التأمين التعاوني والتأمين التجاري


المؤلف : عبد الله بن بيه
  


الأصل أن التأمين بصفة عامة يخضع لمجموعة من المعايير في الشريعة الإسلامية، فالتأمين التجاري ليس تكافليا ولا تعاونيا، ويحتوي على الغرر والجهالة، وهذه الأشياء حسمت الشريعة الحكم فيها ببطلان العقود المتضمنة لها.
أما التأمين التعاوني فهو يعكس مقصدا من مقاصد الشريعة التي تسعى لإرساء أسس التعاون والتكافل بين أفراد الأمة، لا سيما العاملين في مكان واحد ويربطهم مصير واحد.. وبالتالي فقد أجازته الشريعة الإسلامية.
وعن هذا الموضوع يكتب العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، النائب الأول لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، معرفا لكلا النوعين ومحددا الفروق بينهما، مع إبراز خصائص كليهما، ثم يخلص نهاية لموقف الشرع من كليهما، مسترشدا في كل ذلك بمقاصد الشريعة العليا. 
§         التأصيل
§         خصائص كل منهما
§         الفروق
§         الغرر
§         الضمان
§         خاتمة
- تنبيه: قد يستعمل في هذا البحث مصطلح: التعاوني أو التكافلي أو التبادلي للدلالة على مفهوم واحد، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا فهم المراد، والحال نفسه فالتجاري هو التقليدي.
إن التأمين التكافلي له ثلاثة أصول، أحدها: ما عرف من تشوف الشارع الحكيم للتعاون والتضامن، قال تعالى: ? وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ? [المائدة : 2]، وحديث الأشعريين: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم". أخرجه الشيخان.
وقد نبه العلماء كالعيني في "عمدة القاري" على أن هذا ليس من الهبة وإنما هو من الإباحة. كما نبه بعضهم كالباجي على أنه اعتبارا بهذا الأصل يجوز للإمام أن يفعل ذلك.
وذكر ابن بطال أن للسلطان أن يأمر الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك، ويشركهم فيما بقي من أزوادهم إحياء لأرماقهم وإبقاء لنفوسهم.
والثاني: أصل خاص يتعلق بما فهم من قصد الشارع في الجنايات إلى تفتيت الضرر وذلك بتسريع العاقلة.
إن نظام العواقل في الإسلام الذي كان يختص بعصبات النسب دليل واضح على قصد الشارع الحكيم تفتيت جبر الضرر، وقد عممه عمر رضي الله عنه ليشمل منسوبي الديوان[1] عندما ضعفت العصبية وأصبح لأهل الديوان الواحد نوع عصبية وتضامن؛ وذلك لما فهم رضي الله عنه من قصد الشارع إناطة الحكم بوصف التضامن الذي يمكن أن ينشأ عن النسب كما يمكن أن ينشأ عن الديوان، ففتح الباب للاجتهاد في أي شكل من التضامن وإن كان قد بدأ بالوضع فإنه لا يستبعد أن يكون بالعقد، وهنا يبرز الأصل الثالث الذي يتمثل في عقد الولاء، قال تعالى: ? وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ? وهذه الآية جعلت لإرادة المتعاقدين حظًا في التوريث الذي كان بالوضع، وهذه الآية وإن كان حكمها منسوخًا عند أكثر العلماء فقد تمسك بها بعضهم كالأحناف في تقريرهم للميراث بهذا النوع من الولاء بشروط.
وهذه الأصول وإن اختلف العلماء في ثبوت الحكم في بعضها وصلاحية ما ثبت فيها للقياس إلا أنها لا أقل من أن تصلح للاستئناس.
فالقياس إن لم يكن بتنقيح المناط من خلال إلغاء الفارق فلابد فيه من أصل معين مخصوص باسم لإلحاق الفرع به ويبقى باب الاستصلاح واسعًا لأنه استنباط حكم عن طريق المناسب المرسل، الذي لا يرجع إلى شاهد معين بل إلى كلي مصلحي في مرتبة الضرورة أو الحاجة عُلم اعتبار الشرع له في الجملة.
وانطلاقًا من هذا تكون الحاجة أصلا لهذا النوع، على أن يكون الدليل المنطبق على هذا الموضوع هو استحسان مبني على استصلاح وهو نوع من أنواع الاستحسان عند المالكية أو ما يسميه الأحناف القياس الخفي مقابل القياس الظاهر كما سيتبينه القارئ عند مطالعة الفقرة المتعلقة بالعقود ذات شائبة المعروف.
التأمين التجاري يعرف بأنه: ضمان يقدمه مؤمن إلى مؤمن له بتعويضه عن خطر محتمل مقابل نقود يدفعها أو اشتراك[2].
ويعرفه الفرنسي هيما بأنه: "عقد بموجبه يحصل أحد المتعاقدين - وهو المؤمن له في نظير مقابل يدفعه - على تعهد بمبلغ يدفعه له أو للغير -إذا تحقق خطر معين - المتعاقد الآخر وهو المؤمن الذي يدخل في عهدته مجموعة من هذه الأخطار يجري مقاصة فيما بينها طبقًا لقوانين الإحصاء"[3]  .
الانفصال الكامل لشخصية المؤمن "صاحب المشروع" عن شخصية المؤمن له "مالك وثيقة التأمين".
تهدف الهيئات الممارسة للتأمين التجاري أساسًا إلى تحقيق الربح؛ فالمال الذي يجمع من الأقساط يصبح ملكًا للمؤمن، والربح أو الخسارة عبارة عن الناتج عن زيادة الأقساط المتحصلة أو نقصها عن التكلفة الفعلية للتأمين مع ملاحظة تحميل قسط التأمين التجاري المقدر منذ بداية العقد بجزء لمقابلة الأرباح المراد تحقيقها.
يتميز التأمين التجاري بأن الأقساط التي يدفعها المؤمن لهم ثابتة منذ إبرام العقد تتحرر على أسس معينة وتبقى كذلك طيلة مدة العقد فيكون المؤمن لهم على علم بما يلتزمون به منذ البداية.
أما التأمين التكافلي فيقوم على فكرة بسيطة، وهي قيام جماعة بتجميع مبالغ من المال كل قدر وسعه وحسب طاقته ليتواسوا فيما بينهم، وذلك يرجع إلى الأصول الثلاثة السابقة.
تعريف التأمين التكافلي (التعاوني):
وقد ورد تعريف التأمين التكافلي في قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته بدبلن بما نصه: "والبديل الشرعي لذلك هو التأمين التكافلي القائم على تكوين محفظة تأمينية لصالح حملة وثائق التأمين؛ بحيث يكون لهم الغُنْم وعليهم الغُرْم، ويقتصر دور الشركة على الإدارة بأجر، واستثمار موجودات التأمين بأجر أو بحصة على أساس المضاربة، وإذا حصل فائض من الأقساط وعوائدها بعد دفع التعويضات فهو حق خالص لحملة الوثائق، وما في التأمين التكافلي من غرر يعتبر مغتفرًا؛ لأن أساس هذا التأمين هو التعاون والتبرع المنظم، والغرر يتجاوز عنه في التبرعات".
وعرفه بعضهم باعتباره نظامًا على أنه: «تعاون مجموعة من الأشخاص يسمون "هيئة المشتركين" يتعرضون لخطر أو أخطار معينة على سبيل التبرع لتلافي آثار الأخطار التي قد يتعرض لها أحدهم بتعويضه عن الضرر الناتج من وقوع هذه الأخطار، وذلك بالتزام كل منهم بدفع مبلغ معين يسمى "القسط" أو "الاشتراك" تحدده وثيقة التأمين أو "عقد الاشتراك" وتتولى شركات التأمين الإسلامية إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال باعتبارها مضاربًا، أو مبلغا معلوما باعتبارها وكيلا أو هما معًا».
و«أنه يقوم على مبدأ التعاون الإسلامي وأن أساسه عقد التبرع الشرعي وأن هذا التبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رضي الله عنه، وعلى ذلك فإن "عضو" ما يسمى "هيئة المشتركين" يصبح ملتزما بدفع القسط بمجرد توقيعه على عقد التأمين وإن كان أساس دفع القسط هو التبرع».
يسأل المؤمن في التأمين التجاري عن أداء التعويضات أو مبالغ التأمين دون إلقاء العبء على المؤمن لهم حتى لو طرأت ظروف غير متوقعة وغير عادية اضطرته إلى دفع مبالغ كبيرة تجاوز مجموع المبالغ التي تحصل عليها كأقساط محسوبة على أساس الظروف العادية والمتوقعة.
درجت القوانين الخاصة بالإشراف والرقابة على هيئات التأمين على اشتراط حد أدنى معين لرأسمال هيئة التأمين التجاري حتى تضمن قدرة الهيئة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المستفيدين من عقودها التأمينية المبرمة حتى في حالة انحراف النتائج الفعلية عن تلك المتوقعة والمتخذة أساسًا لحساب الأقساط.
تعمل بعض هيئات التأمين التجاري على الاستفادة من بعض مزايا التأمين التبادلي فصارت في بعض فروع التأمين تعطي المؤمن لهم قدرًا من الأرباح مما يحقق لهم استردادًا جزئيًا للأقساط التي دفعوها.
- أهم مميزات التأمين التعاوني:
اتحاد شخصية المؤمن "صاحب المشروع" وشخصية المؤمن له "حامل وثيقة التأمين" ومن هنا جاء وصف هذا النوع من التأمين بالتبادلي؛ حيث يؤمن الأعضاء بعضهم بعضًا فكل منهم مؤمن ومؤمن له في وقت واحد.
وتتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره شريكًا مؤمنًا من خلال نظام الهيئة الذي يلتزم به أو قرارات الجمعية العمومية التي هو أحد أعضائها أساسًا.
كما تتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره مؤمنًا له من خلال وثيقة التأمين والتي تخضع للأسس الفنية ذاتها التي تخضع لها وثيقة التأمين التجاري.
وتقتصر بذلك عضوية الهيئة التبادلية "التي هي عبارة عن عضوية اختيارية مفتوحة" على المؤمن لهم وهم المالكون لها وهم الذين يديرونها وهم الذين ينتفعون من خدماتها وهم متساوون في الحقوق أساسًا ولكل منهم صوت واحد فقط في الجمعية العمومية على خلاف ذلك في المساهمة للتأمين التجاري التي تعدد فيها الأصوات للمساهم الواحد بقدر ما يملك من أسهم في رأس المال.
عدم استهداف الربح والخلاص من الاستغلال الرأسمالي الذي تمارسه شركات التأمين التجاري:
إن الهدف الأساسي للهيئات التبادلية للتأمين هو تقديم خدمة التأمين للأعضاء بسعر التكلفة، بل بأقل تكلفة ممكنة، فلا وجود للربح في عناصر التكلفة التي يتحملها الأعضاء ولا تحتاج غالبًا إلى رأس مال للمشروع حيث تنشأ بين عدد كبير من الأفراد المعرضين لخطر معين يتشاركون في تحمل الخسائر التي تحل بأي منهم عند تحقق الخطر وهذا هو الأساس في وصفها بالتعاونية.
- رأس المال:
تتكون الهيئات التبادلية التعاونية أساسًا بدون رأس مال؛ حيث إنها لا تستهدف الربح كما تقدم ولا يوجد بها مساهمون يتقاضون أرباحًا لأسهمهم، وتلزم القوانين في بعض الدول الهيئات التبادلية برأسمال تأسيس يقدمه المؤسسون ويحصلون عليه عادة بوساطة الاقتراض وهو يقوم مقام رأسمال المساهمين في الشركات المساهمة للتأمين التجاري وتستهلك "تسدد" القروض خلال مدة عمل الهيئة.
- الاشتراكات والفائض:
تعتمد الهيئة التبادلية في توفير المال اللازم لعملها على اشتراكات الأعضاء والاحتياطيات التي تحرص على تكوينها بالشكل الكافي لمواجهة الانحرافات التي تتوقعها، وإذا اشترط مقدار من الربح أكثر لبعض الشركاء، سواء تفاوتوا في الأسهم أو تساووا لسبب أو آخر طبقًا للاتفاق كما هو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد، خلافًا للإمامين مالك والشافعي[4].
إن الهدف الأساسي للتأمين التكافلي هو تجنب محظورات التأمين التجاري وفي نفس الوقت الوصول إلى صيغ تكون فيها خدمة المؤمنين مساوية لشركات التأمين التجاري أو أفضل منها من بعض الوجوه، وبخاصة إذا كانت شركة المضاربة لها نشاط تجاري غير التأمين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك.
ويتميز التأمين التكافلي أساسًا بأن الاشتراكات أو الأقساط التي يدفعها المؤمن لهم قد تكون متغيرة حسب نتائج أعمال كل سنة، فللهيئة الحق في مطالبة أعضائها بأنصبتهم في العجز في الاشتراكات المحصلة عن التعويضات والمصروفات الفعلية، كما أن للأعضاء الحق في استرداد الفائض إن وجد.
وقد يكون ذلك من حيث المبدأ فقط بدفع نسبة مقدرة فقط تمثل الحد الأقصى المقدر للاشتراك، أو أن يتم دفع اشتراك ثابت فعلا لتتماشى والطريقة المثلى في الشرع إلا أنهم في الواقع - وفي الغالب - إنما يدفعون قسطًا ثابتًا.
إن تعريف المجلس الأوروبي إنما هو تعريف لصورة مفضلة من التأمين التكافلي؛ لأن التأمين التكافلي قد يأخذ صورًا متعددة كأن تأسس جماعة شركة مضاربة تقوم بالتجارة في موجودات الشركة ويلحقون بنظام الشركة عقدًا تكافليًا يلتزم فيه أعضاء الشركة بتأمين بعضهم البعض وحمايته من الأخطار سواء كان ذلك من ربح الشركة، وهو أمر جائز أن يتبرع المضارب بربحه.
وهناك صيغة أخرى طبقناها في بعض البلاد، وهي تكوين شركة مضاربة بأموال يقوم فيها بعض أعضاء الشركة بالإدارة لصالح الجميع فيكون لهؤلاء مزيد من الأرباح لأنهم مؤسسون ومشتركون بأموالهم وأبدانهم، وهو جائز على مذهب أحمد، وقد بين ذلك ابن قدامة حيث قال: "وأما المضاربة التي فيها شركة وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفًا ويأذن أحدهما للآخر في التجارة بهما فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زيد على النصف جاز لأنه مضارب لصاحبه في ألف ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف".
 وبعد شرح طويل قال: فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة [5]، وهو مذهب أبي حنيفة.
 ومما ذكرنا يتبين أنه قد تكون أفضل صيغة للتأمين الإسلامي أن تكون شركة مضاربة ومعها شركة أموال، فيمنح المساهمون الكبار وهم المضاربون بأبدانهم لتوليهم الإدارة وأرباب المال لاشتراكهم بأموالهم حصةً من الربح أكبر من حصص المشتركين حملة الوثائق لوجود التراضي، ولهذا فيكون لهؤلاء المشتركين في الجمعية العامة ممثلون، وهذا ما قررناه لشركة التأمين الإسلامي بموريتانيا.
وهي صيغة مختصرة وبسيطة تقوم على تأسيس شركة تجارية من مساهمين كبار تبرعوا بجزء من أموالهم لجبر الأضرار التي تنزل بهم ويلتحق مشتركون صغار بنفس الصيغة، أي أنهم شركاء بالأقساط التي دفعوها متضامنين مع الآخرين مع قبولهم بمنح جزء أكبر من الربح لهؤلاء المساهمين المؤسسين، وهي شركة تلزم بالقول وهذا مذهب مالك، قال خليل: "ولزمت بما يدل عرفًا كاشتراكنا".
1.   أن التأمين التقليدي يغلب عليه الغرر فيمكن أن يعبر عنه بأنه عقد هو الغرر بعينه كما قدمنا عن الباجي، وبالتالي فهو من الغرر الشديد الغالب المحرم فلا تجيزه الحاجة إلا في ظروف استثنائية.
وأن التأمين التكافلي يخف فيه الغرر وذلك لعنصر التبرع القائم عليه ومحدودية المؤمنين فتجيزه الحاجة، وهذا هو الفرق الأول.
2.   أن التأمين التكافلي عقد إرفاق ومعروف؛ لأنه مبني في نيته على التعاون ولهذا يغتفر فيه الغرر.
بخلاف التأمين التقليدي فالقصد الغالب فيه التجارة وكسب الربح ولهذا لا يجوز فيه الغرر، وهذا هو الفرق الثاني.
3.   الفرق الثالث أن الغرر في التأمين التقليدي أصل؛ لأن المؤسسة قائمة على كسبها من الحوادث التي لم تحصل، بينما الغرر في التكافلي إضافي وتبعي، وكما في مسألة الظئر والرضيع عن المواق.
العناصر الأساسية للتكافل:
- وأهم شيء في التأمين التكافلي ثلاثة عناصر:
1.   عنصر التبرع وهو تبرع للمتضرر من أعضاء الشركة بجزء من الربح أو بالربح بكامله، وهذا كما يجوز في المضاربة التبرع بجزء من رأس المال، وهذا جائز؛ لأنه يغتفر الغرر في التبرعات.
2.   عنصر الشراكة وهو اعتبار كل قسط يدفع إلى الشركة إنما هو قسط اشتراك وليس مدفوعًا في مقابل.
3.   عنصر اتحاد الشخص ذي الجهتين بين المؤمن - بصيغة اسم الفاعل - والمؤمن - بصيغة اسم المفعول - سواء أداروا الشركة بأنفسهم كشركة أبدان وأموال أو أداروها بواسطة جهاز إداري يمارس عملية وكالة بأجر [6].
إن أهم مشكلة فقهية يواجهها عقد التأمين وتقف عقبة في سبيل الحكم فيه بالجواز هي أنه عقد يشتمل على الغرر، وعليه فإني في هذا البحث الوجيز سألقي الضوء على تعريف الغرر وسند تحريمه وأنواع الغرر من شديد لا يختلف في تحريمه وخفيف جدًا لا يختلف في جوازه ومتوسط يختلف العلماء فيه بين من يلحقه بالشديد فيمنعه ومن يلحقه بالخفيف فيجيزه، مع النظر إلى اعتبار الحاجة التي من شأنها أن تبيح مثل هذه العقود.
فما هو الغرر؟ وأصل النهي عنه ومدى تأثير الحاجة في إلغاء حكمه؟
فالغرر عرّفه القرافي بأنه: "الشيء الذي لا يدرى هل يحصل أو لا". وعرّف الجهالة بأنها: "ما عُلم وجوده وجهُلت صفته".
وعرّف الجرجاني الغرر بأنه: "ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أو لا". «التعريفات».
وقيل: "ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول". قال الأزهري: "ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان"[7].
حكم الغرر:
بيع الغرر ممنوع شرعًا بعموم الكتاب لقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة : 188]. ومحرّم بنصوص السنّة؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.[8]
وأخرجه مالك في الموطأ مرسلا عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر[9].
علّق عليه الباجي بقوله: "نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فساده، ومعنى بيع الغرر - والله أعلم - ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه".
وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد البيع فإنه لا يكاد يخلو منه عقد، وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيها من الغرر هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟ فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه: من جهة العقد، والعوض، والأجل (المنتقى:5/41).
قلت: وجه ما ذكره الباجي وغيره أن مجرد وجود الغرر ليس مبطلا للعقد حتى يكون غالبًا ناشئًا عن كون إضافة البيع إلى الغرر هو من إضافة الموصوف إلى الصفة.
ووصف ابن مالك في «التسهيل» هذا النوع من الإضافة بأنه من شبه المحضة ومثل له بمسجد الجامع؛ لأن المسجد هو الجامع وذلك صفته، ومعنى هذا أن النهي وارد على بيع غرر وليس عن بيع فيه غرر، والفرق يدركه البصير بموارد الألفاظ.
وقال القرافي: "قاعدة: الغرر ثلاثة أقسام: متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء، ومتفق على جوازه كأساس الدار، ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه؛ كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما".
فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة؛ فـ (ح) يرى إن كان المبيع معلوم الأوصاف حقا للعبد فيجوز له التصرف فيه وإسقاطه بالشرط، وغيره يراه حق الله تعالى وأنه حجر على عباده في المعاوضة على المجهول.
و (ح) يرى أن غرر العيوب في شرط البراءة من الغرر المغتفر لضرورة البائع لدفع الخصومة عن نفسه، وغيره يراه من الغرر الممنوع لأنه قد يأتي على أكثر صفات المبيع، فتأمل هذه المدارك فهي مجال الاجتهاد، وانظر أيها أقرب لمقصود الشرع وقواعده فاعتمد عليه، والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد.[10]
ويقول النووي: "(فرع): الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه، ( فأما ) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك، فهذا يصح بيعه بالإجماع.
ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير (منها): أن الأمّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو باع حشوها منفردًا لم يصح، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام.
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلا فلا.
وقد يختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة وبيع الحنطة في سنبلها، ويكون اختلافهم مبنيًا على هذه القاعدة، فبعضهم يرى الغرر يسيرًا لا يؤثر، وبعضهم يراه مؤثرًا، والله سبحانه وتعالى أعلم.[11]
أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فإنه قيّد الحاجة بالشدّة عندما قال في حديثه عن الجوائح: "والحاجة الشديدة يندفع بها الغرر اليسير، والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها مصلحة راجحة أبيح المحرّم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟!" (الفتاوى)
- الغرر المضاف:
واعتبر المالكية أن الغرر إذا كان مضافًا لأصل جائز يغتفر للحاجة بخلاف ما لو كان الغرر أصلا في العقد فيبطل العقد، قال المواق: "ومن المدونة: من باع أمة وله رضيع حر وشرط عليهم رضاعته ونفقته سنة فذلك جائز إذا كان إن مات الصبي أرضعوا له آخر". (ابن يونس).
والفرق بين هذا وبين الظئر لا يجوز أن يشترط إن مات الطفل أن يؤتى بغيره، أن مسألة الأمة الغرر فيها تبع لأنه انضاف إلى أصل جائز، كقول مالك في بيع لبن شاة جزافًا شهرًا أنه لا يجوز، وأجاز كراء ناقة شهرًا واشترط حلابها، أصله جواز اشتراط المبتاع ثمرًا لو يؤبر - انظر بعد هذا عند قوله - وخلفه الفصيل. وقال أشهب: إلا أنه على قوله يعطي الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة في العقود إذا قال: وعسر الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة باطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع. وانظر بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير لا لتبعية في بيع الحلي- من ابن يونس–[12].
وهذا الكلام واضح في أمرين: أحدهما أن الغرر قد يجوز تبعًا للحاجة ويجوز منه اليسير، وأن الربا لا يجوز منه قليل ولا كثير.
وهذه نصوص تبين حدود تأثير الحاجة في المنهيات وذلك بحسب مرتبة النهي، فما كان في مرتبة وسطى كالغرر تؤثر فيه بشروط، وما كان في مرتبة عليا لا يتأثر بها.
تعامل العلماء معها تعاملا يعتمد على المقاصد وذلك من وجهين: من جهة قصد العاقد إسداء النفع وتقديم الخير للآخرين، ومن جهة ما علم من قصد الشارع إلى تشجيع عمل البر والمعروف.
وقد تفطن الفقهاء لذلك فخصصوا به عموم النهي وحدوا به من اطراد القاعدة، وهذا النوع من تخصيص الكلي يعتبر من صميم الاستحسان، وتوضيحًا لذلك نقول: إن العقود تنقسم إلى: معاوضات، وتبرعات، فالأولى يمتنع فيها الغرر والجهالة وغيب السلعة... إلى آخره.
أما الثانية فلا يمتنع فيها شيء من ذلك، إلا أننا نجد أن الفقهاء رتبوا أحكامًا خاصة لعقود هي في أصلها معاوضات يمتنع فيها الربا ويمنع فيها من حيث الأصل والأساس الغرر وعيوب الإرادة، غير أنهم عولوا فيها على شائبة الإرفاق فأجازوا مداخلة الغرر لها تشجيعًا للمعروف بين الناس. والقطوف التالية توضح ذلك؛ قال في التوضيح: والأصل منعها "الزيادة القليلة في المبادلة" إلى قوله: ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار إبداله معروفًا، والمعروف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره".
إلى أن قال: ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض، ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع فإذا كان على وجه القرض جاز[13].
وقال ابن رشد في سماع ابن القاسم المتقدم: ظاهر هذه الرواية جواز بدل الطعام المعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير ومنعه أشهب كالدنانير الكثيرة النقص".( 4/333)
قال ابن رشد: كره مالك أن يعطي الرجل المثقال ويأخذ أربعة وعشرين قيراطا معدودة مراطلة؛ لأن الشيء إذا وزن مجتمعًا ثم فرق زاد أو نقص، وأجاز ذلك ابن القاسم استحسانًا على وجه المعروف في الدينار الواحد، كما أجازوا مبادلة الدينار الوازن بالناقص على وجه المعروف. (المواق4/333)
وقد أجاز مالك أن يؤجر الخياط على ما يحتاج هو وأهله من الثياب في السنة، والفران على خبز ما يحتاج إليه من الخبز سنة أو شهرًا إذا عرف عيال الرجل وما يحتاجون إليه من ذلك.
وقد علل ابن يونس ذلك بأن أكل الناس معروف والخياطة قريب منه.
وأجاز مالك الهبة لغير ثواب مسمى، قال: لأنه على وجه التفويض في النكاح".[14]
وهو شبيه بهبة الثواب عند مالك، قال خليل: "وجاز شرط الثواب، ولزم بتعيينه وصدق واهب فيه إن لم يشهد عرف بضده".
قال الزرقاني: والحاصل أن هبة الثواب كالبيع في أكثر الحالات فيما يحل ويحرم من عوضها إلا أنه إنما يجوز فيها في العين بأكثر، حيث جرى فيه عرف كما قال القابسي وقوله في أكثر الحالات لأنها تخالفه في أقلها، وذلك في ستة أمور جوازها مع جهل عوضها حين عقدها، وأنه لا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول ولا تفيتها حوالة السوق، وعوضها إنما يلزم بتعيينه ويجوز مع جهل أجل العوض، ولا يجوز تعويضها بأكثر من قيمتها إلا لعرف.( 7/109)
ومن هذا القبيل تأثير الحاجة معتمدة على اشتمال العقد على معنى الرفق والمعروف، فقد يكون العقد في أصله حرامًا ولكنه يباح للحاجة بناءً على ما علم من التفات الشارع للمعروف والرفق.
ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ"أعني بغلامك لأعينك بغلامي".
وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجًا بشارحه الزرقاني: "وجاز أعني بغلامك على حرثي ونحوه لأعينك بغلامي. أراد أو نفسي على حرثك أو غيره. ولذا حذف متعلق حال كون ذلك، إجارة لا عارية، لأنها بغير عوض وهذا بعوض، تحدث المنفعة أم لا، تساوى زمنها أو اختلف، تماثل المعان به للآخر أم لا، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل. وهذه إجارة ومعلوم أن الإجارة كالبيع. أركانها، والركن الثاني - الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفًا قدرًا وصفة". هذا كلام ابن عرفة (المواق:5/389).
وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها؛ لأنها قد تكون ثورًا في مقابل غلام، وقد تكون حرثًا في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني (نفس المرجع).
قال ابن شاس: لو قال أعني بغلامك يومًا وأعينك بغلامي يومًا فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة، لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق (المواق:5/269).
وسمع القرينان لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعني خمسة أيام وأعينك خمسة أيام في حصاد زرعك ودرسه وعمله (ابن رشد).
لأنه من الرفق فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك وإنما يجوز ذلك فيما قل وقرب من الأيام وإن اختلفت الأعمال (المواق: 4/418).
قلت: قوله فكان ذلك ضرورة إلى آخره معناها هنا الحاجة كما قدمنا. وكذلك نصوا على أن (قولهم الصفقة تفسد إذا جمعت حلالًا وحرامًا مخصوص بالمعاوضات المالية بالبيع والشراء) (في الزرقاني: 7/79)
قال في معرض التعليق على بعض عقود الوقف التي تجمع حلالًا وحرامًا، ومعناه أن التبرعات لا تبطل بالجمع بين الحلال والحرام بل يبطل فقط الجزء الذي تعلقت به الحرمة ويصحح غيره وذلك لأن عقود المعروف والرفق يتسامح فيها نظرًا لقصد الشارع العام في إيقاعها ما لا يتسامح في غيرها، ويغتفر فيها من الخلل الذي تدعو إليه الحاجة ما لا يغتفر في عقود المكايسة المحضة.
ومن هذا القبيل ما ذكر ابن يونس في جامعه وهو يعلل بعض عقود الصرف: "انظر هل العلة أنهم إذا قصدوا الإقالة جاز لأنها معروف، وإذا قصدوا التبايع لم يجز لأنها مكايسة. فيجب على هذا إذا ابتاع حنطة بوازن فأعطاه ناقصًا ورد عليه من الحنطة، إن قصدوا التبايع لم يجز ولو قصدوا الإقالة فقال المشتري وقد وجد ديناره ينقص سدسًا أقلني بهذا النقص من سدس الطعام وخذ الدينار الناقص لجاز" (كتاب الصرف من ابن يونس).
في هذه المجالات برز إعمال الحاجة لتصحيح خلل مضاف للعقد وليس متبوعًا في تصحيح خلل يتعلق بعقد إرفاق ومعروف. ( يراجع بحثنا: الضرورة والحاجة لمزيد من التفصيل).
الضمان شغل ذمة بالحق وصح "ولزم" من أهل التبرع إلى أن قال: وصح الضمان عن "الضامن" وإن تكرر بأن ضمن ضامن أو متعدد وضمن الضامن ضامن كذلك وهكذا. (خليل بشرح الزرقاني 6/3).
وبعد أن قرر العلماء امتناع الضمان بجعل فإنهم استثنوا منه حالة اشتراء سلعة يدين شركة من طرف اثنين أو أكثر ويضمن كل منهم صاحبه في قدر ما ضمنه فيه فإنه جائز وبيعهما سلعة أو اقتراضهما.
حسب الزرقاني تعليقًا على قول خليل لا في اشتراء شيء بينهما أو بيعه "كان أسلمهما شخص بشيء وتضامنا فيه" كقرضهما، فالتضامن جائز على الأصح عند ابن عبد السلام وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار خلافًا لابن الفخار ورآه سلفًا جر منفعة وعلل الجواز في هذه الأمور الثلاثة بعمل الماضين.
ويترتب على التضامن بين المشترين قول خليل: فإن اشترى بستمائة بالحمالة فلقي أحدهم أخذ منه الجميع ثم إن لقي "المؤدي" أحدهم أخذه بمائة لأصالة ثم بمائتين "حمالة" ثم إن لقي أحدهما ثالثًا أخذه بخمسين وبخمسة وسبعين فإن لقي الثالث رابعًا أخذه بخمسة وعشرين وبمثلها ثم أخذه باثني عشر ونصف وستة وربع فإن لقي سادسا أخذه بستة وربع"، وهناك صور لقي الأول الثالث بعد أن لقي الثاني (يراجع الزرقاني).
من المدونة إن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قضي لفلان على فلان أو قال أنا كفيل لفلان بماله على فلان وهما حاضران أو أحدهما غائب لزمه ما أوجبه على نفسه من الكفالة والضمان لأن ذلك معروف والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه". (المواق: 5/100).
وقال البرزلي يجري على ضمان ما لا يضمن في الإجارات والعواري وفيه خلاف. (الحطاب 5/391).
من هذه النصوص يمكن حل إشكالية ضمان المشتركين بعضهم لبعض أو تبرع الشركة المديرة بالضمان.
 في مطلع هذا البحث أشرنا إلى الأدلة الكبرى التي تبين مقاصد الشريعة في هذا العقد وأمثاله من عقود التعاون والمشاركات، وهي مقاصد من شأنها أن تخصص ما علم من مقصد الشارع في منع الغرر والجهالات.
وأن التأمين التكافلي بصيغه المختلفة يمكن تخريجه على عقود تبيحها الحاجة، وبخاصة تلك التي تشتمل على شائبة المعروف التي تجيز الغرر ويكون تضامن المؤمنين مسموحًا فيه بشائبة الجعل.
كما أن ضمان الهيئة المأجورة على الإدارة يمكن أن يخرج على مسألة المدونة، وهي الالتزام بالكفالة.
وباختصار فإن التأمين الإسلامي يمكن أن يصاغ في شكل عقد مضاربة وشركة أموال معقودة على التبرع بالربح أو جزء من رأس المال للمتضرر من أرباب المال والمضاربين الذين يشكلون جمعية إدارة الشركة، وأن هذا العقد الجديد بهذا الشكل يجوز مع اشتماله على قدر من الغرر؛ لأنه عقد معروف ورفق وأن التبرع لاحق بالعقد والغرر في لواحق العقد وفي سوى وجه الصفقة يجوز للحاجة كما أوضحنا في مبحث الفرق بين الضرورة والحاجة في كتابنا "صناعة الفتوى".
كما أن الشروط والضوابط الشرعية يجب توفرها كما تجب الإشارة إلى نقطة أخيرة، وهي أن شركات التأمين التكافلي يجب أن ينص نظامها على عدم التعامل بالربا.
وخلاصة القول: إن شركات التأمين التكافلي عليها أن تحاول صياغة عقودها من جديد على ضوء العناصر التي أشرت إلى بعضها وأن توحد  إن لم يكن هيكلها فعلى الأقل أسس أنظمتها لإحداث شيء من الانسجام والاقتراب ما أمكن من العقود الشرعية للشركات.
وختامًا.. فالفرق واضح بين التأمين التقليدي وبين التأمين التكافلي لمن له دراية بالفقه أو عناية بالاستنباط {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة:100].
وأخيرًا.. فقد يكون من المناسب عقد ندوة خاصة بالتأمين لتأصيل المعاني التي وردت وسترد في البحوث والدراسات الأخرى ووضعها في القوالب التنظيمية العملية واقتراح الأدوات الكفيلة بتطبيقها. والله تعالى وتقدس ولي التوفيق.

[1] وإلى فعل عمر ذهب أبو حنيفة ومالك في أحد قوليه وهو في العتبية والمازونية ومشى عليه خليل في مختصر حيث يقول:" وبدئ بالديوان إن أعطوا". خلافاً لمذهب المدونة.
أما الشافعي وأحمد فيريان أن العاقلة هي عصبة النسب فقط وهي رواية المدونة عن مالك فلهذا فقد اعتمدها الشروح بناء على أن العاقلة أصل على غير قياس كما بينه الشافعي من كون الأصل أن الأنسان هو الذي يضمن جنايات نفسه ومن قال بالقياس رءاه أمراً معقول المعنى.
وقد عبر إمام الحرمين عن المعنى الذي فهم منه بقوله: والمقدار الذي ذكره العلماء في المعنى الذي فهموه من غرض الشارع –وإن كان لا يستند على السبر اعتبارُه- أن العرب كانت تتناصر ويذبّ بعض العشيرة عن البعض، بالنفس والمال، ويناضل البعض دون البعض، فورد الشارع بإعانة المخطئ إذا ورد منه زلل، وقد كانوا يتعاطون استعمال الأسلحة للتدرب بها، ولا يبعد إفضاء استعمالها في وجوه من الخطأ، فهذا ما تخيله الناظرون على البعد، وإنما ذكرناه لأنا في تفصيل المسائل قد نعتضد بأطراف هذا المعنى.
وما قاله إمام الحرمين في تعاطى العرب للسلاح مبررا تشريع العاقلة، فإن الأخطار التي نجمت عن ... الحديثة التي تفضى إلى أنواع من الحوادث غير مسبوقة تبرر بدون شك إيجاد وسائل لتفتيت الديات وبجبر الأضرار والتعاون على الكوارث والأخطار.
[2] لاروس الصغير الفرنسي.
[3] الوسيط للسنهوري  7/1090
[4] والدليل على جواز ذلك عند الحنابلة قول الخرقي:( والربح على ما اصطلحا عليه ) قال ابن قدامة : يعني في جميع أقسام الشركات.
 وبعد ذكر الإجماع في المضاربة على أن الأمر فيها على ما يتفق عليه بين رب المال والمضارب تعرض" لشركة العنان" وهو أن يشترك بدنان بماليهما فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين. ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال وبهذا قال أبو حنيفة.
 وذكر خلاف مالك والشافعي رحمهما الله تعالى .
 وقال في : شركة الأبدان فهي معقودة على العمل المجرد وهما يتفاضلان فيه مرة ويتساويان أخرى فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل كما ذكرنا في شركة العنان بل هذه أولى لا نعقادها على العمل المجرد...
 وأما شركة الوجوه فكلام الخرقي بعمومه يقتضى جواز ما يتفقان عليه من مساواة وتفاضل .
 وهو قياس المذهب لأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه فكذلك هذه.
 وذكر خلاف القاضي في هذه الأخيرة فقط ورد عليه ثم قال : وأما المضاربة التي فيها شركة وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفاً ويأذن أحدهما للأخر في التجارة بهما فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زيد على النصف جاز لأنه مضارب لصاحبه في ألف ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف .....
 وبعد شرح طويل قال : فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة .( المغني 7/ 138-139-140 دار هجر)
يبقى إشكال واحد هو موقع الجزء المتبرع به في عقد الشركة فيمكن أن يكون ذلك في صلب عقد المضاربة من باب اشتراط بعض الربح للمضارب أو رب المال ولو شرطه لمن شاء المضارب فإن شاءه لنفسه أو لرب صح الشرط .( الدر المختار   )
وقول المالكية في اشتراط جميع الربح ( وجاز "الربح" أي اشتراطه كله لأحدهما أو لغيرهما من رب المال والعامل لأنه من باب الهبة فإن اشترطه لمعين قضي له به إن قبل) يراجع الزرقاني 6/219 وغيره من كتب المالكية وهذا يحل المشكلة.
 فالشركة تقوم على اشتراط جزء لأرباب المال وذلك جائز ولو كان لأجنبي معين حكم له به ولو كان لغير معين وجب من غير قضاء وبذلك تعرف أنه لا داعي إلى تخريجه على مسألة ملكية الهبة بالقول لأن المسألة منصوصة في القراض .
 ويضاف إلى التبرع بالربح التبرع بجزء من رأس المال وهو تبرع مشروط بالحاجة ومع أن هذا العقد فيه تلفيق لأقوال العلماء فإن ذلك يجوز للحاجة التي تبيح محرمات الوسائل والتي تبيح عقود الرفق والمعروف كما في مسألة المالكية المعروفة بأعنى بغلامك على أن أعينك وهي إجارة في الأصل فاسدة أجازه ابن القاسم و رآه من الرفق - حسب عبارة المواق 5/269-
[5] ابن قدامة المغني /138-139-140
[6] قرار المجلس الأوربي : التأمين وإعادة التأمين:
ناقش المجلس البحث والأوراق المقدمة إليه في موضوع التأمين وما يجري عليه العمل في أوربا، واطلع على ما صدر عن المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات العلمية بهذا الشأن، وانتهى إلى ما يلي :
أولا: مع مراعاة ما ورد في قرارات بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري -الذي يقوم على أساس الأقساط الثابتة دون أن يكون للمستأمن الحق في أرباح الشركة أو التحمل لخسائرها- ومشروعية التأمين التعاوني - الذي يقوم على أساس التعاون المنظم بين المستأمنين، واختصاصهم بالفائض – إن وجد – مع اقتصار دور الشركة على إدارة محفظة التأمين واستثمار موجوداتها- فإن هناك حالات وبيئات تقتضي إيجاد  حلول لمعالجة الأوضاع الخاصة، وتلبية متطلباتها، ولا سيما حالة المسلمين في أوروبا حيث يسود التأمين التجاري، وتشتد الحاجة إلى الاستفادة منه لدرء الأخطار التي يكثر تعرضهم لها في حياتهم المعاشية بكل صورها، وعدم توافر البديل الإسلامي ( التأمين التكافلي) وتعسر إيجاده في الوقت الحاضر، فإن المجلس يفتي بجواز التأمين التجاري في الحالات التالية وما يماثلها:
1.     حالات الإلزام القانوني مثل التأمين ضد الغير على السيارات والآليات والمعدات، والعمال والموظفين ( الضمان الاجتماعي، أو التقاعد) وبعض حالات التأمين الصحي أو الدراسي  ونحوها.
2.     حالات الحاجة إلى التأمين لدفع الحرج والمشقة الشديدة، حيث يغتفر معها الغرر القائم في نظام التأمين التجاري.
ومن أمثلة ذلك:
1.     التأمين على المؤسسات الإسلامية كالمساجد، والمراكز، والمدارس، ونحوها.
2.     التأمين على السيارات والآليات والمعدات والمنازل والمؤسسات المهنية والتجارية، درءا للمخاطر غير المقدور علي تغطيتها، كالحريق  والسرقة وتعطل المرافق المختلفة.
3.     التأمين الصحي تفاديا للتكاليف الباهظة التي قد يتعرض لها المستأمن وأفراد عائلته، وذلك إما في غياب التغطية الصحية المجانية، أو بطئها، أو تدني مستواها الفني.
ثانياً: إرجاء موضوع التأمين على الحياة بجميع صوره لدورة قادمة لاستكمال دراسته.
ثالثاً: يوصي المجلس أصحاب المال والفكر بالسعي الحثيث لإقامة المؤسسات المالية الإسلامية كالبنوك الإسلامية، وشركات التأمين التكافلي الإسلامي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
التأمين على الحياة:
ناقش المجلس البحوث المقدمة إليه حول التأمين على الحياة، واطلع عل ما صدر عن المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات العلمية بهذا الشأن.
وبعد المناقشة والتحاور حول جوانب هذا الموضوع وما عليه أحوال المسلمين في أوروبا وسائر البلاد غير الإسلامية، ومع مراعاة ما يجري عليه العمل في شركات التأمين التجاري والتأمين التعاوني في أوروبا انتهى إلى ما يأتي:
أولاً: تأكيد ما صدر عن المجلس في دورته السادسة حول موضوع التأمين وإعادة التأمين.
ثانياً: تأكيد ما صدر عن بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري على الحياة، وجواز التأمين التعاوني إذا خلا عن الربا والمحظورات الشرعية، وعلى ما صدر من الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي التي حضرها ثلة من الفقهاء المعاصرين والاقتصاديين في 1413 هـ - 1992 م وانتهت إلى إصدار الفتوى التالية:
1.     التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً لاشتماله على الغرر الكثير، والربا والجهالة.
2.     لا مانع شرعاً في التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني (التكافلي) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساط غير مرتجعة[6]، وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين والمبدأ الذي لا يتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها العامة.
ثالثاً: ومع ما سبق فإن حالات الإلزام قانونياً ، أو وظيفياً، مسموح بها شرعاً، إضافة إلى ما سبق استفتاؤه في قرارات الدورة السادسة.
[7] الزبيدي تاج العروس  3/443
[8] شرح مسلم للنووي   11/156
[9] الباجي  المنتقى على الموطأ     5/41
[10] القرافي الذخيرة  5/93
[11] النووي  المجموع  9/258
[12] المواق  حاشية على مواهب الجليل  4/365
[13] الحطاب  مواهب الجليل 4/ 322
[14] المواق حاشية على مواهب الجليل   5/390


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق