا الصلح ومن ثم لا يلزمه ولا يسقط حقه في التعويض ويكون له أن يلجأ على القضاء لاقتضائه.
ب- كما أن من المقرر أن الدعوى المدنية الناشئة من الجريمة لا تتأثر بأسباب الانقضاء التي تطرأ على الدعوى الجنائية.
ولكن لا يسري هذا الحكم إلا إذا كانت الدعوى المدنية مرفوعة مع الدعوى الجنائية حيث إذا انقضت الدعوى الجنائية بعد رفعها لسبب من الأسباب الخاصة بها فلا تأثير لذلك في الدعوى المدنية المرفوعة معها أما إذا لم تكن الدعوى المدنية لم ترفع فإن انقضاء الدعوى الجنائية يحول دون تطبيق قاعدة التبعية.
ولا يكون أمام المضرور سوى اللجوء إلى الطريق المدني، وعدم استمرار الدعوى الجنائية وانقضائها بسبب الصلح لا يؤثر على استكمال الدعوى المدنية في مجراها الطبيعي والدعوى المدنية التي تختص المحاكم الجنائية بها ويشترط فيها عدة شروط بالسبب والموضوع، فسبب الدعوى هو الضرر الناشئ عن الجريمة أما موضوعها فهو التعويض عن الضرر الناتج عن الجريمة، يضاف إلى ذلك شرط الخصوم وهما هنا المدعى بالحق المدني والمدعى عليه(المتهم).
هذا وإضافة إلى ما سبق  فإن نصوص كثيرة قد نصت على إمكانية الصلح بين الخصوم ووضع حد للدعوى العمومية[28] وذلك في بعض الحالات التي يكون فيها المتضرر إدارة من الإدارات المتخصصة وليس فردا عاديا، مثل المندوبية السامية للمياه والغابات بحيث نجد الفصل 74 من ظهير 17/10/1917 ينص على أنه "يجوز أن تجرى المصالحات في الجنح والمخالفات الواردة والمعاقب عليها بهذا الظهير" وكذلك إدارة احتكار التبغ في المغرب، بحيث نص الفصل 89 من ظهير 22/11/1932 المتعلق بنظام أنواع التبغ بالمغرب[29] على أنه يحق لشركة الدخان أن تجري مصالحة إما قبل صدور الحكم أو بعده فيما يرجع إلى التقريرات المتعلقة بالمخالفات (ظهيرنا الشريف هذا...) وقد تم إلغاء الظهير السابق وتم تعويضه بظهير 24/03/2003[30] الذي اكتفى بالإحالة في المادة 26 منه على مدونة الجمارك فيما يتعلق ببعض المخالفات وعقوباتها. وقد أوردت هذه المدونة ذاتها الصلح في القسم السادس من الباب الثاني من الجزء التاسع المعنون –أي القسم السادس) ب" سقوط حقوق المتابعة والزجر. ونظمالصلح بمقتضى المواد من 273 إلى 277، بحيث نصت المادة 273 في فقرتها الثانية على أنه "إذا وقع الصلح وصار نهائيا قبل الحكم النهائي ترتب عليه بالنسبة للأطراف المتعاقدة انقضاء دعوى النيابة العامة ودعوى الإدارة" وهو نفس النص تقريبا الذي ينص عليه الفصل 57 من ظهير المحافظة على المباني التاريخية، والتحف الفنية (11/06/1980) الذي جاء فيه "تسقط المصالحة المبرمة بدون تحفظ دعوى النيابة العامة ودعوى الإدارة على السواء".[31]
وهناك كذلك مجموعة من النصوص التي تنظم نفس المقتضيات ومنها :
* المادة 22 مكرر من ظهير 21/07/1923 المتعلق بالصيد البري.
* المادة 33 من ظهير 11/04/1926 المنظم لصيد السمك في المياه الداخلية.
* المادة 53 من ظهير 23/11/1973 المتعلق بالصيد البحري.
لنتساءل هل هناك بالفعل خصوصيات لهذه المؤسسة "الصلح" في هذه المجالات بالمقارنة مع الصلح في باقي المخالفات والجنح.وما هو دور الإدارة فيه؟

المبحث الثاني : الصلح في التشريعات الجنائية الخاصة

إن من أهم التحرزات التي يجب أن تحاط بها الممارسة الإدارية للصلح، هو ضرورة تأطيرها وتقنينها وهذا ما حاول المشرع المغربي فعله خاصة أن الأمر كان يتطلب :
* ضرورة تدخل المشرع لتقنين أحكام الصلح الجنائي وذلك بوضع قواعد قانونية تتناسب مع خصوصيات هذه المؤسسة "إطارا تضبط الصلح الجنائي في جميع المجالات التي أجازت التصالح، وذلك لكي يتفادى المشرع وجود أحكام متناقضة وممارسات تصالحية متباينة فبي تأطيرنا للصلح سيتم تفادي أهم الانتقادات الموجهة لها والنابعة أساسا من طابعها السري وما ينتج عنه من عدم مساواة الأفراد أمام القواعد الزجرية إذ أن اكتفاء المشرع بالإشارة إلى إمكانية إبرام الصلح في بعض المجالات وترك السلطة للإدارة المعنية في قبول أو رفض إبرام الصلح تبعا لسلطتها التقديرية أو تبعا "لنزوتها" وعدم تأطيرها بمعايير موضوعية، مضبوطة سيجعل الصلح الجنائي سلاحا بيد الإدارة تستعمله متى شاءت وتفتح الباب على مصراعيه للمساومة والمحسوبية "فيصبح جهاز العدالة مسرحا للمتاجرة".[32]
كما يتسم الوضع الحالي لممارسة الصلح بعدم تدوين وإشهار هاته الممارسات الشيء الذي يعطي الامتياز لمتصالح دون الآخر، وقد أوضح بعض الفقه الفرنسي[33] "بأن اللامساواة بين المتصالحين تبرز من خلال التحكم في عاملين :
- الحنكة في التعامل مع الإدارة المعنية بإبرام الصلح.
- الدراية بالإطار القانوني - النصوص- والتطبيقات الإدارية التقنية لهاته النصوص (الأعراف والاجتهادات الإدارية).
فالمتحكم في هذين العاملين (خاصة الشركات الضخمة المعامل الصناعية الكبرى...) سيكون في وضعية أفضل أثناء إبرام الصلح من الشخص العادي الذي وجد نفسه في وضعية مخالفة للقوانين الزجرية التي أجازت الصلح".[34]
فكل هاته الانتقادات لا يمكن توجيهها إلى مؤسسة الصلح الجنائي في حد ذاتها وإنما إلى ضعف التقنين التشريعي لهاته المؤسسة والذي يصل إلى حد مجرد الإشارة إلى جواز إبرام الصلح، في بعض المجالات دون أن يعمل على تأطيرها وتقنينها بنصوص واضحة وصريحة وهكذا ومن خلال إطلاعنا على الممارسات الإدارية التصالحية نلاحظ بالإضافة إلى ضعف التقنين هناك ضعف تدخل القضاء لإقرار نوع من التوازن في العلاقة بين الإدارة والمتصالح والذي يصل إلى حد العدم، فمسطرة الصلح تجري خارج قصر العدالة وبعيدا عن رقابة القضاء حيث تتم بين الإدارة والمتهم داخل مكاتب مغلقة ووفق مساطر غير معلنة، وتتم الرقابة القضائية عبر تخويل القضاء سلطة النظر في الطعون المقدمة ضد هاته الممارسة، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك وهو اشتراط الرقابة القضائية المسبقة على بنود الصلح.
المطلب الأول : موضوع الصلح الجنائي
اكتفى المشرع الجنائي المغربي في مدونة القانون الجنائي[35] والمسطرة الجنائية[36] بالنص على جواز إبرام الصلح "إذا كان القانون ينص صراحة على ذلك بوجه صريح" وترك لمن يريد معرفة المجالات التي يجد فيها الصلح تطبيقاته عناء ومشقة البحث عن النصوص والتشريعات الخاصة التي حددت الجرائم الجائز التصالح بشأنها.

وهذا ما دفع البعض إلى القول "بعدم إمكان إبرام الصلح بشأن إحدى الجرائم المنصوص عليها في التقنين الجنائي نفسه،[37]وتكمن صعوبة البحث وحصر مجال الصلح في تفرقة النصوص التي أجازت الصلح، ووجوده في صلب تشريعات جنائية خاصة تنظم مجالات متنوعة ومتفرقة، وتحكمها قوانين ومراسيم وقرارات ذات طابع تقني،وإذا كان المشرع قد اشترط لجواز الصلح في جرائم معينة ضرورة نص القانون على ذلك بوجه صريح انسجاما مع الطابع الاستثنائي للصلح الجنائي، فإن هذا يجعلنا نتساءل عن قصد المشرع- في القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية- من عبارة "ينص على ذلك بوجه صريح" هل المقصود منها ذكر مصطلح "مصالحة المذكور في قانون المسطرة الجنائية أو مصطلح "صلح" الوارد في القانون الجنائي- أم يكفي أن تتوفر مجموعة من العناصر الموضوعية للقول بأننا أمام ما يسمى بالصلح الجنائي.
إن القول بضرورة ذكر مصطلح صلح لا يستقيم مع المنطق القانوني إذ أننا أمام مؤسسة "قانونية" لها خصائصها ومميزاتها ويجب تحديدها انطلاقا من استجلاء هذه الخصائص خاصة وأن النصوص الجنائية المغربية التي أجازت الصلح قد تم وضعها في الأصل باللغة الفرنسية وترجتها إلى اللغة العربية قد تشوبها عدة نواقص، فمثلا بخصوص التشريع المتعلق بتنظيم الأثمان ومراقبتها،[38] نجد النص الفرنسي في الفصل 19 يستعمل المصطلح  " transaction" بينما نجد المشرع قد استعمل في النص العربي مصطلح "تراضي" وشتان بين مصطلحين وكان من المعروف أنه يعني مصالحة أو صلح.[39]

إذن لا يجب التوقف عند منطوق النص فقط لتحديد ما يعتبر صلح جنائي بل يجب الاعتماد على عناصر موضوعية لمعرفة ما إذا كان من الممكن تصنيف ممارسة إدارية ما ضمن نطاق الصلح الجنائي أم لا،وهذا ما عمد إليه كوس- بخصوص الصلح الجنائي في التشريع الفرنسي حيث ذهب إلى انه لتصنيف مسطرة إدارية زجرية ضمن الممارسة التصالحية للإدارة يكفي الإجابة على الأسئلة التالية :
* هل تهدف المسطرة إلى إنهاء النزاع وإيقاف المسطرة الزجرية وما يترتب عنها من مضايقات وآثار ؟
فإننا حاولنا تحديد هاته العناصر الموضوعية للاحتكام إليها في حالة وقوع التباس في تصنيف ممارسة إدارية زجرية، هل تدخل ضمن خانة الصلح الجنائي أم لا،وتجدر الملاحظة إلى أن السمة التي سنحاول معالجتها في هذا المطلب هو السمة التجمعية في محاولة منا لجمع النصوص التي تطرقت للصلح الجنائي سعيا لتحديد الذي يجد فيه الصلح الجنائي تطبيقاته، على أن نعمل في باقي هذا البحث تحليل الصلح في الجرائم المتعلق بالصيد البحري وسنبرز التطبيقات الإدارية لها.
الفقرة الأولى : الصلح الجنائي في القضايا المالية
توجد هناك بعض النصوص الجنائية الخاصة والتي أجازت الصلح وقد وسعت من مدى وقوة الصلح الجنائي في بعض المجالات خاصة منها تلك التي تمس الجانب المالي، وتلك المتعلقة بالحفاظ على البيئة إضافة إلى مجالات أخرى مختلفة، وهذا التوسيع نابع أساسا من اعتقاد المشرع بكون هاته التصرفات لا تثير الشعور العام ولا تحدث اضطرابا اجتماعيا، وبكونها تمس المصالح المالية للخزينة فقط، ولهذا فقد أجاز المشرع بشأنها الصلح لكنها تطرح عدة إشكالات بهذا الخصوص.
هل تتضمن رضا وتنازلا متبادلا من جانب الإدارة والظنين وكذا امتيازات لكلا الطرفين ؟هل يمكن اعتبارها كجزاء إداري ؟[40]
ومن خلال اطلاعنا على النصوص الجنائية الخاصة المغربية التي أجازت الصلح اعتمادا على ما جاء في رأي الأستاذ كوس المشار إليه أعلاه وفي غياب أي موقف سواء من المشرع أو القضاء المغربيين نخلص إلى أنه للقول بوجود مصالحة جنائية بهذه المجالات يكفي أن تتوفر في هذه المجالات   العناصر التالية :
- وجود شخص معنوي عام كطرف في العلاقة التصالحية- البعد الإداري.
- رضا الظنين بالخضوع لهاته المسطرة – البعد التعاقدي الرضائي.
- إنهاء أو توقف المسطرة الزجرية المترتبة عن الجريمة موضوع الصلح[41] "البعد الزجري".
والعلة التي دفعتنا لطرح هاته العناصر قبل العمل على تحديد موضوع الصلح راجع بالأساس إلى تفرق النصوص التي أجازت الصلح في صلب تشريعات خاصة وإغفال المشرع في بعض الحالات إطلاق وصف "الصلح الجنائي" على بعض الحالات لذا قبل إثارة الدعوى العمومية أو بعد إثارة الدعوى العمومية وقبل صدور حكم نهائي في النازلة أو حتى بعد صدور حكم قضائي حائز على قوة الشيء المقضي به.[42]لهذا سنتعرف على الصلح في احد أهم المجالات المالية.





أولا : القضايا الجمركية
أ- دور الإدارة في إبرام الصلح في القضايا الجمركية
خصصت مدونة الجمارك لصلح الفصول 273[43] إلى 277. وهذا الصلح المسقط للدعوى العمومية مخول للإدارة الجمارك وبعض الإدارات الأخرى التي أناط بها القانون القيام بهذا الصلح لضمان حقوق الدولة المالية أو الاقتصادية، فهو يقتصر أثره على الأشخاص الذين وقع معهم هذا الصلح وعلى الفعل المخالف دون أن يمتد أثره على أشخاص لا علاقة لهم بهذه الأفعال ولا يمتد أثره إلى جرائم أخرى، ولا يقتصر أثر الصلح على سقوط الدعوى العمومية بل يمتد إلى سقوط دعوى إدارة الجمارك، والصلح الذي بمقتضاه تضع إدارة الجمارك والمتهم حدا للنزاعات والمتعلقة بفعل مخالف للقوانين والتنظيمات الجمركية، وفق شروط يقع الاتفاق عليها بينهما، حيث تتنازل إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة مقابل قيام المتهم بدفع مبلغ مادي في حدود الغرامات المتفق عليها.
وإذا كان المشرع المغربي، قد اقتبس هذه الأحكام، من المشرع الفرنسي، إلا أنه لم يساير التعديلات التي قام بها على مدونة الجمارك الفرنسية، بحيث أصبح الصلح الجمركي بفرنسا، منظم بالقانون رقم 1453-77 الصادر بتاريخ 29 دجنبر 1977- والتي تتمثل أساسا في "قصر إبرام صلح جمركيي في مرحلة ما قبل إثارة الدعوى العمومية وتحريكها بعد النطق بالحكم النهائي أما بعد تحريك الدعوى العمومية وقبل صدور حكم نهائي فلا يجوز إبرام صلح إلا بعد موافقة السلطة القضائية وبعد صدور حكم نهائي فهو غير جائز مطلقا".[44]ولم يقف التعديل الذي جاء به المشرع الجمركي الفرنسي عند هذا الحد بل استعاض عن الصلح بعد الحكم النهائي-والذي تعرض لعدة انتقادات أهمها المساس بقوة الأحكام القضائية- بتقنية أخرى يؤدي إلى نفس الغاية أطلق عليها اسم "Remisjudiciare " والتي أعطى المشرع الجمركي الفرنسي من خلالها لإدارة الجمارك إمكانية توجيه طلب إلى المحكمة التي أصدرت الحكم من أجل إنقاص الجزاءات المالية الصادرة ضد المحكوم عليه إما كليا أو جزئيا ويشترط فيه ضرورة موافقة رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم.
ويختلف عن الصلح بعد النطق بحكم نهائي في كونه :
* تصرفا فرديا لا يقوم على توافق إرادتين.
* يشترط فيه ضرورة موافقة السلطة القضائية عكس الصلح.
* محله أضيق من محل الصلح إذ لا ينصب إلا على الجزاءات الجبائية عكس الصلح الذي ينصب على الغرامات الجنائية والجزاءات الحبسية، لذا فيمكن اعتباره كتظلم استعطافي في شروطه.[45]
أما المشرع المغربي لازال يعطي ويمنح حق الصلح حتى بعد الحكم ويخول للإدارة السلطة التقديرية خاصة لمديره أو من ينوب عليه. طبقا للفصل 273 فقرة 1 إلا أنه "إذا وقع بعد حكم نهائي فانه لا يسقط عقوبة الحبس والتدبير الوقائي الشخصي المنصوص عليه في الفقرة 1 من الفصل 220 من مدونة الجمارك" 1ويتم الصلح بشكل عقد يسمى" عقد مصالحة "Acte de transaction "  ملزما لطرفيه المتهم ومن يفوض له القانون من أعوان إدارة الجمارك الحق في إبرام هذا الصلح وقد أورد الفصل 274 من مدونة الجمارك أنه "لا تصبح المصالحة نهائية إلا بعد المصادقة عليها من طرف الوزير المكلف بالمالية، أو من طرف مدير الإدارة وبالتالي المشرع أرجع الاختصاص لمدير إدارة الجمارك ووزير المالية، وقد جرت الممارسة الإدارية على إسناد الاختصاص إلى مدير إدارة الجمارك والمديرين الإقليميين أو نوابهم والآمرون بالصرف كل في حدود اختصاصه، وبصفة استثنائية فإن الوزير المكلف بالمالية هو المختص بذلك، ويمكن أن يفوض لبعض الموظفين القيام بذلك.
وقد كانت حدود اختصاص هاته الجهات منظمة بمقتضى المرسوم رقم 2-59-1761 الصادر بتاريخ 8 يناير 1960.[46]
حيث نص في الفصل الأول منه يمارس مدير إدارة الجمارك حق التصالح بخصوص الجمارك المتعلقة بالجمارك والضرائب غير المباشرة في الحالات التالية :
* الجرائم المثبتة في حق المسافرين والتي لم تكن موضوع أية متابعة قضائية.
* الجرائم المعاقب عليها بغرامة كعقوبة أصلية.
* جميع الجرائم الأخرى التي لا تتعدى قيمتها 2 مليون فرنك أو في حالة عدم وجود نص قانوني مخالف حينما تكون قيمة البضائع المهربة دون احتساب قيمة وسائل النقل المستعملة في التهريب لا تتجاوز 2 مليون فرنك.
وأضاف الفصل الثاني : "ويكون وزير المالية هو المختص في جميع الحالات الأخرى".[47]
أما حاليا فإن حدود هاته الاختصاصات محددة بمقتضى دليل المصالحات، على أساس قيمة الأشياء المحجوزة التي ثم ضبطها، وتفاديا لكل تدخل بين الاختصاصات، وتفاديا لارتفاع أسعار البضائع وانخفاضها تحدد قيمة البضائع موضوع المخالفة وقف الحجز ومكانه.
وبالرجوع إلى النماذج المهيأة من طرف إدارة الجمارك يتضح أنها تثير إلى الوقائع المتصالح بشأنها، والمبلغ المالي الذي سيؤديه مرتكب الجنحة أو المخالفة في إطار التصالح، كما يتضمن نفس عقد الصلح رقم وتاريخ القرار الذي وافق على هذا الصلح، فإذا وافق المتهم أو وكيله القانوني على أداء الغرامة المفروضة على مرتكبي الجنح والمخالفات الجمركية الواردة في جدول الصلح المقدمة من طرف مدير الإدارة أبرم العقد بين المتهم أو وكيله القانوني على أداء الغرامة المفروضة على مرتكبي الجنح والمخالفات الجمركية والواردة في جدول المصالحة المعد من طرف مدير الإدارة أبرم العقد بين المتهم أو وكيله القانوني وبين الآمر بالصرف المختص محليا لإبرامه، ورتب جميع آثاره القانونية بعد المصادقة عليه من طرف المقاطعة الذي ينوب عن مدير الإدارة عمليا في هذه المصادقة.
أما إذا عبر المتهم أو وكيله القانوني عن عدم قدرته على أداء الغرامة الواردة في الجدول[48] المصالحة يقترح كبديل عرضا بمثابة إيجاب يتم عرضه من طرف الأمر بالصرف على مدير الإدارة قصد قبوله أو رفضه في إطار السلطة التقديرية التي تملكها الإدارة وتتوزع السلطات في مجال المصالحة بين المدير العام والمدير الجهوي، هؤلاء مؤهلون قانونيا للقيام بتخفيضات جريئة أو كلية للغرامات والمصادرات أو "المبالغ الأخرى المستحقة على أن لا تشمل بأي حال من الأحوال مبالغ الرسوم والمكوس المستحقة بصورة عادية "الفصل 275 من المدونة"، فإذا ما وافقت هذه الجهة المختصة على الإيجاب الذي تقدم به المتهم أو وكيله القانوني، صدر القرار الذي وافق على الصلح موقع من طرف هذه الجهة المدير الجهوي أو المدير العام، فإن القضية تنتهي بالإشهاد على هذا الصلح من طرف الآمر بالصرف المختص محليا، وما يترتب عنها من نتائج حيث يقوم المتهم بأداء المبلغ المتفق عليه مبدئيا، ويصبح ملكا للإدارة بعد المصادقة على الصلح من طرف رئيس المقاطعة الجمركية الذي ينوب عن المدير العام في هاته المصادقة.
وقد يثور تساؤلا حول الحالة التي يرفض فيها المتهم أو وكيله القانوني، استكمال إجراءات عقد الصلح أو بصيغة أخرى أداء الغرامة التي اقترحها كإيجاب من طرفه وتم قبولها من مدير الإدارة من خلال قرار صادر عن هذا الأخير ؟ الملاحظ أنه ليس هناك أي نص قانوني في المدونة يلزمه بذلك، وهل يمكن اعتبار أن هذا القرار الصادر عن مدير الإدارة بمثابة عقد لإمكانية الرجوع على المتهم أو وكيله القانوني ومساءلته في إطار المسؤولية العقدية؟ وهناك تساؤل آخر يطرح نفسه بشدة حول تقزيم دور الآمر بالصرف في مجال الصلح في الجنح الجمركية؟ فهذا الأخير لا يملك أي سلطة في التخفيض الجزئي أو الكلي للغرامات والمصادرة الواردة في الفصل 275 من المدونة؟
وبالتالي سلطة إنهاء النزاع رغم تمتيعه بالحق بتحريك الدعوى العمومية، نيابة عن وزير المالية تبعا لمقتضيات الفصل 249 من المدونة؟ الواقع يتطلب إسناده صلاحيات قانونية واضحة في مجال الصلح لأنه محرك المتابعة في الجنحة أو المخالفة الجمركية والأقرب إليها من أي جهة أخرى أعطاها المشرع اختصاصات واسعة في هذا الإطار.
وقد تعرض نظام الصلح في المجال الجمركي، رغم كل ذلك إلى عدة انتقادات فقد اعتبر نظام الصلح لا يحقق المساواة بين الناس إذ يستطيع الأثرياء دفع ثمن حريتهم ولا يكون لدى الفقراء من وسيلة تتجنب ألم العقوبة وهذا النظام على عكس ما يقول البعض، لا يكفل احترام الناس للقوانين الاقتصادية، فان الردع الخاص يقتضي أن يقف المتهم علنا في موقف الاتهام وأن يصدر ضده حكم يسجل عليه في صحيفة السوابق، والردع العام لا يتحقق إذا انقضت الدعوى باتفاق يتم بعيدا عن بصر الجمهور وسمعه، وللجمهور كل العذر إذن تكونت لديه عقيدة بأن الجرائم الاقتصادية، التي تنتهي على هذا الوجه ليست من الجرائم الخطيرة التي يجدر تجنبها وفي هذا من الخطر على السياسة الاقتصادية ما لا يخفى.
ويرى بعض الفقهاء أن زيادة الموارد المالية للدولة تكون أكبر في حالة عدم ارتكاب الجرائم التي تضر بالمصالح الاقتصادية للدولة، ولا ينبغي أن يكون زيادة الموارد المالية للدولة نتيجة ارتكاب جرائم تهريب إذ أن هذه الجرائم تؤثر على النظام الاقتصادي للدولة.[49]
هكذا إذا كان هذا هو نظام الصلح في المجال الجمركي ودور الإدارة فيه، فالأكيد أنه يخلف آثار مهمة عند اللجوء إليها.
ب- آثار عقد عقد الصلح في المجال الجمركي :
تبعا للفصل 273 من المدونة، يترتب عن الصلح كما رأينا سابقا في الجرائم الجمركية، انقضاء الدعوى العمومية إذا وقع قبل الحكم النهائي، أما إذا وقع بعد الحكم النهائي فإنه لا يسقط عقوبة الحبس والتدبير الوقائي الشخصي، وتختلف الآثار المترتبة عن الصلح من حيث جهة الأطراف ومن جهة السلطات القضائية، جهة الأغيار.
* في مواجهة الأطراف :
بالنسبة للأطراف المتعاقدة، يكتسي الصلح المصادق عليه من طرف الجهات الجمركية المختصة قوة الشيء المقضي به سواء كان هذا الصلح قبل الحكم النهائي أو بعده، وهذا ما يستفاد من الفصل 274، وتلزم طرفيه وتكون غير قابلة للمراجعة 2 276 وكذلك فصول 1106 و 1108 من قانون الالتزامات والعقود، وهذا الصلح يصبح نهائي ولا يجوز الطعن فيه بعلة الغلط في القانون، أو الغش أو التدليس 3 ، كما أنه يختص بالنزاع المتصالح بشأنه دون غيره، ويكتسي الصلح الذي يتم بواسطة شخص آخر كمفوض من طرف المعنيين بالأمر للتصالح مع إدارة الجمارك ، إذا أدى المتصالح حالا أو لاحق ما وقع التصالح بشأنه.

* في مواجهة السلطات القضائية :
يكون الصلح الذي يتم مع المخالف للقوانين والتنظيمات الجمركية، وإدارة الجمارك، يكون في نظر القضاء إذا تم قبل الحكم النهائي منهيا للدعوى، ويؤدي إلى سقوطها فيما يخص العقوبات المالية والغرامات، أما إذا تم بعد الحكم النهائي. فإنه لا يسقط عقوبة الحبس والتدبير الوقائي الشخصي.1 الفقرة 3 من الفصل 273.
* الصلح في مواجهة الغير :
ليس للصلح أي أثر في مواجهة الغير، من مشاركين ومساهمين، ذلك أن وجود صلح مع أحد المشاركين لا يمنع المحكمة من الحكم على باقي المشاركين بالعقوبة المستحقة لهم، وأثر الصلح الذي يتم بين إدارة الجمارك والممثل القانوني للشركة كشخص معنوي، يستفيد منه ممثل هذه الشركة المتابع بنفس المخالفة إلا أنه قبل الحكم النهائي فإن الأمر يكون على خلاف ذلك، لأن الصلح الذي يتم برضى أحد المخالفين للقوانين والتنظيمات الجمركية، ويستفيد منه آخرون إذا لم تتحفظ إدارة الجمارك في مواجهتهم.
وما دمنا نتحدث عن آثار الصلح، فإننا نشير هنا إلى أن المحكوم عليهم ملزمون على وجه التضامن بأداء العقوبات المالية المحكوم بها، ويمكن أن يستفيد من الصلح بعد الحكم أحد هؤلاء المحكوم عليهم، ويبقى لإدارة الجمارك الحق في مواجهة باقي المتهمين، أما في تخفيض الدين أو الغرامة إذا كان المبلغ الذي وقع التصالح بشأنه أقل من الحصص المكتتب بشأنها،2ولها أيضا الحق في الإعفاء من التضامن إذا كان المبلغ الذي تم أداؤه من طرف المعني بالأمر يفوق حصته، والصلح الذي يتم من طرف أحد المخالفين لا يمكن الاعتراض عليه من طرف من كانوا معه كشركائه والمساهمين.
وبالنظر لكون العقوبات الجمركية تكتسي في أغلبها طابعا مدنيا فانه من غير المنطقي أن تفرض إدارة الجمارك مبلغا أعلى من المبلغ المحدد في النص القانوني موضوع الفصل المخالف الجمركي، ومن هنا نرى انه من المنطقي أن يؤدي الشركاء في نفس الفعل المتصالح بشأنه مع أحد هؤلاء الشركاء نفس المبلغ الذي أداه المستفيد من الصلح، مادام الأمر أمام إدارة الجمارك وقبل الحكم النهائي، أما إذا وقع الصلح مع أحد الشركاء وأحيل الباقي على القضاء فإنه ليس لهؤلاء المخالفين أو المتابعين أن يتمسكوا بالصلح الذي أبرم مع شريكهم والذي أدى بمقتضاه المبلغ ولا يمكن إعفاءهم بسبب الصلح المذكور.
وحق الصلح ليس قاصرا على صاحب البضاعة المهربة، أو من وجدت بحوزته، بل يمكن أن يمتد إلى وكلاء النقل الذي يسالون عن الجنح المرتكبة التي يرتكبونها، وبإمكانهم الصلح مع إدارة الجمارك بشأن المنسوب إليهم مع إمكانية رجوعهم على المرسل الذي أخفى عنهم ما ذكر باسترجاع المبالغ التي تصالحوا بشأنها والصائر، وهذا الحق رهين بعدم تعمدهم القيام بذلك وإلا فلا حق لهم إن ثبت ذلك.
* إلغاء الصلح :
يمكن للإدارة الجمارك إلغاء الصلح اعتمادا على مقتضيات الفصل 1115 من قانون الالتزامات والعقود،[50] وذلك بسبب إخلال المتصالح بالتزاماته بعدم تنفيذ شروط الصلح كليا أو جزئيا ولكن هل قبل المصادقة أو بعد المصادقة على عقد الصلح من طرف الجهة الجمركية المختصة؟ نحن نعتقد أنه يمكن المطالبة بإلغاء الصلح قبل المصادقة أمام بعد المصادقة فإن الصلح يصبح نهائيا وملزما لجميع الأطراف بكيفية لا رجعة فيها ولا يمكن أن يقدم فيه أي طعن وهو ما نص عليه الفصل 274 من المدونة.
بخصوص مرحلة ما قبل المصادقة فإن عقد الصلح يبقى معلقا على شرط فاسخ الذي بمقتضاه قد لا توافق الجهة المختصة بذلك على هذا الصلح، وهو ما يبرر إمكانية إلغاءه في هذه المرحلة باللجوء من طرف الإدارة إلى القضاء ومطالبة المعني بالأمر بالغرامات الضريبية والمطالبة أيضا بالإكراه البدني، أما بخصوص ما ذكره الأستاذ غزيول حول إمكانية الظنين إلغاء الصلح أمام القضاء الإداري معتمدا على حالة من حالة الإبطال المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود فإن المجلس الأعلى (الغرفة الإدارية) أكد في أحد قراراته أن عقد الصلح المبرم بين إدارة الجمارك والشخص المتورط في القضية يعتبر عقدا رضائيا، تخضع النزاعات المتعلقة بإبرامه وتنفيذه لمقتضيات القانون المدني... كما أكد القرار على أن هذا العقد لا يعتبر بأي حال من الأحوال عقدا إداريا قابلا للطعن بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية. [51]
ثانيا : القضايا الضريبية :
إن النزاع الجبائي لا يكتسي صيغة واحدة بل يأخذ أشكالا متعددة تبعا في ذلك للمرحلة الضريبية التي ينصب عليها أو تبعا لتعقد الواقعة الجبائية، وهكذا تصنف النزاعات الجبائية إلى نزاعات في الوعاء ونزاعات في التحصيل ونزاعات زجرية وتضاف إلى هذه الفروع الأساسية نزاعات التعسف في استعمال السلطة التي يمكن أن يرتبط بها قضاء المشروعية وقضاء المسؤولية. والى جانب هذه الأصناف من النزاعات يوجد صنف آخر لا ينازع فيه الملزم الضريبي أو الجزاءات المرتبطة بها بل يطلب رأفة الإدارة كي تخفف عنه الضريبة كليا أو جزئيا نظرا لظروفه المعسرة وهذا الصنف من النزاعات و يسمى بالطلبات الاستعطافية،[52]وتجدر الإشارة إلى أنه نادرا ما يتم اللجوء إلى المسطرة القضائية لتصفية الخلاف في هذا المجال نظرا لعدم وجود مدونة جبائية مغربية وتفرق النصوص فبالأحرى المكلف ولو كان مثقفا وإلا فإن الإشكال يزداد حينما يكون المكلف أميا".[53]
ومن خصوصيات المنازعة الجبائية، أنها على مراحل أي أنها لا ترفع مبدئيا إلى القضاء ابتدءا بل لابد من المرور من مرحلة الطعن الإداري قبل اللجوء إلى القضاء[54] وذلك لعلة تخفيف العبء على القضاء وتصفية المنازعات في مهدها، إضافة إلى توفير وقت وجهد الملزم،وانطلاقا من التصنيف الذي يقسم الضرائب إلى ضرائب مباشرة وأخرى غير مباشرة.[55]
غير أن إجراء الصلح يظل من بين أهم الإجراءات التي تتكفل به إداريا سواء في الضرائب المباشرة أو غير المباشرة.
أ- الصلح الإداري بخصوص الضرائب غير المباشرة :
المشرع المغربي لم ينص صراحة على إمكانية إبرام الصلح إلا بخصوص الضرائب غير المباشرة، وهكذا خول للإدارة الجمارك إبرام الصلح بخصوص الضرائب غير المباشرة الراجعة لاختصاصها الواردة في الجزء الثامن من مدونة الجمارك، فقد جاء الفصل 182 من المدونة الجمركية المغربية : "تطبق مقتضيات الجزء التاسع المنازعات من هذه المدونة على المخالفات للتشريع والنظام المتعلقين بالمكوس المشار إليها أعلاه" فيكون لإدارة الجمارك الحق في إبرام الصلح بخصوص المخالفات للأحكام الواردة في الجزء الثامن من مدونة الجمارك والمعنون : "الضرائب غير المباشرة المكوس الداخلية على الاستهلاك الراجعة لإدارة الجمارك".[56]
ونفس الإحالة نجدها في الظهير المحدث للضريبة على القيمة المضافة.[57] على اعتبار أن الضرائب من النظام العام، من الرغم أن الصلح لا يجوز مبدئيا اللجوء إليه في المسائل المتعلقة بالنظام العام[58] وهذا هو الأسلوب الذي تم إقراره من المشرع في الضرائب الجمركية لتسوية النزاعات التي تنشأ بصددها[59] غير أن السلطة التقديرية لهذه الإدارة في هذا النوع من الضرائب، انقسمت حولها الآراء بين رأي مؤيد ورأي معارض، فيقول الاتجاه الأول أنها وسيلة تمكن من تليين صرامة الطابع الزجري في القانون الجمركي حيث تأخذ الإدارة بعين الاعتبار ظروف المخالفة... ويرى الاتجاه المعارض على أنها كأسلوب قد يحفز على التهرب الضريبي ويضيفون على أن ممارسة هذه السلطة قد لا تتضح أسبابها ودوافعها بصفة واضحة. ولهذا نجد التشريعات الأجنبية قد أوجدت لجانا متخصصة في المنازعات الجبائية لتبدي رأيها في الحلول الرضائية.[60]
حيث جاء كذلك في الفصل 59 منه أنه على مصالح إدارة الجمارك تطبيق هذه الضريبة حين الاستيراد، كما أخضع الفصل 62 منه المخالف لهذه الأحكام لنفس المسطرة والإجراءات ومن بينها الصلح المتبع في المادة الجمركية، وبهذا يكون المشرع المغربي قد أجاز إبرام الصلح في هذا المجال سواء قبل النطق بحكم نهائي أوبعده1. عكس المشرع الفرنسي الذي أدخل عدة تعديلات بخصوص هذا المجال على الشكل التالي :
* يكون الصلح جائز دون شرط قبل عرض النزاع أمام القضاء (الفصل 248 من مدونة الضرائب الفرنسية.
* بعد إثارة الدعوى العمومية يشترط لإبرام الصلح موافقة المحكمة حسب التفصيل التالي :
- موافقة رئيس المحكمة المثار أمامها النزاع إذا كانت المخالفة معاقب عليها بعقوبات جنائية فقط.
- موافقة النيابة العامة إذا كانت المخالفة معاقب عليها إضافة إلى العقوبات الجبائية بعقوبات جنائية.
- أما بعد صدور حكم نهائي في النزاع فلا يجوز إبرام الصلح (الفقرة   3 من الفصل 249 من مدونة الضرائب الفرنسية).
وتجدر الإشارة إلى أن الصلح لا يمكنه في أي حال من الأحوال أن ينصب على أصل الضريبة بالخفض أو التعديل وإنما يشتمل الزيادات والجزاءات الضريبية فقط،[61]وهذا ما يجعله –أي الصلح- في مأمن من عيب خرق مبدأ مساواة الأفراد في تحمل العبء الضريبي.[62]
ب- الصلح الإداري المتعلق بالضرائب المباشرة :
بخصوص الضرائب المباشرة لم يرد أي نص يبيح إمكانية إبرام الصلح بشأنها، إذ برجوعنا إلى ظهير 21 غشت 1935[63] المنظم للمنازعات بخصوص الضرائب المباشرة لم نجده يتعرض للصلح كوسيلة لتسوية النزاعات، وهذا ما يجعلنا نذهب إلى  عدم إمكانية التصالح بخصوص مخالفة أحكامها، عكس ما ذهب إليه كل من الأستاذين  محمد مرزاق وعبد الرحمان ابليل[64] من جواز إبرام الصلح في الضرائب سواء تعلق الأمر بالضرائب المباشرة منها آو الضرائب غير المباشرة استنادا على أنهم.لم يعتروا في النظام الضريبي المغربي خاصة المتعلق بالضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة على أي نص يمنع الإدارة الضريبية من إبرام عقود صلح مع المكلفين...).[65]
ذلك أن عدم وجود أي نص قانوني، يجيز إبرام الصلح لا يفيد بأنها مباحة بل العكس يستفاد منه أنها محضورة استنادا على أنها استثناء من المبادئ العامة.
واشتراط المشرع ضرورة النص عليها صراحة.
ويظهر أن المؤلفان قد خلطا بين الصلح الجنائي ووسائل أخرى لفض النزاعات حيث أوردا نقلا عن بعض المسؤولين في إدارة الضرائب بان "الممارسة العملية قد دلت على أن الإدارة الضريبية تلجأ فعلا الى هذا الأسلوب لحل النزاعات سواء كانت قائمة أو محتملة الوقوع، بل أنها ما فتئت تدعوا المكلفين الذين لهم منازعات معروضة على لجان التحكيم الضريبي إلى تسوية ملفاتهم عن طريق إبرام مصالحات في هذا الشأن.[66]
فهذا الرأي يتناقض مع مدلول ومدى الصلح الجنائي باعتبارها استثناءا من المبادئ العامة وضرورة النص عليها صراحة، فلا يجوز إبرام الصلح إذا لم يتم النص عليه، ولا تكفى الممارسة الإدارية لإعطائها الشرعية بل يجب أن ينص عليه صراحة، وعلة عدم اعتماد الصلح الجنائي من طرف المشرع كوسيلة إدارية لفض المنازعات المتعلقة بهذا المجال ،يتعلق الأمر أساسا بإمكانية إجراء التظلمات الاستعطافية الرامية إلى الإعفاء الكلي أو الإعفاء الجزئي، وهي إن كانت تشبه الصلح في كونها تنصب على الجزاءات والزيادات دون أصل الضريبة إلا أن المشرع المغربي قد خص بها الضرائب المباشرة دون غير المباشرة.[67]
باستثناء الضريبة على القيمة المضافة، حيث أباح للمكلفين إمكانية اللجوء إلى الإدارة ، بحيث أن الطلب الاستعطافي الذي يقدمه الملزم الضريبي  لا ينازع فيه أساس الضريبة أو مبلغها وإنما يطلب من الإدارة الجبائية إعفاءه كليا أو جزئيا من الضريبة أو الجزاءات أو الغرامات التي ترتبت عليه بصفة قانونية، فالطلب الاستعطافي حق سنه المشرع المغربي منذ ظهير 22 نونبر 1924 ( في فصله الخامس) وكرسته قوانين ضريبة لاحقة كقانون الضريبة على القيمة المضافة  (البند الثاني من المادة 52) والقانون المتعلق بالضريبة العامة على الدخل (المادة 114 البند 2) وقانون الضريبة على الشركات.[68]
وكخلاصة يمكن القول أن الصلح يوجد إلى جانب الطلبات الاستعطافية والطلبات النزاعية لفض النزاعات المتعلقة بالضرائب، نظرا لأهميته في فض النزاعات خاصة في المجال الجبائي .وتزداد أهميته في مجالات أخرى.
الفقرة الثانية : الصلح الجنائي في مجالات أخرى :
خاصة المجالات التبغ والمخدرات (أولا) ومجال الزيادة الغير المشروعة في الأثمان(ثانيا).
أولا.قضايا التبغ و المخدرات.
بصفة عامة يمكن حصر جرائم التبغ التي أجاز المشرع التصالح بشأنها في صنفين :
* منع الزراعة.
* منع الاتجار.
ونظرا للارتباط الذي يمكن أن يحصل فيما يتعلق بالجرائم المتعلقة بمنع الكيف وجرائم التبغ، يثار السؤال حول جواز إبرام الصلح فيما يخص الجرائم المتعلقة بقنب الهندي خاصة .
وأول ما تجدر ملاحظته هو أن الجرائم المتعلقة بمنع القنب الهندي قد تم إخراجها من نطاق سريان ظهير 12 نونبر 1932 وتم تنظيم هذا المجال بمقتضى ظهير 24 أبريل 1954 وتم هذا الإخراج بمقتضى الفصل 6 منه[69] ولم ينص هذا الظهير على إمكانية إبرام الصلح فيما يتعلق بجرائم القنب الهندي ، لذا ففي حالة وجود جرائم تتعلق بالكيف والتبغ معا فيمكن التصالح بشأن مخالفات التبغ فقط دون الجرائم المتعلقة بالكيف والتي تبقى قائمة، ويرجع ذلك أساسا لتعلق هاته الأخيرة بالنظام العام ولاختلاف طبيعة الجزاءات في كل المجالين والذي يمكن لمسه في نقطتين : الغرامة والمصادرة.[70]
* الغرامة في ميدان التبغ لها صبغة تعويض مدني أما في ميدان القنب الهندي فهي غرامات جنائية صرفة.
* المصادرة في مادة التبغ هي امتداد للذعيرة وفي مادة القنب الهندي هي تدابير تأمينية عينية.[71]
إلا أن عدم جواز إبرام الصلح في مادة القنب الهندي لا تمتد إلى جميع المخالفات الواردة في ظهير 1954. فقد نص الفصل الخامس من نفس الظهير والمعدل بظهير 21/5/1954[72] المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات ووقاية المدمنين عليها على أنه "تطبق على المخالفات لظهيرنا الشريف هذا العقوبات المقررة في الفصل الأول وما يليه إلى غاية الفصل الثامن والفصل الحادي عشر وما يليه إلى غاية الفصل الثالث عشر من ظهير الشريف بمثابة  قانون رقم 282-73-1 الصادر في 28 ربيع الثاني 1394 (21 مايو 1974) بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات".
وقد أجاز الفصل 8 من ظهير 1974 المحال عليه والمتعلق بالإدمان بإمكانية إبرام صلح مع المخالف حيث يتم وقف المتابعات في حالة قبوله الخضوع للعلاج من الإدمان ،غير أنا هذه الآلية لا يمكن الأخذ بها في المخالفات المتعلقة بحرث القنب الهندي وحصده وصناعته وتغير حالته واستخراج خلاصته ومسكه وعرضه وتوزيعه وشرائه وبيعه ونقله... وبصفة عامة كل المخالفات المنصوص عليها في ظهير 1954، باستثناء ما يتعلق بالإدمان على هاته المادة ومستخلصاتها والتي تخضع لمقتضيات ظهير 21/5/1974 فإنه يجوز إبرام الصلح بشأنها.[73]
أما عن الإدارة المختصة بإبرام الصلح في مادة التبغ فلا نجد أي نص يحددها بدقة وإنما اكتفى كل من الفصل 89 و 79 ومكرر من ظهير 1932 بتخويل هذه السلطة لإدارة الدخان، فيكون إبرام الصلح من اختصاص مدير إدارة شركة التبغ الذي له أن يفوض هذا الاختصاص لجهات أخرى خاضعة لإشرافه.

ثانيا : قضايا الزيادة غير المشروعة في الأثمان :
نظم المشرع المغربي هذا المجال بمقتضى ظهير 12 أكتوبر 1971 المتعلق بتنظيم الأثمان ومراقبتها وبشروط إمساك المنتوجات والبضائع وبيعها [74] وقد أجاز إبرام الصلح بخصوص الجرائم الواردة في هذا الظهير وذلك في بابه الثاني في الفصول من 19 إلى 21 حيث نص الفصل 19 منه "يخول العمال حق إبرام التراضي...".
والملاحظ هو أن المشرع قد استعمل لفظة "تراضي" للدلالة على الصلح وذلك ناتج عن الترجمة المعيبة للفظة "transaction" الواردة في النص الفرنسي.
ويعرف الصلح في هذا المجال عدة خصوصيات :
1- فالوقت المخول للظنين من أجل الاستفادة من الصلح وقت قصير يمتد من فترة توجيه محضر إثبات الجريمة إلى عامل الإقليم إلى وقت إحالة الملف على النيابة العامة لإجراء المتابعات، وبعد إثارة الدعوى العمومية لا يجوز إبرام الصلح بصريح نص الفصل 19 من ظهير 1971 على ذلك، وترجع علة هذا التطبيق لتعلق هاته المجالات بالنظام العام بالرغم من كون المشرع المغربي قد نص في الفصل 40 من ظهير 1971 على أن العقوبات المالية المقررة في الظهير تكتسي صيفت تعويض مدني، ومسلك المشرع هذا لا يخلوا من ملاحظات ذلك أن الغرامات الواردة في الظهير تتعلق بالنظام العام، ولا يغلب عليها طابع التعويض المدني مادام المتضرر ليس خزينة الدولة وإنما المستهلك بالأساس. وهذا ما جعل الصلح في هذا المجال يتعرض لعدة انتقادات أهمها كون "الصلح يمس بحماية المستهلكين، فالظنين المتصالح يتفادى المتابعات القضائية بأداء مبلغ مالي عوض الصلح وهذا المبلغ المالي يقع بطريقة غير مباشرة على كاهل المستهلك مادام هو الذي تقع عليه جريمة الزيادة غير المشروعة في الأثمان وهو المستهلك للبضائع.[75]
وبخصوص المشرع الفرنسي فقد عرف عدة تعديلات في هذا المجال تتجلى في :
* جواز إبرام الصلح حتى بعد إثارة الدعوى العمومية لكن قبل صدور حكم بات في النزاع.
* كما خول للنيابة العامة في حالة تقديم طلب إبرام صلح من طرف الظنين بعد إثارة الدعوى العمومية دورا إيجابيا وفعالا في قبول أو رفض طلب الصلح دون أن يخضع قرارها في رفض هذا الطلب لأي طعن باعتباره قرار إداريا.[76]
* كما خول المشرع الفرنسي للإدارة "إمكانية إبرام الصلح في هاته المجالات دون أي عوض نقدي أي بدون مقابل فيتخذ الصلح شكل إنذار خاصة فيما يتعلق بالمخالفات البسيطة".[77]
2- كما أن الإدارة تتمتع بمركز قوي حيث خول لها الفصل 18 من ظهير 1971.[78] الاختيار بين إبرام الصلح أو النطق بعقوبات إدارية أو المتابعة القضائية، وهنا تصبح العقوبات الإدارية المخولة قانونا لعامل الإقليم والتي تتضمن جزاءات قاسية[79] كورقة ضغط بيد الإدارة لإرغام المخالف على إبرام الصلح إذ يتم التلويح بها وكذا باحتمال إثارة الدعوى العمومية لدفع الظنين لإبرام الصلح.
ويترتب عن الصلح سقوط حق الإدارة في المتابعة وكذا سقوط الجزاءات الإدارية إن كان قد تم النطق بها، ولا يجوز الصلح بعد توجيه عامل الإقليم الملف إلى النيابة العامة من أجل القيام بالمتابعات القضائية.
لذلك قام المشرع بتحديد الجرائم التي يجوز الصلح بها وحدد الجهة المختصة لإبرام الصلح.
أ- الجرائم التي أجاز المشرع التصالح بشأنها :
لم يحدد المشرع المغربي هاته الجرائم وإنما نص الفصل 18 من قانون 1971 على جواز إبرام الصلح بخصوص المخالفات الواردة في نفس الظهير والنصوص التطبيقية.
وقد نص الجزء الثاني من الظهير على هاته الجرائم وحددها بمقتضى الفصول 8 و 9 و 10 وتتجلى أهم هاته الجرائم في :
* الزيادة غير المشروعة في الأثمان (الفصل 8 و9).
* الادخار السري (الفصل 9).
والملاحظ هو أن المشرع المغربي أنه جرم الادخار السري حينما يكون القصد منه المضاربة غير المشروعة.[80]
وهنا يطرح سؤال مهم عن إمكان أو عدم إمكان إبرام الصلح بخصوص المضاربة غير المشروعة في الأثمان ؟
تطرق المشرع الجنائي المغربي للمضاربة غير المشروعة.[81] في صلب المدونة الجنائية المغربية لسنة 1962 وعاقب عليها بمقتضى الفصل 289 منه، ولعل السبب في ذلك راجع كما ورد عند الدكتور عمر أبو الطيب إلى "إن هناك من الجرائم ذات الطابع الاقتصادي ما يلحق ضررا بالخواص فقط فيخول هؤلاء حق المطالبة بالتعويض أمام القضاء الجنائي مادامت الإدارة لم تخول حق المتابعة أو الحق في الحكم بالغرامات المالية أو التعويض المالي أو الصلح في شأنها وذلك كجريمة المضاربة غير المشروعة...".[82]
وهكذا ففي حالة الارتباط بين إحدى جرائم الزيادة غير المشروعة في الأثمان وجريمة المضاربة غير المشروعة يجوز التصالح بخصوص الأولى مادام الملف لم يوجه إلى النيابة العامة أما بخصوص الجريمة الثانية فتظل قائمة ويمكن إثارة الدعوى العمومية بشأنها إما من طرف المتضرر أو من طرف النيابة العامة، وفي هذا السياق نص الفصل 41 من ظهير 1971 على "أن مقتضيات هذا القانون لا تحول عند الاقتضاء دون تطبيق المقتضيات القانونية الأخرى المتعلقة بزجر المضاربة غير المشروعة".[83]
وهذا ما يبرز أكثر توجه المشرع إلى إجازة إبرام الصلح بخصوص الجرائم المنصوص عليها في صلب تشريعات جنائية خاصة بدون تلك المنصوص عليها في صلب المدونة الجنائية.
ب- الجهة المختصة في إبرام الصلح :
لقد نص الفصل 19 من ظهير 1971 المنظم للأثمان عامل الإقليم الذي وقعت الجريمة داخل نطاق إقليمه وحده سلطة إبرام الصلح في مجال الزيادة غير المشروعة في الأثمان ولم يجعل رجوعه إلى رئيس المصلحة الخارجية لمديرية التجارة الداخلية التابعة للوزارة المكلفة بالتجارة أو رئيس المصلحة الخارجية بالوزارة الراجع لها أمر البضائع أو المنتوجات أو الخدمات المقصودة إلا استشاريا وليس إلزاميا.
وتجدر الملاحظة إلى أن المشرع قد خول للمحتسب بمقتضى ظهير 21/6/1982[84] الحق في إثبات المخالفات عن طريق محاضر وفق الشروط المقررة في ميدان مراقبة الأثمان (الفصل 4 من ظهير 1982)، وكذا الحق في فرض غرامات لا يتجاوز قدرها 5000 درهم بمقتضى تفويض من لدن السلطات المختصة طبقا لمقتضيات القانون رقم 71-008 المتعلق بالزيادة غير المشروعة في الأثمان.
وقد ذهب رأي في الفقه المغربي إلى تكييف هاته الإمكانية المخولة للمحتسب بكونها مصالحة شبيهة بالإمكانية المخولة للإدارة المختصة بإبرام الصلح بخصوص مخالفات السير.[85]
إلا أنه برجوعنا لأحكام الظهير المنظم لاختصاصات المحتسب لم نجده ينص على إعطاء المحتسب إمكانية إبرام الصلح بخصوص الجرائم التي يثبتها، وإنما يقتصر سلطته في فرض جزاءات إدارية لا يتجاوز قدرها مبلغ 5000 درهم فهاته الجزاءات لا تتوقف على محض إرادة الظنين حتى يمكن وصفها بكونها صلح.
وهكذا يكون اختصاص إبرام الصلح في مجال الزيادة غير المشروعة في الأثمان من اختصاص عامل الإقليم فقط.[86]
إذن إذا كانت هذه هي أهم مميزات التشريع المغربي في ميدان الصلح في القوانين الجنائية الخاصة، فأهمية هذا الصلح تزداد أهمية خاصة في القضايا المتعلقة بالبيئة ومن بينها الجرائم الغابوية وكذا جرائم الصيد البحري هذه الأخيرة التي ستكون محل نقاش وتحليل في القسم الثاني.لكن قبل ذلك لابد من عرض جدولان توضيحيان للمجالات التي أجازت الصلح .



[1]  على أساس أن محكمة القاضي في مادة الأحوال الشخصية هي حماية الأسرة وإصلاحها ومن ثم فإن الصلح القضائي في مجال الأحوال الشخصية يحقق استقرارا طمأنينة الأسرة وبالتالي استقرار المجتمع  كله لمزيد من الاطلاع إدريس ألفا خوري : .م .س.الصفحة 14 وما بعدها.
[2]  تنص المادة 2 من ق.م.ج.ج. على ما يلي : "يترتب عن كل جريمة الحق في إقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات والحق في إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسبب فيه الجريمة".
[3]  ميمون حميدي : م.س ص : 209-210.
[4]  ميمون حميدي : م.س ص : 209-210.
[5]  في هذا الصدد انظر مثلا المواد التالية 40-41-49-372 إلى 322... قانون المسطرة الجنائية
_أن يتعلق الأمر بجنحة يعاقب عليها القانون بسنتين حبس أو اقل أو بالغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.
_أن تكون الدعوى العمومية لم تقم بعد
_ يجري الصلح بحضور الطرفين ودفاعهما ما لم يتنازل أو يتنازل احدهما عن ذلك
_يحرر وكيل الملك والطرفان المحضر
_ يصادق رئيس المحكمة بغرفة المشورة على محضر الصلح بحضور الأطراف بأمر قضائي يشعر به وكيل الملك
_ يتضمن الأمر القضائي ما اتفق عليه الطرفين .
.6 .المواد من 375الى 382."إذا تعلق الأمر بمخالفة يعاقب عليها  القانون بعقوبة مالية ويكون ارتكبها مثبتا بمحضر أو تقرير  ولا يظهر فيها متضرر أو ضحية  يمكن لنيابة العامة آن تقترح على مرتكبها أداء غرامة  جزافية تبلغ نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للفعل بمقتضى القانون  في حالة قبول المخالف بالاقتراح ، بعد تبليغه له ، يصبح الاقتراح سندا قابل للتنفيذ ، وهو ما يكاد يضفى عليه صيغة عقد صلح لتوفر عنصرى الإيجاب الصادر من النيابة العامة  والقبول المعبر عنه صراحة أو ضمنا من المخالف رغم أن المشرع لم يستعمل صراحة لفظا الصلح في تناوله لمقتضيات هذه المسطرة.
[6]  حميد ميمون : م.س ص : 210-211.
[7]  الفقرة الثانية من المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية.
. . 3المتضرر يكتسب.
_الاستفادة من سرعة  الإجراءات  ومرونتها
_ إرضاءه وإعادة الاعتبار إليه لان لولا رضاه ما تمت المسطرة
_ وضع حد لأثار الجريمة أو تخفيف تلك الثار بسرعة ’ وذلك بمقتضى ما قد يحصل عليه من تعويض أو باسترجاع حيازته أو إصلاح  الضرر التي ألحقته الجريمة به أو  بمصالحه.
2 .كان المشروع ينص على لائحة حصرية للجنح التي يجوز فيها التصالح ، وهي جنح كثيرة بين الأقارب و الجيران أو الأشخاص  المتعايشين عادة في وسط واحد ويكون فيها بالضرورة ضحايا ، مثل  العنف العمد الفصلان 400 و 401 من القانون الجنائي ...،  والتعديل الذي ادخله البرلمان وان كان قد وسع من لائحة الجنح التي يمكن أن يتم بشأنها التصالح من الناحية العددية ، فانه أقصى بعض الجنح الأخرى  التي تتجاوز عقوبتها حد السنتين من الحبس مثل الفصل 401 من القانون الجنائي رغم أن مثل هذه الجنح كثيرا ما يعبر الأطراف عن رغبتهم في التصالح  بشأنها ، وقد يكون الصلح في كثير  من الحالات مفيدا فيها ويؤدي إلي وضع حد لخلافات مستعصية ومتواترة ، ولم يبقى في هذه الحالة بيد النيابة العامة للسهام في تحقيق هذا المبتغى النبيل والاجتماعي سوى استعمال حق الملاءمة الذي تملكه فتحفظ القضية دون متابعة.
_الاستفادة من سرعة  الإجراءات  ومرونتها
_ إرضاءه وإعادة الاعتبار إليه لان لولا رضاه ما تمت المسطرة
_ وضع حد لأثار الجريمة أو تخفيف تلك الثار بسرعة ’ وذلك بمقتضى ما قد يحصل عليه من تعويض أو باسترجاع حيازته أو إصلاح  الضرر التي ألحقته الجريمة به أو  بمصالحه.
  4 . المشتكى به.يكتسب._إعفاءه من المتابعة _إعفاءه من متاعب المحاكمة_ إعفاءه من احتمال صدور حكم يدينه وقد يسجل في سجله العدلي _إعفاءه من نفقات ومصاريف مرتبطة بالدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة واستعمال الطعون القضائية.
[8]  "يمكن للمتضرر أو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة مالية لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما بمحضر.
[9]  "الصلح الزجري" دراسة للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجديد، قسم الدراسات والتشريع مديرية الدراسات والتعاون والتحديث وزارة العدل ص : 8.
[10]  مشقاقة رشيد :" دليل النيابة العامة في مسطرة الصلح الزجري دراسة تحليلية نقدية للقانون رقم 01-122 متعلق بالمسطرة الجنائية". الطبعة الأولى. مكتبة درا السلام. الرباط مارس 2004 ص : 4.
[11]  منشور وزارة العدل م.س ص : 9.
[12]  مشقاق رشيد : مرجع سابق ص : 15.
[13]  يحيل وكيل الملك محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور الأطراف بغرفة المشورة بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن".
[14]  رشيد مشقاقة .مرجع سابق. ص : 20 وما بعدها.
[15]  محمد أحداف "شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد" الجزء الأول.مكتبة سجلماسة. مكناس. الطبعة الأولى 2003 ص : 191.
[16]  المادة 372 من قانون المسطرة الجنائية الجديدة.
[17]  محمد بن حم "قضاء الصلح أو غرفة المشورة في ظل ق.م.ج" مجلة ملف. العدد 3. أبريل 2004. الصفحة : 89-90.
[18]  وهذه هي الإجراءات التي تم اتخاذها لدى المشرع المغربي.راجع. محمد عبد النباوي م.س ص.109 وما بعدها.
[19]  نبيل أوقاباوي :" جرائم تهريب النقد ومكافحتها" رسالة دكتوراه .أكاديمية الشرطة. القاهرة .ص : 326.
[20]  نبيل أوقاباوي. م .س. .ص : 326.
[21]  حميد ميمون : م.س  .ص : 295.
[22]  صدر قرار رقم 34 المتعلق بإعلان ميلانو 1989 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين "بحيث أوصى على إدخال وفق الإجراءات الجنائية في مواد الجنح شريطة تعويض المجني عليه".
[23]  الختام عثمان  إدريس : "النظرية العامة للصلح في القانون الجنائي" رسالة دكتوراه. جامعة القاهرة .1979 .الصفحة 41.
[24]  تنص الفقرة 2 من المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي : "تسقط الدعوى العمومية ب ... بالصلح عندما ينص القانون صراحة على ذلك....".
[25]  حميد ميمون : م.س ص : 296-297.
[26]  حميد ميمون : م.س ص : 297.
[27]  عمرو عيسى الفقي : "الوجيز في الصلح والتصالح في المواد الجنائية "، الطبعة الأولى. شركة الناس للطباعة . القاهرة .2002 ص : 89 وما بعدها.
[28]  صالح البوكناني.م.س ص.102.
[29]  الجريدة الرسمية عدد 1060 بتاريخ 17/12/1933 ص : 245.
[30]  الجريدة الرسمية عدد 5096 بتاريخ 03/04/2003 ص 1090.
[31]  حميد ميمون : م.س ص : 298-299.
[32]  Causse. Op. cit. p : 6.
[33] Evelyne  Serverinetautre. op. cit p : 249.
[34]  محمد الشلي : م.س ص : 51.
[35]  نص الفصل 49 من القانون الجنائي المغربي على الصلح كسبب من أسباب انقضاء العقوبة –نص الفصل 93 من ق.ج. المغربي على الصلح كسبب من أسباب انقضاء التدابير الوقائية.
[36]  نص الفصل 3 من قانون المسطرة الجنائية المغربي على الصلح كسبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية.
[37]  دليل القانون الجنائي المغربي : وزارة العدل : المعهد الوطني للدراسات القضائية، دار النشر والسنة  بدون.الصفحة 52.
[38]  القانون رقم 71-008 الصادر بتاريخ 12 أكتوبر المتعلق بتنظيم الأثمان ومراقبتها وبشروط إمساك المنتوجات والبضائع وبيعها. الجريدة الرسمية عدد 3087 الصادر بتاريخ 29 دجنبر 1971 ص : 3289.
[39]  محمد الشلي : م.س ص : 54.
[40]  Gausse Luis Mery François « la transaction en matière pénale » thèse pour le doctorat en droit, faculté de droit de Toulouse 13 Juillet 1945, Librairie générale de droit et de jurisprudence. paris 1945 page 54 et suit.
[41]  محمد الشلي : م.س ص : 55.
[42]  محمد الشلي : م.س ص : 56.
[43]  مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة الراجعة لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة الصادرة بتاريخ 09/10/1977 الجريدة الرسمية عدد 3392 مكرر والصادرة بتاريخ 4 نونبر 1977 صفحة 3289 وقد سبق للمشرع المغربي أن أجاز التصالح بخصوص الجرائم الجمركية في ظهير 16/12/1918 الملغى والذي يعتبر أول تقنين جمركي صادر بالمغرب والمنشور ب 1918/12/23 .فقد نص في الفصل 273منه " للإدارة الحق في إبرام مصالحة قبل الحكم النهائي أو بعده مع الأشخاص المتابعين من اجل مخالفة للجمرك والضرائب غير مباشرة  وعندما تبرم المصالحة بعد حكم نهائي يبق معمولا بعقوبة الحبس وبالتدبير الاحتياطي الشخصي المنصوص عليه في الفقرة 1 من الفصل 220."
[44]  Exande Pierre « Action public : extinction »J.C.I (procédure pénale), Ed Tech. 1992.
[45]  Evelgne Servevin et autres : op. p .185-186.
[46]  مرسوم رقم 2-59-1761 الصادر بتاريخ 8/1/1960 المتعلق بممارسة حق المصالحة بخصوص جرائم الجمارك والضرائب الغير المباشرة والمجالات المشابهة B.O N° 2466 du 29/01/1960 page 234.
[47]  محمد الشلي : م.س الصفحة : 63-64.
[48]  جدول  المصالحة عبارة عن مذكرة داخلية صادرة عن مدير الإدارة تبين كيفية احتساب الغرامات المتعلقة بالمصالحة وهو يجد (أي جدول المصالحة) مصدره في المادة 275 من مدونة الجمارك.
[49]  أحمد فتحي سرور :"الجرائم الضريبية والنقدية" دار النهضة العربية، القاهرة 1990 ص : 264.
. محمد برادة غزيول : مرجع سابق ص : 262.2
[50]  محمد برادة غزيول : م.س الصفحة :264.
[51]  قرار المجلس الأعلى عدد 1140 بتاريخ 20/07/2000. إدارة الجمارك الداخلي.
[52]  عبد القادر التيعلاتي :" النزاع الضريبي في التشريع المغربي". مطبعة العمدة. الأحمدية للنشر. الطبعة الثانية 1422-2001 ص : 5.
[53]  M’hamed Bentahir : « le recouvrement des impots directs au Maroc » Mémoire de sycie supérieur, Ecole National d’administration publique Rabat 1979 page 167.
[54]  فريد ينته : " المنازعات الجبائية في المرحلة ما قبل القضائية"، المجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد مزدوج 5-6-2007 ص : 57.
[55]  هناك عدة تصنيفات للضرائب : الضرائب الوحيدة والضرائب المتعددة الضرائب على الأشخاص والضرائب على الموال، إلا أن تقسيم الضرائب على مباشرة وغير مباشرة يعتبر أكثر التقسيمات شيوعا في التشريعات الضريبية المعاصرة، إلا أنه يثير صعوبات بسبب عدم وجود معيار عام مقبول يستدل به كل مرة للفصل بين أنواع الضرائب المباشرة وغير المباشرة فالضريبة الواحدة قد تعتبر مباشرة في نظام ضريبي معين وغير مباشرة في نظام آخر وأهم معايير التمييز بينهما : المعيار الإداري ومعيار نقل العبء الضريبي ومعيار مدى ثبات موضوع الضريبة.
منصور عسو : "المالية العامة" مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 1995 ص 165 وما بعدها.
[56]  محمد الشلي : م.س ص : 70.
[57]  ظهير رقم : 347-1-84 بتاريخ 20 دجنبر 1985.
[58]  ينص الفصل 1100 من قانون الالتزامات والعقود على أنه "لا يجوز الصلح في المسائل المتعلق بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية...".
[59]  المواد من 273 إلى 277 من مدونة الجمارك.
[60]  عبد القادر التيعلاتي : م.س الصفحة : 65.
 1.  .للإدارة الحق في إبرام الصلح قبل أن ينشر النزاع أمام القضاء أو بعد ذلك فإذا أبرمتها فبل صدور الحكم القضائي يعتبر ذلك بمثابة سقوط الدعوى العمومية والدعوى المدنية معا، أي سقوط حقوق المتابعة والزجر، فيوضع حد للمتابعات وإجراءات التقاضي وترفع الإدارة الجمركية يدها عن الأشياء المحجوزة أما إذا ابرم الصلح بعد صدور الحكم القضائي فيمتد أثره إلي سقوط الدعوى المدنية فقط وتبقى أثار الدعوى العمومية قائمة. عبد القادر التيعلاتي.م.س.ص.66.
[61]  محمد مرزاق وعبد الرحمان أبليل : م. س. ص : 152.
[62]  محمد الشلي : م.س .ص : 71.
[63]  Neel Brigitte « Impôts poursuites » 1990,J.C.I «(pénal annexes) 1992, p 25.
[64]  محمد الشلي : م.س الصفحة : 71.
[65]  محمد الشلي م.س الصفحة : 71.
[66]  محمد مرزاق وعبد الرحمان ابليلا : م.س ص : 153، حيث أحالوا على تصريح لمدير الضرائب منشور ب revue conjonction n° 641 de 29/09/1991.
[67]  عكس المشرع الفرنسي الذي أجاز الإعفاء الكلي والإعفاء الجزئي بخصوص الضرائب المباشرة فيما يتعلق بأصل الدين، أما فيما يخص جميع الضرائب الأخرى فتنصب على الجزاءات فقط، رأى شار إليه في : fiscale » Doctorat d’état Paris 1984 p 299.      Jean Pujol. « la application du droit privé en matière

[68]  عبد القادر التيعلاتي : م.س الصفحة 59-60.
[69]  ينص الفصل 6 من ظهير 24 أبريل 1954 "تلغى وتبقى ملغاة جميع الأوامر المتعلقة بالمادة الكيف التي ضمنت في الظهير الشريف الصادر في 12 رجب 1351 الموافق ل 12 نونبر 1932 بشأن نظام التبغ بالمغرب ومن اجل ما ذكر أصبح موضوعها منحصر في مادة التبغ".
[70]  محمد الشلي : م.س ص :
[71]  ظهير 21/5/1974 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3214.
[72]  ظهير 21/5/1974 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3214.
[73]  محمد الشلي : م.س الصفحة : 88.
[74]  قانون رقم 71-008 بتاريخ 21 شعبان 1391 موافق 12 أكتوبر 1971 المتعلق بتنظيم الأثمان ومراقبتها وبشروط إمساك البضائع والمنتوجات وبيعها الجريدة الرسمية عدد : 3087 الصادر بتاريخ 29/12/1971. صفحة 3289.
[75]  Mohammed Aliat « la protection du consommateur dans le cadre de la police économique » Mémoire du fin d’étude EN . AP Rabat 1977 p 65.
[76] Raymond Gossin op. cit. p. 8 et sui.
[77]  Dupré. op. cit. p 183.
[78]  نص الفص 18 من قانون 12 أكتوبر 1971 على : أن المخالفات لمقتضيات هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه يمكن إبرام تراض بشأنها أو عقوبات إدارية أو قضائية على مرتكبيها".
[79]  أعطى الفصل 22 من ظهير 1971 عامل الإقليم حق إصدار الغرامات الإدارية كما عمل الفصل 23 من نفس القانون على تحديد هاته الجزاءات وهي جزاءات مهمة وقاسية تشمل الجزاءات المالية والبدنية.
[80]  نصت الفقرة الأولى من الفصل 10 من قانون 1971 على ما يلي : "يعتبر بمثابة إدخار سري : وفر التجار وأرباب الصناعة العصرية أو التقليدية أو الفلاحين على مدخرات من البضائع أو المنتوجات يجري أولا يجري عليها نظام التصريح بالمذخرات ويخفونها قصد المضاربة فيها بأي محل كان".
[81]  عرف الأستاذ محمد بقالي المضاربة غير المشروعة بكونها "استعمال أو محاولة استعمال وسيلة احتيالية أو أكثر كإشاعة أخبار كاذبة، أو عرض أثمان تزيد عما كان يطلبه البائعون مثلا من طرف شخص طبيعي أو معنوي قصد التأثير على شروط سوق المواد والسلع والخدمات بغية اصطناع نذرة واستغلالها لتحقيق أرباح لا يبررها التلقي العادي للعرض والطلب.
محمد بقالي "جريمة المضاربة في القانون الجنائي المغربي" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط، 1985 ص : 64 .
[82]  عمر أبو الطيب : "الضرر القابل للتعويض أمام القضاء الجنائي" أطروحة دكتوراه،كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس .الرباط. 1982 ص : 447 .
[83]  محمد الشلي : م.س الصفحة 92-93.
[84]  ظهير 21/06/1982 المتعلق باختصاصات المحتسب وأمناء الحرف : الجريدة الرسمية عدد 3636 الصادر بتاريخ 07/07/1982.
[85]  Salah Bauknani op. cet.. p. 295.
[86]  محمد الشلي : م.س الصفحة : 94.

شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق