عقود التبرع في مدونة الحقوق العينية – الهبة نموذجا –

من إنجاز الطالبين الباحثين: محمد بدوادي - يوسف التامر
طلبة ماستر القانون المدني المعمق بجامعة ابن زهر بأكادير


مقدمة
   درجت التقسيمات الفقهية على تقسيم العقود وفقا للآثار المترتبة عنها الى عقود معاوضة وعقود تبرع، و عقود المعاوضة هي  ذلك الصنف من العقود التي يلتقى فيه المتعاقدين عوضا لما أعطاه، بينما يقصد من عقود التبرع تلك العقود التي لايأخد فيها أحد المتعاقدين عوضا لما أعطاه، ويدرج في إطار هذه الأخيرة مجموعة من التصرفات القانونية، منها ما يقوم على أساس إرادة منفردة كالوصية و الوقف، ومنها ما يلزم لقيامه توافر إرادتين كالعمرى والصدقة و الهبة.

وقد أحاط الفقه الإسلامي نظام التبرع بعناية شديدة، إرشادا وترغیبا، تنظیما وتشریعا، ولا أدل على ذلك من المصنفات الفقهیة الضخمة في احكام التبرعات ومدونات النوازل والوقائع التي تضمنت القضایا والمسائل العدیدة في مختلف سبل التبرع. وقد أخدت عن الفقه الإسلامي قواعده في هذا الباب الكثير من التشريعات القانونية العربية مع بعض الاختلاف حول جزئيات في أحكام العقود والتصرفات التي ترد بشأنها.

 ويقصد بالتبرع بصفة عامة تمليك شيء بغير عوض لجهة معينة سواء كانت شخصا ذاتيا أم معنويا، فإذا كان محل هذا الشيء رقبة أو عينا وصف العقد صدقة أو هبة، أما إذا كان هذا الشيء منفعة وصف العقد حبسا أو عمرى.

    وقد نظم القانون المغربي أحكام معظم هذه العقود كالوقف في مدونة الأوقاف[1]، والوصية في مدونة الأسرة[2]، والعمرى والصدقة والهبة في مدونة الحقوق العينية[3]، على اعتبار أن عقود التبرع متعددة وتختلف عن بعضها البعض تبعا لخصائصها وأحكامها. وقد ارتأينا قصر هذه الدراسة على أحكام عقد الهبة لاعتباره من أهم عقود التبرع الذي ترد على الأموال حال حياة المتبرع. و تتضمن أحكامها القواعد العامة بشأن بعض أنواع التبرعات الأخرى[4].  والهبة في القانون المغربي عمد المشرع إلى تعريفها من خلال المادة 273  بأنها تمليك  عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض.

   عقد الهبة وإن كان من العقود المنظمة مند سنة 2011 في مدونة الحقوق العينية، فإنه من العقود المتداولة كثيرا قبل صدور المدونة في المجتمع المغربي، ذلك أن له مرجعية إسلامية قبل أن تكون له مرجعية قانونية، لذلك فقبل دخول مدونة الحقوق العينية حيز التطبيق، كان الفقه والقضاء يسـتعينان بقانون الالتزامات والعقود[5] باعتباره المصدر الذي يرجع إليه في حالة غياب نص تشريعي خاص وواضح في معاملات الافراد المالية، وكان الاعتماد كذلك أكثر على المشهور و ما جرى به العمل من فقه المذهب المالكي.

أهمية الموضوع:
لعل أهمية عقد الهبة كنوع بارز من عقود التبرع تكمن من ناحية قانونية في كونه مصدرا من المصادر الإرادية للالتزام. وينطوي على التصرف في مال مملوك للشخص لفائدة شخص اخر دون مقابل أو عوض، فهو بهذا تصرف بلا مقابل يحتاج في حد ذاته الى إحاطته بالدراسة وبحث جميع الضوابط القانونية التي يختص بها. أما من ناحية أخرى عملية فالهبة تصرف قانوني لم يعهد التنظيم الا ابتداء من سنة 2011 بعد صدور م .ح .ع، والمشرع المغربي يلاحظ عليه أنه لم يتوقف على استقرت عليه قواعد الفقه الإسلامي المستمدة خاصة من الفقه المالكي في تنظيمه لقواعد وأحكام الهبة، وإنما تصرف فيها بما يجعلها أحيانا تلائم التطور الحاصل بشأن العلاقات التعاقدية للافراد وأحيانا أخرى بشكل تخالف ضوابط التبرع كما هي معهودة في الفقه الإسلامي والممارسة العرفية. وهذا شكل بداية طرح بعض الإشكالات القانونية التي تطرح في الواقع العملي بشأن الهبة.

إشكالية الموضوع:
على كل ماسبق فإن موضوع الهبة -كنموذج من عقود التبرع- يطرح إشكالية أساسية تتجلي في مدى توفق المشرع المغربي لتنظيمه عقد الهبة في الحفاظ على خصوصيات هذا العقد، وتوفير ضمانات كافية لمختلف  أطرافه ؟

تتفرع عن هذه الإشكالية العديد من التساؤلات الفرعية نذكر منها:
-       ما مفهوم الهبة؟
-       ما هي القواعد القانونية التي يخضع لها عقد الهبة في تكوينه؟
-       ما الطبيعة القانونية لعقد الهبة؟
-       وما هي الاثار المترتبة عن عقد الهبة؟

المنهج المعتمد:
لمعالجة الإشكالية المطروحة ومعها هذه التساؤلات المتفرعة عنها ارتأينا مراعاة لما تفرضه طبيعة الموضوع الاعتماد على المنهج التحليلي والوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج الاستدلالي.

الخطة المعتمدة:
وبناء على ضرورة الإحاطة بعقد الهبة من جميع جوانبه بادرنا الى تقسيم هذه الدراسة الى مبحثين أساسيين على النحو التالي:

-       المبحث الأول: النظام القانوني لعقد الهبة في ضوء مدونة الحقوق العينية
-       المبحث الثاني: الاثار القانونية لعقد الهبة.

المبحث الأول: النظام القانوني لعقد الهبة على ضوء مدونة الحقوق العينية
يشمل النظام القانوني لعقد الهبة مجموعة من القواعد والأحكام ويضع كافة الأركان والعناصر والشروط اللازمة لقيام الهبة، ولعل أن المشرع المغربي قد أحسن في تنظيمه للهبة ضمن مقتضيات م.ح.ع، بحيث أخضع هذا العقد الى الأحكام العامة الواردة في ظل هذه المدونة وحاول صياغة مختلف القواعد المرتبطة به بما يتلائم مع طبيعة الحقوق العينية العقارية التي يرد عليها. باعتبار أن الهبة ترتبط أكثر بالعقار ويقع هذا الأخير في كثير من الحالات محلا لها.

وعليه فإن دراسة النظام القانوني لعقد الهبة يقتضي معالجة ماهية هذا العقد (المطلب الأول) وكيفية إبرامه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: ماهية عقد الهبة
كان عقد الهبة في التشريع المغربي يخضع في تنظيمه لأحكام ومقتضيات الشريعة الإسلامية المستمدة من الفقه المالكي. وقد إستمر هذا العمل بهذا التنظيم الى حين صدور م.ح.ع لسنة 2011. حيث أفرد المشرع المغربي لتنظيم عقد الهبة الباب الثاني من القسم الأول المعنون بأسباب كسب الملكية، من المادة 273 إل المادة 289 من القانون 39.08 المتعلق بم . ح . ع.

والملاحظ أن المشرع تطرق خلال هذه المواد الى تعريف الهبة وعمل على تبيان عناصرها وتحديد اثارها وأحكام الاعتصار فيها. لذا سنعمل على استقراء ماهية عقد الهبة على ضوء ما تضمنته م . ح . ع من تعريف لها  (الفقرة الأولى) ومحاولة تمييزها عن غيرها من عقود التبرع المشابهة لها ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف عقد الهبة
   الهبة في اللغة: مصدر وهب الشيء أو الحق بمعنى أعطاه بلا عوض، والهبة هي العطية بدون عوض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا، والوهاب من أسماء الله الحسنى[6]. قال تعالى: " إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ "[7]، وقال سبحانه: " أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ "[8]، وقال عز وجل: " يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ "[9].

   والهبة في الإصطلاح الفقهي هي تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض[10]، فالهبة عقد بين الأحياء، ناقل للملكية وليس للمنفعة فقط، حيث يتنازل الواهب عن الملكية التامة للشيء أو الحق الموهوب، وتكون لوجه المعطى أي الموهوب له، بدون عوض؛ يترتب عليها افتقار من جانب الواهب وإثراء من جانب الموهوب له.

   وقد أكد أحد الفقهاء على أنه لا يكفي لتحقق الهبة أن يتصرف الواهب في مال له دون عوض، بل يجب إلى جانب ذلك قيام العنصر المعنوي المتمثل في نية التبرع، فقد يتصرف الشخص في ماله دون عوض ولا تكون عنده نية التبرع، كأن يوفي بالتزام طبيعي، فيكون تصرفه هذا وفاء لا هبة[11].

   يمكن القول أن هذا المثال وغيره، لا يقوى على نفي نية التبرع في التصرف، لأن التصرف بدون عوض يكون مستصحبا لنية التبرع ولو كان من ورائه هدف أو مطمع آخر، وذلك لأن الأداء فيه وقع بدون مقابل وبطواعية واختيار دون إجبار، وكذلك لأن نية التبرع مسألة وجدانية، لا سبيل للدلالة عليها في الظاهر، والعبرة في تكييف عقود التبرع إنما هو في ثبوت عدم العوض من عدم ثبوته[12].

أما مفهوم الهبة في الاصطلاح القانوني فقد وضعت أغلب التشريعات القانونية تعاريف لعقد الهبة[13]. ومن ضمنها ما أورده المشرع المغربي في المادة 273 من القانون 39.08 حيث عرف الهبة بأنها " تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض".   وفي محاولتنا خلال هذا الشق من هذه الدراسة في تحديد مفهوم عقد الهبة لابد لنا من الوقوف على ملاحظتين بشأن تعريف المشرع المغربي لعقد الهبة في المادة 237 المذكورة.

 الملاحظة الأولى هي أن المشرع المغربي استبعد هبة المنقول في تعريفه للهبة، ولذلك يرى بعض الفقه أنه كان على المشرع اعتماد عبارة مال أو حق مالي بدل حصر التعريف في العقار والحق العيني العقاري[14]، على اعتبار أن الهبة يمكن أن تنصب على المنقول أيضا، ذلك أن المال له مفهوم واسع يشمل الأشياء التي لها قيمة اقتصادية، سواء منقولة أو غير منقولة، كما يشمل الحقوق التي يمكن أن تترتب على هذه الأشياء[15].و قد تنبهت أغلب التشريعات المقارنة في تنظيمها لعقد الهبة الى  هذه المسألة ووسعت من نطاق الهبة ليشمل على غرار الأملاك العقارية والحقوق العينية المترتبة عليها جميع الأموال المملوكة للواهب.

ويمكن من الإشارة من هذه التشريعات الى التشريع التونسي الذي أورد بمقتضى الفصل 200 من مدونة الأحوال الشخصية مصطلح المال بدل الملك أو العقار. حيث نص على أن الهبة:" عقد بمقتضاه يملك شخص اخر مالا بدون عوض. ويجوز للواهب دون أن يتجرد عن نية التبرع أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين وتسمى هبة عوض''. و كذلك المشرع المصري الذي يسير على نفس الإتجاه إذ نص في المادة 486 من تقنينه المدني على أن :'' الهبة عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مال له دون عوض''.[16]  كما الشأن بالنسبة لما أقره المشرع الفرنسي في قانونه المدني[17] بموجب المادة 894 حيث نصت على أن:'' الهبة بين الأحياء هي عقد يتجرد بمقتضاه الواهب حالا وبدون رجعة فيه من الشيء المعطى لصالح الموهوب له الذي يقبل''.  غير أن بعض التشريعات الأخرى أغفلت الإشارة مطلقا لمحل العقد ضمن تعريف الهبة كما هو شأن التشريع الجزائري الذي أورد بمعرض تعريفه للهبة في المادة 202 من القانون رقم 84-11 المتضمن قانون الأسرة[18] أن '' الهبة تمليك بلاعوض''.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بمحل الهبة الذي يشمل بمقتضى المادة 273 المذكورة الحقوق العينية العقارية كلها دون تخصيص، فمصطلح الحق العيني الوارد في هذه المادة – والذي حددته المواد 8، 9، 10، من م.ح.ع – منه ما يقع على أعيان العقارات ومنه ما يقع على منافعها[19]، والهبة كما تقدم عن موقف المشرع المغربي تمليك عقار أو حق عيني عقاري بدون عوض.   لذلك فبما أن م. ح. ع خصصت أحكاما مستقلة لهبة المنافع كالعمرى، فإنه يمكن حصر مصطلح الحق العيني الوارد في المادة 273 على الحقوق المتعلقة بالأعيان لا على مجرد المنافع منها، فيخرج بذلك حق الانتفاع والاستعمال والعمري والوقف[20] من محل الهبة، وتبقى الحقوق الأخرى جارية بجريان الهبة على ذواتها، كما هو الحال في هبة حق السطحية أو الزينة أو الارتفاق أو الهواء[21].

الفقرة الثانية: تمييز عقد الهبة عن غيرها من عقود التبرع
يعتبر عقد الهبة من العقود المسماة التي عمل المشرع المغربي على تنظيم أحكامها بمقتضى م. ح. ع[22]، بحيث أفرد 17 مادة ضمن مواد هذه المدونة. ونظرا للطابع التبرعي لهذا العقد. جعل المشرع أحكامه مأطرة لباقي أنواع عقود التبرع الأخرى. وهو ما يمكن استنتاجه من إحالة المشرع في تنظيمه لعقد الصدقة بموجب المادة 291 من م. ح. ع [23]على أحكام الهبة.

والهبة كذلك عقد بدون عوض فهي من عقود التبرع إذ أن الواهب يتصرف في مال له منقولا كان أوعقارا دون مقابل يلتزم بإعطائه الى الموهوب له. لذا فإن من أهم التصرفات القانونية التي يمكن تمييزها عن عقد الهبة، الصدقة والوصية وعقد الوقف. على اعتبار أنها من أكثر العقود ترابطا في مقوماتها مع عقد الهبة بالنظر الى طابعهما التبرعي. لذلك يمكن تمييز عقد الهبة عن الصدقة (أولا) والوصية (ثانيا) ثم تمييزه عن الوقف (ثالثا).

أولا- تمييز عقد الهبة عن عقد الصدقة
عرفت المادة 290 من م.ح.ع الصدقة: "بأنها تمليك بغير عوض لملك ويقصد بها وجه الله تعالى". فالهبة والصدقة يترتب عليهما تمليك الرقبة والمنفعة أي الانتقال التام للملكية.

إلا أن الصدقة تختلف عن الهبة في القصد أو السبب؛ فالصدقة يقصد بها التقرب إلى الله تعالى ونيل ثواب الآخرة، في حين أن الهبة يقصد بها شخصية الموهوب له والتقرب إليه. وتطبق عليهما  نفس الأحكام إلا في الوجهين الآتيين:

الأول: أنه لا ينبغي للمتصدق أن يُرجع ما تصدق به إلى ملكه بشراء أو هبة أو غير ذلك، بخلاف الهبة، فإنه يمكن للواهب أن يرجع ما وهبه إلى ملكه بشراء أو هبة، باستثناء ما وهبه للأيتام أو للفقراء أو لأولى الأرحام كالعمة والخالة والبنت فلا ينبغي للواهب أيضا أن يرجعه إلى ملكه لأنه بمثابة الصدقة.

الثاني: أنه يحق لمن وهب ابنه شيئا أن يسترده منه عن طريق ما يسمى بالاعتصار بخلاف من تصدق بشيء حيث لا يحق له أن يسترده.

ثانيا- تمييز عقد الهبة عن عقد الوصية
عرف المشرع المغربي الوصية في المادة 277 من مدونة الأسرة[24] على أنها عقد يوجب حقا في ثلث مال عاقده يلزم بموته. وتتفق الهبة والوصية بالنظر الى المقومات التي يقوم عليها كلا التصرفين. فالواهب كالموصي يتصرف في ماله للغير دون عوض. غير أن الوصية تختلف عن الهبة سواء من حيث الانعقاد أو من حيث الاثار المترتبة عنها.

فمن حيث الانعقاد، رغم تنصيص المادة 277 على أن الوصية عقد فإن ذلك لا يفهم منه انعقادها بتلاقي إيجاب وقبول الموصي والموصي له. إذ بالاستناد على مقتضى المادة 284 من مدونة الأسرة. تنعقد الوصية بإيجاب من جانب من جانب واحد وهو الموصي. بمعنى أن الوصية تصرف قانوني أساسه الإرادة المنفردة للطرف الموصي[25]. وفي ذلك هي تختلف من حيث انعقادها عن الهبة التي يلزم لقيامها ضرورة تلاقي إيجاب وقبول الواهب والموهوب له.

أما من حيث الاثار، فالهبة كما هو واضح من المادة 273 من م. ح. ع، تمليك لعقار او حق عيني عقاري لوجه الوهوب له في حياة الواهب. أي أنها تصرف ينشأ بالضرورة بين الأحياء[26]. على خلاف الوصية التي لا تنتج أثرها إلا بعد موت الموصي تطبيقا للمادة 277 من مدونة الاسرة التي جعلت الوصية تلزم بموت الموصي. وإذا قبل الموصى له الوصية فلا يعتبر ذلك قبولا لإيجاب الموصي بل هو مجرد مباشرة في استحقاق الوصية بحكم تحقق واقعة الوفاة. على اعتبار أنه إذا كان هذا القبول شرطا لانعقاد عقد الوصية لما انتقلت ملكية الموصى به قبل وفاة الموصي[27]. وأيضا من ناحية الرجوع عن الوصية سمح المشرع المغربي للموصي في العدول عن وصيته وإلغائها ولو التزم بعدم الرجوع فيها، وكذلك حق إدخال شروط عليها أو ألغاء بعضها كما يشاء[28]. في حين لا يجوز الرجوع في الهبة إلا وفق الشروط والحالات المحددة قانونا[29].

ثالثا- تمييز عقد الهبة عن الوقف
الوقف حسب تعريف المشرع المغربي له في المادة الأولى من مدونة الأوقاف هو كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. ويتم إنشاؤه بعقد، أو بوصية، أو بقوة القانون. وهو يكون إما وقفا عاما أو وقفا معقبا أو وقف مشترك. ولعل الواضح من خلال هذا التعريف أن الوقف يتفق مبدئيا مع الهبة بالنظر الى غايتهما وخاصة في الحالة التي تعقد الهبة لجهة خيرية معينة كما إذا وهب الواهب ماله أو عقاره لمصلحة مسجد معين.

غير أن الاختلاف بين التصرفين يظهر على مستوى الطبيعة القانونية لكليهما. فالوقف كما ينشأ عن العقد يمكن أن ينشأ عن الوصية أو بقوة القانون. وهو إذا نشأ عن العقد كما في الصورة التي يقع الوقف لفائدة شخص معين بالذات، فلايلزم لانعقاده قبول الموقوف عليه. وإنما يقتصر أثر قبول هذا الأخير للوقف في مجرد استحقاقه. بمعنى أن الوقف لا يعتبر عقدا بمعناه الدقيق أحد طرفيه دائنا والطرف الثاني مدين. وإنما يحمل الوقف على أنه تصرف بإرادة منفردة ولس قبول الموقوف عليه الى شرطا لنفاد الوقف. وهذا ما يستنتج من الفقرة الأولى من المادة 17 من مدونة الأوقاف التي تنص على أنه:" ينعقد الوقف بالإيجاب".  ولذلك فالوقف يختلف عن الهبة التي تعتبر عقدا ملزما لجانب واحد، حيث يلتزم الواهب بتسليم الشيء الموهوب للمستفيد منه من غير أن يتحمل هذا الأخير أي التزام في المقابل. رغم أهميته في قيام عقد الهبة.

كما أن الوقف يختلف عن الهبة من حيث الأثار المترتبة عليه. فالمعلوم في نظام الوقف أنه لا ينقل ملكية المال الموقوف الى ذمة الموقوف عليه. فبالنظر الى تعريف المشرع له بمقتضى المادة الأولى من مدونة الأوقاف نجده ينطوي فقط على تحبيس أصل المال. وتخصيص منفعته دون ملكيته لفائدة الغير. وهذا ما يفسر كذلك اقتصار حق الموقوف عليه في استعمال المال الموقوف واستغلاله وفق شروط الواقف ودون حق التصرف فيه[30]. لذلك فآثار الوقف على خلاف الهبة التي يترتب على قيامها صحيحة نقل ملكية المال الموهوب الى الموهوب له.

المطلب الثاني: تكوين عقد الهبة
من الواضح أن النظرية العامة للالتزامات تهتم بالقواعد العامة التي تخضع لها كافة العقود فيما يتعلق بشروط تكوينها وجزاء الإخلال بها، وبالنسبية العقدية وبالقوة الملزمة للعقود وبطرق تنفيذها والمسؤولية المترتبة عن عدم الوفاء بها[31]. بينما تهتم دراسة العقود الخاصة بمختلف الأنظمة الخصوصية الملائمة لكل عقد بانفراده كالبيع أو الكراء أو الهبة[32].

ولا شك أن الهبة من العقود المسماة التي عمل المشرع المغربي على تنظيمها [33]. واعتبار عقد الهبة عقد مسمى لا يكمن في مجرد إطلاق المشرع للتسمية عليه بقدر ما تكمن في التأطير التشريعي الذي أفرده المشرع لهذا النوع من العقود والذي يمكن من إخضاعه الى نظام قانوني محدد. ويتكون هذا النظام بالأساس من مجموعة القواعد التي يقع اللجوء إليها كلما أغفل المتعاقد الواهب تحديد التزاماته حول المسائل التي تنظمها تلك القواعد _ تلك هي القواعد القانونية المكملة_. كما يتكون النظام القانوني لعقد الهبة من القواعد الامرة التي لا يمكن للمتعاقد أن يلتزم بما يخالفها. وهي لكونها امرة تبرهن عن تبني المشرع مسار حمائي لإرادة المتعاقد[34].

ولدراسة الأحكام والقواعد المنظمة لعقد الهبة لابد من بحث الأركان العامة لتكوينه أخدا بعين الاعتبار الخصوصيات التي يتميز بها هذا العقد (الفقرة الأولى). ومراعاة لكون المشرع المغربي أصبغ على عقد الهبة الطابع الشكلي فإنه يلزم معالجة الطبيعة القانونية للشكلية وشروط قيامها في عقد الهبة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأركان العامة لتكوين عقد الهبة
يخضع عقد الهبة كسائر العقود إلى الأحكام العامة المقررة لقيام العقود طبقا لما نص عليه الفصل 2 من ق. ل. ع[35]. بمعنى أن أركان الصحة في العقود كما هي مبينة في الفصل المذكور تبقى قائمة في عقد الهبة.

 بحيث يلزم توفر التراضي بين المتعاقدين ومحل يرد عليه وسبب يدفع إليه أو غاية معينة يراد تحقيقها من وراء إنشاء عقد الهبة. لذلك اتفق أغلب الفقه المدني على أن أركان عقد الهبة هي التراضي (أولا) والمحل(ثانيا) والسبب (ثالثا).

أولا - التراضي في عقد الهبة
التراضي يفيد ذلك التطابق بين الإيجاب الصادر عن أحد طرفي العقد والقبول الصادر عن الطرف الاخر. ويلزم لكي ينعقد عقد الهبة أن يحصل التراضي بين إيجاب الواهب وقبول الموهوب له بشكل صحيح[36]، ويصدر التراضي عن ذي أهليه[37] وخاليا من العيوب. ويتم التراضي على العقد بتطابق الإيجاب والقبول. لذا عندما   يقابل العرض الصادر من الواهب بشكل جازم عن إرادته في إبرام عقد الهبة بقبول مطابق له يصدر عن الموهوب له أو من ينوب عنه تم وجود التراضي. ولا يلزم لتمام عقد الهبة بعد ذلك إلا حيازة الموهوب للمال الموهوب حيازة قانونية أو حيازة فعلية بإخلائه من طرف الواهب وتمكين الموهوب له منه[38].

ويبدو أن المشرع المغربي لا يشير الى كون الحيازة في الهبة تصح بمعاينة البينة أو بكل تصرف يجريه الموهوب له في العقار الموهوب، وما إذا كان يعتبرها دليل على الحيازة الفعلية للمال الموهوب وتمام الهبة [39]،كما فعل في تنظيمه للوقف بموجب المادة 26 من مدونة الأوقاف. ويتجلى ذلك من خلال ما جاءت به الفقرة الثانية من المادة 247 من م.ح.ع حيث أوردت " يغني التقييد بالسجلات العقارية عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظا أو في طور التحفيظ. فإذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه.


لكن القضاء المغربي سواء على مستوى محكمة النقض أو المحاكم الأدنى كرس لفترة أن الحوز في التبرع بعقار يصح بالمعاينة البينة أو تصرف الموهوب له في العقار الموهوب. ومن ضمن قرارات محكمة النقض المغربي في هذا الباب، القرار عدد 526 بتاريخ 10 يوليوز 2002 الذي جاء ضمن حيثياته : عدم تسجيل الهبة في الرسم العقاري في حياة الواهب لم يبق له أثر في تحقيق الحيازة ، طالما أنها تحققت فعلا وقانونا بعد تفويت الموهوب لها العقار للعقار الموهوب''[40] وأيضا القرار عدد 4204 المؤرخ في 29 نونبر 2001 حيث ورد ضمن حيثياته ما يلي:'' إذا كانت الحيازة في المادية في التبرعات بالنسبة للعقارات شرطا لصحتها حسب قواعد الفقه الإسلامي فإن القانون العقاري في الفصل 67 منه نص على أن الأفعال الارادية والاتفاقيات الرامية الى تأسيس حق عيني أو نقله الى الغير أو الاعتراف به أو تغييره أو اسقاطه لا تنتج أي اثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التسجيل، وبالتالي فإن عقود الهبة موضوع النزاع التي لم يقع تسجيلها بالرسوم العقارية قبل حصول المانع وهو موت الواهب لا يعتد بها مادام الطاعنان لم يحوزا العقارات الموهوبة لهما حيازة فعلية بوضع اليد أو المغارسة قيد حياة الواهب إن محكمة الاستئناف لما سارت في هذا الاتجاه كانت على صواب''. [41]

  أما في بعض التشريعات المقارنة التي أشارت إلى الحوز في التبرع فيلاحظ كذلك اختلافها في مسألة اعتباره شرطا لصحة الهبة وتمامها ام ركن من أركان انعقادها؟  ففي التشريع المصري في المادة 487 من قانونه المدني التي نصت على أنه:'' لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. فإذا كان الواهب هو ولي الموهوب له أو وصيه ناب عنه في قبول الهبة وقبض الشيء الموهوب''. يشترط المشرع المصري قبض أي حوز المال الموهوب دون تحديد لأسباب صحة القبض الحوز والأوضاع الدالة عليه. ونفس الأمر في القانون الجزائري حيث ورد النص في المادة 206 من القانون رقم 84-11 المتضمن قانون الأسرة على أنه:'' تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول، وتتم الحيازة، ومراعاة أحكام قانون التوثيق في العقارات والإجراءات الخاصة في المنقول. وإذا اختل أحد القيود السابقة بطلت الهبة''، ا

 ويلاحظ أيضا أن المشرع المغربي لم يتناول ضمن فصول م. ح. ع بعض الحالات التي تكون الهبة مشروطة بالقيام بإلتزام معين. كما عمل نظيره الجزائري في المادة 202 من القانون رقم 84-11 المتضمن قانون الأسرة الذي أورد أنه ''يجوز للواهب أن يشترط على الموهب له القيام بالتزام يتوقف على إنجاز الشرط''  وكذلك المصري بموجب المادة 487 من القانون المدني المصري حيث نص على أن'': الهبة عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مال له دون عوض. ويجوز للواهب، دون أن يتجرد عن نية التبرع، أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين''.

ويمكن القول أنه ليس هناك في التشريع المغربي ما يمنع الواهب استنادا الى القواعد العامة المنصوص عليها في ق. ل. ع المغربي من أن يشترط القيام بالتزام معين على الموهوب له مقابل قبوله للهبة. على ألا يخضع هذا الالتزام لمحض إرادة الملتزم[42]،ويكون مشروعا ولا يتنافى مع طبيعة عقد الهبة[43]. وتؤول الى القضاء في نظرنا مسألة تحديد حالات اعتبار الواهب تجرد عن نيته في التبرع بفعل فرضه على الموهوب له التزاما معينا. ثم أنه بالرجوع الى الفصل 108 من قانون الالتزامات والعقود يعتبر'' كل شرط يقوم على شيء مستحيل أو مخالف للنظام للأخلاق الحميدة أو للقانون يكون باطلا ويؤدي إلى بطلان الالتزام الذي يعلق عليه. ولايصير الالتزام صحيحا إذا أصبح الشرط ممكنا فيما بعد''. لذا يتضح أن الأثر المترتب عن توفر هذه الأوصاف في الشرط الملزم للموهوب له يستوجب بطلان الهبة[44].

ثم إنه من المفترض أن يحول مانع دون حصول التراض في عقد الهبة كنقصان أو انعدام الأهلية أو الوفاة. لذا اشترط المشرع المغربي لصحة عقد الهبة أن بكون الواهب كامل الأهلية[45].لكن إذا حدث أن صدر إيجاب عن الواهب الكامل الأهلية وكان الموهوب له فاقدا للأهلية يقبل عنه الهبة نائبه الشرعي فإم يكن له نائب شرعي عين له القاضي من ينوب عنه في القبول.  وفي حالة نقصان أهلية الموهوب له فقبول الهبة يقع صحيحا ولو مع وجود النائب الشرعي بمقتضى المادة 276 من م. ح. ع. وذلك على إعتبار أن الهبة من التصرفات النافعة نفعا محضا للطرف الموهوب له[46].

أما في حالة وفاة الواهب بعد صدور الإيجاب عنه لإنشاء عقد هبة وقبل قبوله من قبل الموهوب له فالهبة تعتبر باطلة[47]. ونفس الأثر يترتب عل حالة وفاة الموهوب له قبل قبوله للهبة تطبيقا المادة من 279 من م.ح.ع مع إشارة بسيطة حول مضمون هذه المادة تتعلق بالحالة التي ينشأ الواهب لوجه الموهوب له هبة في مال له وقبله الموهوب له منه دون أن يتمكن من حيازته. سواء بتراخي الواهب في تمليك المال للموهوب له بنقل ملكيته إليه، أو برجوعه عن الهبة دون توافر حالات الاعتصار لفائدته. ففي هذه الحالة إذا بادر الموهوب له لأجل استحقاق المال الموهوب له إلى القيام بمطالبة قضائية لإجبار الواهب بتنفيذ التزامه بتسليم المال الموهوب، وحصلت وفاة الواهب بعد هذه المطالبة. فلا يمكن القول ببطلان الهبة لعدم قبولها من طرف الموهوب له أثناء حياة الواهب. بمعنى أن الهبة تقع صحيحة إذا حاز الموهوب له المال الموهوب _مالم يكن عقارا محفظا_ بعد موت الواهب إن هو كان جادا في المطالبة بحيازة المال حال حياة الواهب دون أن يتمكن من ذلك[48].

ونشير كذلك إلى أن الواهب إن كان غير مقيد في أن يهب ما شاء لمن يشاء. فإن إبرامه لعقد الهبة في مرض موت لا تقع صحيحة كعقد هبة إلا إذا لم يكن له وارث[49]. وتأخد الهبة المنعقدة في مرض الموت أحكام الوصية. بمعنى تخضع لما أقره المشرع من قواعد بخصوص الوصية وفق مقتضيات مدونة الأسرة.

ثانيا - محل عقد الهبة
يخضع المحل في عقد الهبة الى القواعد العامة بشأن محل الالتزامات التعاقدية وفق ق. ل. ع المغربي، ومع مراعاة بعض خصوصيات طبيعة المحل في الهبة.  فلابد من أن يكون المال الموهوب مشروعا ومعينا وموجودا حين التعاقد، على اعتبار أن الهبة من العقود الفورية التي تتم بالحيازة.

ومن خصوصيات المحل في عقد الهبة ما نصت المادة 275 من م. ح. ع على أنه:'' يشترط لصحة الهبة أن يكون الواهب كامل الأهلية مالكا للعقار الموهوب وقت الهبة''. بمعنى أن الهبة لا تقع صحيحة إلا بوجود حقيقي للمال الموهوب وقت التعاقد في ذمة الواهب. لذا يعتبر المشرع المغربي أن لصحة الهبة يتعين أن يوجد المال في ملكية الواهب بشكل صحيح.  ولا تقع الهبة على مال مستقبل بصريح عبارة المادة 277 من نفس المدونة المذكورة. كأن يهب شخص عقارا يأمل تملكه في المستقبل لغيره.

كذلك لا يصح عقد الهبة إذا انطوى محله على عقار مملوك للغير. بحيث تقع في هذه الحالة باطلة. على اعتبار أن الواهب لا يتمتع بالملكية على المال الموهوب. ومثاله حالة الفضولي الذي يتصرف في مال الغير بالهبة. فهذه الأخيرة لا تصح ولو مع إجازة مالك المال لعقد الهبة واستيفائها لباقي الأركان والشروط. وهذا على خلاف الوقف المنظم تشريعيا بمقتضى مدونة الأوقاف حيث يجيز المشرع استثناء وقف الفضولي في حالة إجازته من قبل مالك المال الموقوف وتوافرت باقي العناصر الأساسية لقيام الوقف[50].

وكما سبقت الإشارة فيما تقدم عند تعريف الهبة فالمشرع المغربي يحصر محل الهبة في العقار والحقوق العينية العقارية وفق ما نص عليه في المادة 273 من م. ح. ع دون باقي الأموال الممكن التعامل بشأنها. وقد أقر كذلك بعدم صحة الهبة ممن كان الدين محيطا بماله. بحيث أن الواهب إن كان مدينا للغير بدين يستغرق ذمته المالية فلا تصح منه الهبة حفاظا لحقوق دائنيه. بحيث أن الواهب مقيد كذلك في إنشاء عقد الهبة بضرورة خلو المال الموهوب من دين عليه[51]. على اعتبار أن أموال المدين ضمان عام لدائنه[52]، ولايسوغ الانتقاص من فرص دائني الواهب من استخلاص الدين بالتبرع بالمال الضامن لهذا الدين. لكن مع مراعاة الأوضاع التي يكون فيها الواهب مالكا لأموال كافية لأداء الدين الذي عليه دون أخد بعين الاعتبار المال الموهوب حيث في هذه الحالة لا يمكن أن يواجه الواهب ببطلان الهبة لمجرد إحاطة الدين بأمواله. وحتى إن أقام الواهب لفائدة دائن معين ضمانا خاصا على مال له فإنه لا يجبر إلا على عدم إنشاء الهبة على ما أقره كضمان لفائدة دائنه.

ثالثا - السبب في عقد الهبة
يقع السبب في العقد ضمن الأركان الأساسية لتكوين العقد، ويتعين طبقا للقواعد العامة الواردة في ق. ل. ع المغربي أن يكون السبب في الإلتزام مشروعا وحقيقيا وغير مخالف للنظام العام أو للأخلاق الحميدة أو القانون[53]. ولعل من خصوصيا عقد الهبة ما يمكن استخلاصه من مضمون المادة 273 من م. ح. ع التي كرس المشرع خلالها ما استقر عليه الفقه المالكي بشأن الهبة كعقد من عقود التبرع. وقد أوردت هذه المادة أن الهبة تمليك للعقار أو لحق عيني عقاري لوجه الموهوب له بدون عوض.  أي أن المراد من الهبة هو وجه الموهوب له بالإحسان إليه أو تشجيعه أو مساعدته وفقا لنية المتبرع.

ولئن كان السبب في عقد الهبة يرجع إلى ما يضمره الواهب في نفسه من مراد ونية فإن أغلب التشريعات القانونية تجاهلت التنصيص على سبب الهبة ضمن تنظيماتها للهبة كالتشريع الجزائري والتشريع الفرنسي. رغم ما للسبب في الهبة من أهمية. لكن بالرجوع للتشريع الجزائري في المادة 2012 من القانون رقم 84-11 نجد هذا الأخير يرتب على الهبة بقصد المنفعة العامة أثرا مانعا من الرجوع عليها بحيث تنص المادة المذكورة على أن:'' الهبة بقصد المنفعة العامة لا رجوع فيها''.

الفقرة الثانية: الشكلية في تكوين عقد الهبة
الهبة عقد أراده المشرع المغربي على غرار غالبية التشريعات القانونية عقدا شكليا،[54] فلايكفي تلاقي الإيجاب والقبول لقيامه بل لابد من محرر رسمي يفرغ في لإطاره هذا التلاقي بين الإيجاب والقبول. ويبدوا واضحا أن فرض الطابع الشكلي لتكوين عقد الهبة له في الحقيقة ما يبرره، إذ باعتبار الهبة عقد تبرعي فإن المتبرع مبدئيا يتنازل عن أمواله وممتلكاته بدون مقابل لفائدة طرف اخر يكون متبرعا له. وفي الواقع هذه المعاملة قلما يلجأ لها الأفراد في معاملاتهم وتدبير أموالهم إلا إذا وجدت أسباب شديدة المعقولية واعتبارات ودوافع هامة تنشأ عنها نية التبرع بمال معين.

ولذلك فإن إلزام الواهب قانونا بالمرور من مرحلة استيفاء الشكلية المطلوبة واتباع ما يفرضه ذلك من إجراءات ووقت، لمن شانه أن يوفر فرصة للتأمل والتفكير وقياس المعاملة وتحليل أثرها وكذا التأكد من حقيقة إرادة الواهب في تمليك ماله لغيره دون مقابل. ويكفل كذلك للواهب الحماية والوقاية من الافتقار دون سبب مشروع وينطوي له على تنبيه الى خطورة التصرف القانوني الذي سيقدم عليه سواء على نفسه أو ورثته.

ولهذا الاعتبار يمكن بحث شكلية توثيق من خلال تحديد طبيعة هذه الشكلية (أولا) والشروط التي يلزم توفرها في المحرر اللازم إعداده بشأنها (ثانيا).

أولا: طبيعة المحرر اللازم لتوثيق عقد الهبة
إذا كان الأصل في العقود قيامها على مبدأ الرضائية[55] فإن المشرع المغربي استثنى جميع التصرفات المتعلقة بالملكية العقارية والحقوق العينية من الخضوع لهذا المبدأ. وأورد قاعدة عامة بشأن هذه التصرفات القانونية في المادة 4 من م. ح. ع التي تنص في فقرتها الأولى على أنه:'' يجب أن تحرر -تحت طائلة البلان- جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي، أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لن ينص قانون خاص على خلاف ذلك''.

و لئن كان المشرع المغربي بمقتضى المادة 4 أعلاه يلزم كل المتعاملين بشان التصرفات القانونية الواردة على العقار أو الحق العيني بضرورة إفراغ إراداتهم في محرر رسمي أو ثابت التاريخ يتم تحريره من قبل محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، فإنه لم يكتفي بإعمال مقتضى هذه المادة المذكورة على مختلف العقود التي عمل على تنظيمها في إطار م. ح. ع وإنما كان حريصا على أن يضيق أكثر من حرية الأفراد من توثيق بعض التصرفات ولم يسمح بحرية الأفراد في اختيار نوع المحرر المرغوب في إبرام تصرفاتهم القانونية العقارية كما هو شأن عقد الهبة الذي يجب أن يبرم في محرر رسمي تحت طائلة البطلان. بصريح عبارة المادة 274 من م. ح. ع التي تنص في فقرتها الثانية على أنه:"يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي''. وهذا يفيد أنه لا تقع الهبة صحيحة لو تمت بموجب محرر عرفي أو ثابت التاريخ.

حيث يبدو واضحا أن الكتابة المنصوص عليها في المادة 274 المشار اليها أعلاه هي شكلية انعقاد، وتشكل ركنا من أركان الانعقاد في الهبة ومالم يتوفر هذا الركن يعتبر عقد الهبة باطلا ولاتقوم له قائمة ولايمكن للموهوب له إلزام الواهب به ومطالبته بتنفيذه، بحيث أن العقد الباطل لا يترتب عنه أي اثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تطبيقا للفصل 306 من ق. ل. ع[56].

ثانيا: شروط المحرر الرسمي المطلوب لتوثيق عقد الهبة
المحرر الرسمي يقصد به الوثيقة الرسمية التي عرفها المشرع المغربي في الفصل 418 من ق. ل. ع حيث نص على أن'' الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون''. وينتج عن هذا النص أن وصف المحرر بالرسمية هو نتيجة لتحريره بمن قبل شخص له صفة رسمية وصلاحية في التوثيق.

ويشترط في الورقة الرسمية المطلوب لصحة الهبة وفق مضمون الفصل أعلاه الشروط التالية:

-       أن يقوم بتلقيها موظف عمومي: إذ يجب أن تكون الورقة صادرة عن موظف عمومي ويكون هو الذي حررها، وليس من الضروري حسب تعبير بعض الفقه المغربي أن تكون الورقة الرسمية مكتوبة بخطه، بل يكفي أن يكون تحريرها صادرا باسمه، ويجب على كل حال أن يوقعها بإمضائه. والموظف العام فيما يتعلق بهذا الموضوع هو شخص تعينه الدولة لإجراء عمل من الأعمال المتعلقة بها أو لتنفيذ أمر من أوامرها[57].

-       أن يكون الموظف الذي قام بتحرير الورقة مختصا بتحريرها ولا صلاحية التوثيق: ويكون الموظف العمومي مختصا بتحرير الورقة إذا كان ذلك يدخل في اختصاصه من حيث طبيعة الورقة ومن حيث مكان تحريرها. ويدخل في الإطار الموثقون والعدول الذين أصبغ المشرع على الأعمال التي تصدر عنهم بمناسبة تلقي الشهادات وتوثيق التصرفات القانونية الصبغة الرسمية[58].

-       مراعاة الشكل الذي يحدده القانون في تحرير الورقة: بحيث أن القانون قرر لكل نوع من الأوراق الرسمية أوضاعا وقواعد يلتزم بها الموظف العمومي المختص في كتابة الورقة الرسمية. ولابد من احترام هذه الأوضاع والقواعد حتى تعتبر الورقة رسمية صحيحة. كما هو الشأن بالنسبة للعدول الذين قرر القانون بشأن تلقيهم للشهادة وتحريرها قواعد يجب إتباعها كالبيانات التي يلزم أن تتضمنها الوثيقة العدلية وقواعد مخاطبة القاضي عليها لتصبح ورقة رسمية.

ومتى احترم عقد الهبة طافة الشروط المطلوبة قانونا بشأنه سواء من الناحية الموضوعية أو الشكلية فإنه يصبح عقدا ملزما للواهب. ويتعين عليه تنفيذه وفق مبادئ حسن النية[59].


المبحث الثاني: الآثار القانونية لعقد هبة العقار
من بين الآثار الرئيسية لعقد الهبة ، أنها تكون سببا لكسب الملكية، بخلاف غيره من عقود التبرعات كالحبس والعارية التي تُكسب المنفعة فقط، وهذا الأثر يرتب التزامات مشتركة على طرفي عقد الهبة (المطلب الأول)، من بينها التزام الواهب بنقل الملكية وتمكين الموهوب له من حوز العقار محل الهبة.

وهذا الإلتزام ليس التزاما قطعيا لا رجوع فيه، بل هو التزام يحتمل التراجع عنه، عن طريق الاعتصار وارتجاع الهبة بشروط وأحكام خاصة (المطلب الثاني)، وهذا الأمر هو الذي يميز الهبة عن مجموعة من عقود التبرعات الأخرى خاصة الصدقة.

المطلب الأول: التزامات طرفي عقد الهبة
   الأصل في الهبة أنها من العقود الملزمة لجانب واحد؛ يلتزم فيها الواهب ولا التزام على الموهوب له إلا استثناء، خلاف العقود الملزمة للجانبين. من ذلك إلتزام الواهب بنقل الملكية وتمكين الموهوب له من حوز العقار، وفي المقابل قيام الموهوب له بطلب حوز العقار حيازة مادية أو قانونية قبل حصول المانع، لذلك فإن شرط الحوز للأهمية التي يكتسيها (الفقرة الثانية)، سندرسه بمعزل عن الالتزامات الأخرى المتعلقة بأطراف عقد الهبة (الفقرة الأولى).

وذلك لأن الحوز في الهبة كما يمكن القول بأنه شرط نفاذ عقد الهبة لسريان هذا العقد بين أطرافه وفي مواجهة الغير، يمكن تصنيفه كذلك على أنه التزام مشترك، يقع على الواهب والموهوب له، فالواهب ملزم برفع اليد عن الشيء الموهوب، والموهوب له ملزم بطلب الحوز من الواهب ثم حيازة الهبة حيازة فعلية أو قانونية قبل حصول المانع. لذلك أرجأنا الحديث عن أحكام الحوز إلى هذا المبحث، ولم ندرجه في المبحث الأول المتعلق بأركان انعقاد الهبة

الفقرة الأولى: الاتزامات المفروضة على الواهب والموهوب له
قسمنا هذه الفقرة إلى قسمين، قسم سنحاول الإحاطة فيه بالتزامات الواهب ثم نعرج على التزامات الموهوب له في القسم الثاني.

أولا: التزامات الواهب
ينشىء عقد الهبة التزاما في ذمة الواهب بنقل ملكية العقار إلى الموهوب له، والمحافظة عليه حتى تسليمه إلى الموهوب له بعد عقد الهبة، وهذا الإلتزام الأخير المتمثل في تمكين الواهب الموهوب له من حيازة الهبة، ووجوب إخلاء الواهب للملك الموهوب، سنفصل فيه في الفقرة الثانية. وعليه سنتناول في هذه الفقرة التزامات الواهب المتدرجة بين ضمان التعرض والاستحقاق أو ضمان العيوب الخفية.

فأحكام ضمان الإستحقاق وضمان العيوب تختلف بين عقود المعاوضة وعقود التبرع، بسبب وجود المقابل في الأولى وانعدامه في الثانية. فالمادة 281 من م.ح.ع تنص على أن "لا يلتزم الواهب بضمان استحقاق الملك الموهوب من يد الموهوب له، كما لا يلتزم بضمان العيوب الخفية. لا يكون الواهب مسؤولا إلا عن فعله العمد أو خطئه الجسيم.".

والواهب لا يضمن استحقاق الشيء أو الحق الموهوب إلا إذا أخفى سبب الاستحقاق عمدا أو تسبب في الاستحقاق بخطأه الجسيم، وهكذا ليس من حق الموهوب له الرجوع على الواهب في الحالة التي يتم فيها استحقاق الملك الموهوب سواء تعلقت الهبة بعقارات محفظة أو غير محفظة أو عقارات في طور التحفيظ.

كما أنه لا يضمن العيوب، ومن ثم فإن الموهوب له وغيره إما أن يقبل الهبة بعيوبها الظاهرة والخفية أو أن يردها.

وكإستثناء، فإن الواهب يضمن التعرض الصادر عنه، فلا يجوز أن يأتي أعمالا مادية أو يقوم بتصرفات قانونية تتضمن اعتداء على حق الموهوب له. ويضمن كذلك العيوب التي يتعمد إخفاءها، لذلك إذا كان العيب سيسبب ضررا لا محال، وعلم به الواهب، لوجب الإخبار والإعلام، فالمسؤولية قائمة عند العمد والخطأ الجسيم، كما يضمن ما يشترط على نفسه لصالح الموهوب له، كما لو التزم بضمان العيوب الخفية[60].

كما يضمن الواهب التعرض الصادر عن الغير، وذلك إذا ادعى الغير حقا على الموهوب سابقا على الهبة، أو تاليا لها وكان مستمدا من الواهب[61].

أما بالنسبة لاستحقاق الهبة في حالة نجح الأجنبي المتعرض في دعوى الإستحقاق، فإن الموهوب له يرجع على الواهب بضمان الاستحقاق في حالتين: الأولى إذا كان الواهب قد تعمد إخفاء سبب الاستحقاق، والثانية إذا كانت الهبة بعوض "هبة الثواب"، ولو كان الواهب يجهل سبب الاستحقاق على أنه لا يكون مسؤولا إلا بقدر ما أداه الموهوب له من عوض[62].

ثانيا: إلتزامات الموهوب له
نصت المادة 282 من م . ح . ع على ما يلي: "نفقات عقد الهبة ومصروفات تسليم الملك الموهوب ونقل ملكيته تكون على الموهوب له ما لم يتفق على غير ذلك"، وعليه يلتزم الموهوب له حسب الأصل بنفقات عقد الهبة وهي أساسا نفقات تحرير المحرر الرسمي الذي قد يعهد به للعدول أو الموثق وكذا مصروفات التسجيل لدى إدارة الضرائب ومصاريف التقييد أو التحفيظ، كما قد يكون الموهوب له ملزما بالتشطيب على التحملات العقارية التي تثقل العقار كما في حالة أداء الديون التي كانت سببا لرهنه، وإن كانت هذه الأحكام ليست من النظام العام، إذ يمكن الاتفاق على مخالفتها، فالغالب في الهبة أن يلتزم الواهب بتحمل النفقات[63].

ويتحمل الموهوب له كذلك مصاريف التسليم سواء تعلق الأمر بمصاريف الحيازة الفعلية، أو القانونية، وكذا المصروفات القضائية التي قد ينفقها على دعوى الضمان وكذا الخسائر المترتبة عن الاستحقاق في الحالة التي لا يسند فيها أي تعمد أو خطأ جسيم في مواجهة الواهب.

وتسري نفس الأحكام على الديون المترتبة لفائدة الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والدولة كرسوم الخدمات الاجتماعية (رسم النظافة)، أو تكاليف استهلاك الماء والكهرباء حيث يتحملها الموهوب له حتى ولو ترتبت عن فترة سابقة عن قبول الهبة[64].

الفقرة الثانية: أحكام حوز  الهبة
والحوز والحيازة في اللغة بمعنى القبض، يقال حاز الشيء يحوزه حوزا وحيازة، إذا قبضه إليه ووضع يده عليه، وأدخله في حرزه وملكه. وحوز العقار كما أورده الشيخ الرصاع التونسي في شرحه لحدود ابن عرفة هو "رفع يد المعطي عن التصرف في الملك ورد ذلك إلى يد المعطى أو نائبه"[65].

فالهبة تصرف عقدي لها أركان أربعة تتمثل في الأطراف و المحل و السـبب و التسـليم أي الحـوز، ذلك ان الهبة تصرف عيني. وهذا الركن الرابع بالذات الذي أقره القانون، كان قد أثار جدلا واسعا على صعيد الفقه الإسلامي، بين من اعتبره شرط صحة، وبين من اعتبره شرط تمام، وبين من ألزم إثباته بالمعاينة والطواف قبل حصول المانع، وبين من قال أيضا بإثباته بالتصرف.

أولا: أنواع الحوز
الحوز إما أن يكون ماديا أو قانونيا. والحوز المادي نوعان: حوز حكمي وفعلي، فالفعلي يكون بمعاينة البينة للحوز والإشهاد به، والحكمي يكون بتصرف المتبرع عليه في الهبة بإكرائه للغير أو بدفعه للمغارسة أو المساقات مما يفيد التصرف الواضح الجلي على مرئ ومسمع من المتبرع وقبل حصول المانع له[66].

وهو التعريف الذي أعطته محكمة النقض للحوز في أحد قرارتها والذي جاء فيه: "الحوز المعتبر في التبرع هو وضع اليد على الشيء المتبرع به، أو الانتفاع به أو التصرف فيه قبل حدوث المانع"[67].

أما الحوز القانوني أو الحيازة القانونية فهو مفهوم من ابتكار بعض القضاة، الذين قالوا بأن التقييد في السجل العقاري يغني عن الحيازة الفعلية المعتبرة لدى فقهاء الشريعة، ومن ثم يقصد به القيد في الرسم العقاري[68].

سنتناول إذن في هذه الفقرة كل من حوز العقار المادي، والحوز القانوني.

أ‌-      الحوز المادي
المستقر عليه في بين فقهاء الشريعة الإسلامية، هو أن الحوز ليس ركنا في الهبة وإنما هو مجرد شرط فيها، والمذهب المالكي يعتبر أن الإيجاب و القبول كافيان لانعقاد الهبة، ويصبح المتبرع بمجرد انعقاد العقد ملزما بتمكين المتبرع إليه من حوز العطية، ولهذا الأخير الحق في إجباره على ذلك[69]. لذلك فشرط الحوز هو من شروط التمام لا من شروط الصحة.

وجاء في البند الثالث من المادة 274 من م.ح.ع أن إدراج مطلب التحفيظ بالنسبة للعقار غير المحفظ يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه. لذا فإن من باب المخالفة للقول السابق، فإن العقار غير المحفظ الذي لم يدرج له مطلب لتحفيظه، لا تصح هبته إلا بالحوز وإخلاء العقار من قبل الواهب قبل حصول المانع.

فالمشرع المغربي في م.ح.ع ساير بالنسبة للعقار غير المحفظ ما استقر عليه فقهاء المذهب المالكي، وذلك بالإحالة على قواعد الفقه فيما لم يرد عليه نص في المدونة[70]. فاللازم في العقار غير المحفظ فيه الحوز الفعلي قبل حصول المانع، وذلك بإخلائه من طرف الواهب، إذا كان العقار مبنيا (كدار السكنى)، ومعاينته فارغا من أمتعة وأغراض الواهب، أما إذا كان غير مبني (كأرض فلاحية أو أرض خلاء)، فإن معاينة الحوز تتم بالتوجه لعين المكان للإشهاد والتأكد من وضع الموهوب له يده على العقارالموهوب قبل حصول المانع. ويمكن أن يقع الحوز أيضا بكل تصرف يجريه الموهوب له بالعقار الموهوب (الحوز الحكمي) كالإكراء والمغارسة... وفي هذا الإطار صدر عن محكمة الإستئناف بوجدة قرار[71] جاء فيه ما يلي: "وحيث أن المعضد لموقف المستأنف عليها وموجب حيازتها، محضر المعاينة المؤرخ في 1988/02/13 الذي تضمن معاينة الأغراس والأشجار والزرع، وتصريح السيد (...) بعمله لدى المستأنف عليها في الأرض منذ نونبر 2003، ويبقى معه ادعاء المستأنفين بأن مورثهم الواهب استمر حائزا بتواجده بالمغرب، والحال أن المستأنف عليها بما أدلت به من وثائق إدارية تتعلق به، شهدت على أنه استمر ساكنا بألمانيا إلى غاية تاريخ وفاته".


ب‌-  الحوز القانوني
ظل موضوع حوز الهبة بشأن العقارات المحفظة والتي في طور التحفيظ، إحدى أهم الإشكاليات التي استأثرت باهتمام الفقه والقضاء المغربي، وطالما اختلفت بشأنها الآراء، الأمر الذي أدى إلى صدور قرارات متناقضة سواء من طرف قضاة الموضوع أو من طرف محكمة النقض نفسها[72]، وذلك بسبب عدم تنظيم المشرع للتبرعات العقارية، والتي ظلت خاضعة للفقه الإسلامي، مع مراعاة ما تقضي به النصوص الخاصة التي تطبق على العقارات المحفظة.

وعموما فالإختلاف كان بالأساس حول ما إذا كان تقييد سند التبرع بالعقار المحفظ على رسمه العقاري يغني عن الحيازة المادية في التبرعات، أم أن التبرع لا يكتمل إلا بهذه الحيازة؟[73].

إلا أن هذا الإختلاف لم يعد قائما بصدور م.ح.ع، والتي اعتدت في حوز العقار الموهوب المحفظ والذي في طور التحفيظ، بالحوز القانوني، كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة 247 على أنه: " يغني التقييد بالسجلات العقارية عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظا أو في طور التحفيظ."، كما أن إدراج الهبة بمطلب التحفيظ يغني بدوره عن حيازته الفعلية وإخلائه، إستنادا للفقرة الرابعة من المادة 247 التي تقول بأنه: " إذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه."، ولو أن هذا المقتضى محل نظر، لأن المطلب ليس بدليل قطعي، فقد يصمد أو يسقط أو يعدل تبعا للتعرضات[74].

وبهذا التوجه، جعلت م.ح.ع من التقييد قرينة على تخلي الواهب، لأن الملكية وهي الأصل في التعامل، تكون قد انتقلت لا محالة إلى الموهوب له، فهي جوهر الحوز حتى ولو ظل الواهب بالعين الموهوبة إلى الوفاة[75].

أما بالنسبة للحوز عن المحجور، فلم تقف عليه م.ح.ع، وإنما نصت على أحكام قبوله العقد لا غير، كما تقدم في المبحث الأول، ومن ثم فإن فاقد الأهلية يقبل ويحوز عنه حاجره، وعند عدم وجوده أو وجد لكنه امتنع، عينت المحكمة من يقبل ويحوز عنه تبعا للمادة 276 م.ح.ع، والحاجر بوجه عام إذا قبل التبرع على محجوره التزم بحوزه وصيانته[76].

كما أنه إذا حدث أن كان الموهوب له قاصرا، وكان الواهب أبا فتوجد إمكانية حوز الأم نيابة عن الولد الصغير[77]، كما يمكن أن يحوز الأب بالرغم من أنه هو الواهب لأن " المقرر فقها وقضاء أنه لا يوجد أي مانع يمنع الأب الواهب لأبنائه القاصرين من حيازته شخصيا لما وهبه عليهم وذلك بحكم ولايته عليهم "[78].

ثانيا: الحوز قبل حصول المانع
أجمع فقهاء المالكية على  انه  لابد  من  حصول الحوز في التبرعات كلها قبل حدوث مانع من موت المتبرع أو فلسه، فإن تأنى الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس الواهب او مرض بطلت الهبة[79]، فمصير عقد الهبة يبقى مرتبطا في نفاذه بمدى حصول الحوز قبل المانع أم لا، والحوز يشكل واقعة مادية تحسم مصير العقد[80].

م.ح.ع ميزت فيما يخص الموانع بين المانع الذي يحصل عند انعقاد الهبة، والمانع الذي يطرأ على الواهب بعد إبرام العقد وقبل أن يتم الحوز؛ فعند الإنعقاد اشترطت المدونة كمال أهلية الواهب، ببلوغه سن الرشد القانوني، وأن لا يكون محجورا عليه بسفه أو صغر سنه، وأن لا يكون مجنونا، ولا مكرها، وأن لا يكون ممن أحاط الدين بماله، ولا مريضا مرض الموت[81].

أما بالنسبة للحوز الذي قد يتأخر فقد اشترطت م.ح.ع حصوله قبل الموت[82] أو إحاطة الدين[83] أو مرض الموت[84].

وقد تقررت هذه الموانع لحماية الورثة والدائنين، فقد يبرم العقد ويحكم القضاء بعد ذلك ببطلانه بطلب ممن له مصلحة، وهذا التشدد راجع لكون عقد الهبة عطية بدون عوض.

أ - حصول الحوز قبل الموت أو مرض الموت:
بخصوص مرض الموت، وفي غياب نص قانوني يعرفه، يرجع فيه إلى الفقه الإسلامي الذي استلزم توفر ثلاث عناصر لكي يعتبر المرض مرض موت: أن يقعد المريض عن قضاء مصالحه، وأن يغلب فيه الموت، وأن ينتهي أخيرا بالموت[85]. لذا فالمرض الذي يبطل التصرف هو المرض المخوف الذي يفقد الإرادة، ويموت عنه الإنسان، سواء أكان مرضا عضويا أم عقليا.

لذلك فكبر سن الواهب مثلا لا يدخل ضمن مرض الموت، لأنه إذا تأكدت السلامة العقلية رغم كبر السن، اعتبر الشخص مالكا لقواه العقلية التي تخول له التصرف، وقد ذهبت محكمة النقض في قرار لها في هذا المنحى، عندما أكدت أن: "هرم الواهب ما دام لم يرجع عن هبته في حياته فلا أثر له لما جاء في نوازل العلمي... "[86].

ولابد للإشارة هنا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أن هذا المانع مرتبط بوقت انعقاد العقد، فلو عقد الواهب هبة صحيحة وهو بأتمه وأكمله، ولم يعمل على تسليمها للموهوب له، إلى أن طرأ عليه طارئ جنون أو عته أو سفه، على حين من العقد أو بعد مدة فإن التسليم يبقى صحيحا، والنائب الشرعي يقوم مقامه في التسليم[87].

كما أن تضمين عقد الهبة شرط حيازة العقار بعد وفاة الواهب لا يبطل الهبة، إذا ما تم تسجيل العقد قبل الوفاة، وهو ما قضت به محكمة النقض في قرار لها ورد فيه ما يلي: "... ولما ثبت من وثائق الملف أن الطاعنين سجلوا عقد الهبة بالرسم العقاري عدد (...) في حياة الواهب وهو المعتبر، فإن تضمين عقد الهبة شرط حيازة العقار بعد وفاة الواهب يبقى دون تأثير، مادامت الحيازة القانونية بتسجيل العقار الموهوب بالسجلات العقارية قد تحققت في 28/10/2011 أي قبل حصول مانع الموت في 15/01/2012، والمحكمة المطعون في قرارها لما لم تراع هذه المقتضيات، لم تجعل لما قضت به أساسا وخرقت المادة 274 من م ح ع وعرضت بذلك قرارها للنقض"[88].

لكن قد يحدث أن يتقاعس الواهب عن إتمام الإجراءات الضرورية لصحة الهبة، فيرفع الموهوب له الأمر إلى القضاء لإلزام الواهب. ويحكم القضاء في مواجهة الواهب بإتمام الإجراءات، لكن يحدث أن يتوفى الواهب قبل ذلك. فهل تصح الهبة دون حوز على اعتبار وجود الحكم؟

فهذا الإشكال يبقى مطروحا فقط بالنسبة للعقارات غير المحفظة، لأن العقار المحفظ والعقار في طور التحفيظ لا يعتد فيه إلا بوقت التقييد. وقد صدر قرار لمحكمة النقض بهذا الشأن والذي أكد على أن الإشهاد بالهبة غير كاف إذا لم يقترن ذلك بإخراج الهبة من حيز القول إلى الفعل[89]. وبالتالي لا يغني الحكم الصادر من المحكمة بالزام الواهب بإتمام الإجراءات عن الحوز.

ب - حصول الحوز قبل إحاطة الدين بذمة الواهب:
يقـول ابن رشد في المقدمات الممهدات: "و من أحاط الدين بماله فلا تجـوز لـه هبـة ولا صـدقة ..."[90] ويقـول صـاحب التحفة: "ومن بماله أحاط الدين، لايمضى له تبرع ان فعل"[91] ورد بالمدونة الكبرى أن الهبـة اذا بقيـت عنـد واهبهـا الى ان فلـس أو الى ان مـات فإنها تبطل لفوات الحوز[92].

فمع صدور م ح ع رتب المشرع على احاطة الدين بمال المعطي بطلان عقـد الهبـة، وذلـك في المادة 278: " لا تصح الهبة ممن كان الدين محيطا بماله "، دون أن يميـز بخصـوص تـاريخ هـذه الواقعـة بـين تحرير العقد وشهره بالمحافظة العقارية، ويمكن القول في هذا الإطار، أن مراعاة مبدأ حجية التقييد يغنـي عـن التمييـز السـالف ذكره، لكون العبرة بتاريخ شهر التصرف ليصبح نافذا في مواجهة الغير، فهو شكلية نفاذ تجـاه الـدائنين.

كما أنه قد يطرح تساؤل في هذا الإطار بالنسبة لمفهوم إحاطة الدين بالمال، فهل المقصود بالمال، مجموع أموال الواهب أم المقصود بالمال ذلك العقار أو الحق العيني الذي تصرف الواهب فيه بهبته؟ وهو ما أدى إلى إشكال مطروح أمام المحافظات على الأملاك العقارية بالمغرب والتي ترفض تسجيل الهبة إذا كان العقار مثقلا برهن رسمي، بالرغم من علم وموافقة الراهن على هذا التصرف.

وهنا لابد أن نستحضر مذكرة المحافظ العام عدد 1322 بتاريخ 31/01/2013 بشأن تطبيق مقتضيات المادة 278 من م ح ع، والتي دعا فيها من أجل توحيد العمل الإداري لدى مختلف محافظي الأملاك العقارية بالمملكة، أنه بناء على الرسالة الموجهة من طرفه إلى السيد الأمين العام للحكومة قصد إبداء الرأي في شأن تطبيق مقتضيات المادة 278، والتي اقترح عليه بمناسبتها تقديم طلب تتميم مقتضيات المادة 278 من م ح ع وذلك بإضافة أحكام جديدة تعبر بشكل صريح وواضح عن نية المشرع من تنزيل مقتضيات المادة المذكورة. وإلى حين صدور نص تشريعي متمم للمادة فإنه يتعين على جميع المحافظين العقاريين رفض طلبات تقييد أو إيداع عقود هبة بالرسوم العقارية أو مطالب التحفيظ المثقلة بديون لفائدة الغير، ما لم يتم الإدلاء برفع اليد عن الرهن المذكور[93].

ثم صدرت بعد ذلك دورية المحافظ العام عدد 402 الصادرة في 17 فبراير 2015  والتي نصت على أن جواب الأمانة العامة جاء على أن الأمر لا يحتاج الى تدخل تشريعي، نظرا لكون الاشكال المطروح قد صدر فيه قرار قضائي من محكمة النقض، وهو القرار رقم 1- 309 الصادر بتاريخ 03-06-2014 ملف عدد 5299.1.1.2013 الذي جاء فيه: " أن مقتضيات المادة 278 من م ح ع إنما تقررت لفائدة الدائنين الذين لهم وحدهم الصفة لطلب إبطال الهبة إذا ما أحاط الدين بمال الواهب المدين، و أنه أمام موافقة الدائن المرتهن الوحيد كدائن على الرسم العقاري موضوع الهبة، فإنه ليس هناك مجال للمحافظ على الأملاك العقارية للتمسك بمقتضيات الفصل 278 المذكور "

و على ذلك ليس هناك ما يمنع من تقييد عقد الهبة في إطار المادة 278 المذكورة، إذا ما تم الإدلاء : سواء بشهادة رفع اليد عن الرهن، أو موافقة الدائن المرتهن.

المطلب الثاني: ماهية الاعتصار والآثار الناجمة عنه
الاعتصار في اللغة المنع والحبس والأخذ والارتجاع والإمساك[94]، وفي الإصطلاح عرفه ابن عرفة بإنه "ارتجاع المعطي عطية دون عوض لا بطوع المعطى"[95]، أما المشرع في المادة 238 من م.ح.ع فقد عرف الإعتصار بأنه "رجوع الواهب في هبته...".

والقول بالاعتصار في الهبة دون تقييد، يدل على انتفاء الوفاء بالعقود واستقرار المعاملات، لذلك فالمشرع المغربي وقبله الفقه الإسلامي، أحاط الإعتصار بمجموعة من الأحكام التي تحصن هذا النوع من التبرع عن غايته ومقاصده، فمن وهب، يهب عن يقين وعن كرم، بلا منٍّ ولا أذى ولا ندم. ولا أدل على ذلك من التشبيه الذي شبه به الرسول صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه[96].

الفقرة الأولى: حالات الإعتصار وشروط ممارسته وآثاره
اختلفت مذاهب الفقه الإسلامي حول جواز الرجوع في الهبة، وإن كان هناك إجماع على تقييد هذا الحق[97]، فالأصل في الهبة عدم الرجوع إلا استثناء وفي نطاق ضيق، عملا بالقواعد الأصولية في الضرورة، فالضرورات تبيح المحضورات، والضرورة تقدر بقدرها، والاستثناء مجرد استثناء والضيق لا توسع في تفسيره.

وعموما نلمس نفس التوجه عند المشرع المغربي، لما اشترط لصحة الاعتصار مجموعة من الشروط الشكلية المتماشية مع شروط انعقاد الهبة، حيث تم تنظيم حالاته في م . ح . ع بموجب المادة 283، وتنظيم شروط ممارسة هذا الحق بموجب المادتين 284 و 286، وذلك وعيا منه بخطورة الاعتصار، وتفاديا للإضرار بطرفي عقد الهبة، وحرصا على استقرار المعاملات.

أولا: حالات الاعتصار في الهبة:
حصرت م . ح . ع نطاق الاعتصار في حالتين[98]؛ الأولى: فيما وهب الأب والأم لولدهما، قاصرا كان أم راشدا، الثانية: إذا أصبح الواهب عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته.

ولا يكفي توفر إحدى الحالتين لمباشرة الإعتصار، بل يجب التنصيص على الإعتصار مسبقا في عقد الهبة، فهو شرط بالعقد بالتراضي، حتى مع الأب والأم.

والحكمة من إجازة اعتصار الأب والأم وتقرير هذا الحق لهما، تكمن في خصوصية العلاقة التي تجمع الأبوين بأبناءهم، فهذا الحق ذات حمولة اجتماعية خاصة تراعي الجانب العاطفي للأبوين، الذي قد يشكل نقطة ضعف يمكن من خلالها أن يهب دون أن يعطي للأمر قدره.

إلا أنه يتوجب الاحتياط عند ممارسة هذا الحق، فقد يهب أب لابنه هبة صورية تهربا من أداء حقوق مالية بذمته للغير ثم يعود لاعتصار هذه الهبة، وهو ما يتطلب تدخل القضاء لحفظ الحقوق والتكييف القانوني السليم للعملية[99].

أما الحالة الثانية المتعلقة بعسر الواهب فقد وردت بصيغة الإطلاق، حيث لم يضع المشرع المغربي معيارا معينا لهذا العسر، وهو ما سيؤدي لمجموعة من الإشكاليات لعل أهمها إثبات حالة العسر، وفي غياب تنظيم تشريعي لهذه النقطة يتم اعتماد مبدأ حرية الإثبات من خلال اعتماد جميع وسائل الإثبات المنصوص عليها في الفصل 404 من ق.ل.ع[100]، والملاحظ أن المشرع المغربي لم يقتصر عند تنظيمه لهذه الحالة، لعجز الواهب عن الإنفاق على نفسه فقط وإنما امتد لتشمل عجزه عن الإنفاق على الأشخاص الذين يجب عليه الإنفاق عليهم من قبل الواهب، وهم حسب مدونة الأسرة الأبناء والزوجة والأبوين.

كما طرح نقاش حول مدى حق الأفراد الذين يلزم الواهب بالإنفاق عليهم في طلب اعتصار الهبة في حالة تضررهم من التبرع رغم عدم رغبة الواهب في ممارسة هذا الحق، و في هذا الصدد، يمكن القول أن الاعتصار ذو طبيعة شخصية و ليس لهؤلاء سوى المطالبة بنفقتهم وفق المساطر القضائية المنظمة بموجب مدونة الأسرة[101].

ثانيا: شروط ممارسة الاعتصار:
جاء المشرع المغربي بإصلاحات مهمة في ميدان توثيق العقود ذات الصلة بالمعاملات العقارية ومن ذلك وثيقة الاعتصار، وهكذا يجب أن يتم توثيق عقد الاعتصار كتابة، وبموجب محرر رسمي، فحسب المادة 274 من م . ح . ع، يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي، وقياسا على هذا الحكم يجب أن يبرم عقد الاعتصار بموجب محرر رسمي، خصوصا وأن المشرع المغربي بموجب المادة 284 من م . ح . ع نص على ما يلي: "لا يجوز للواهب أن يعتصر إلا إذا أشهد بالاعتصار وتم التنصيص عليه في عقد الهبة وقبل ذلك الموهوب له"، حيث ترتبط نشأة الحق بنشأة الحق في الهبة، حيث يمكن أن يتضمن عقد الهبة إسقاط الحق في الاعتصار.

و في هذا الإطار، نصت المادة 286 من م . ح . ع على ما يلي: "لا يمكن الاعتصار إلا بحضور الموهوب له وموافقته أو بحكم يقضي بفسخ عقد الهبة لفائدة الواهب"، وهكذا فالإعتصار لا يصح عند التنفيذ إلا بالإشهاد به على الطرفين أمام العدلين أو الموثق، أو بحكم يقضي بفسخ الهبة لفائدة الواهب، عند امتناع الموهوب له عن الحضور والإشهاد عليه بالموافقة، فالإعتصار ينفذ بالعقد أو بالحكم: ففي العقد إشهاد على الطرفين، حتى يصح إثباته والدفع به واعتماده مباشرة في التشطيب على الهبة من الرسم أو السجل العقاري وإرجاع التقييد إلى الواهب كمالك، أو إرجاع الملكية إلى أصلها في العقار غير المحفظ، وفي الحكم إجبار، إذا امتنع الموهوب له تعين على الواهب إقامة دعوى بالاعتصار وطلب الفسخ[102].

وقد تطرح هنا اشكالية تتعلق بكيفية حصول الإشهاد بالاعتصار على الأب أو الأم تجاه ولدهما القاصر، فالظاهر أن الإشهاد في هذه الحالة، يجب أن لا يتم تلقائيا لأن موافقة القاصر قد تضر به، ومصالحه تتعارض مع مصالح الحاجر، الشيء الذي يقضي بضرورة استئذان المحكمة، التي تعمل على تعيين ممثل عن الولد المحجور في الموافقة والمحافظة على مصالحه[103].

ونفقات الاعتصار واسترداد الملك الموهوب، على الواهب سواء عند التراضي في الإشهاد أو عند التقاضي أو التنفيذ بوجه عام[104]، وليس للموهوب له أن يسترد الرسوم والضرائب السابقة على الفسخ، لأن الحق نشأ وحصل التمتع به[105].

ثالثا: آثار الاعتصار:
أ – آثار الاعتصار على الواهب:
الأثر المباشر المترتب على ممارسة الإعتصار بالتراضي أو التقاضي، هو فسخ الهبة ورد الملك الموهوب إلى الواهب، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي بموجب المادة 287 من م.ح.ع والتي جاء فيها ما يلي: "يترتب على الاعتصار في الهبة فسخ عقد الهبة ورد الملك الموهوب إلى الواهب"، وعليه فبمجرد الاتفاق على الاعتصار أو صدور حكم قضائي نهائي يقضي به تعتبر كأن لم تكن وعاد الأطراف إلى مرحلة ما قبل التعاقد.

ويسري أثر الفسخ من تاريخ الإشهاد به على الطرفين، أو من تاريخ الحكم النهائي القاضي به، استثناء من الفصل 67 من ظ.ت.ع[106] الذي يقضي بعدم السريان في نقل الحقوق وإسقاطها ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التقييد بالرسم العقاري.

والواهب لا يستطيع استرداد الموهوب إلا بالشكل الذي يسمح به القانون، وهذا ما أكد عليه المشرع المغربي بموجب المادة 289 من م . ح . ع والتي جاء فيها ما يلي: "إذا استرجع الواهب الملك الموهوب دون وجه حق وهلك في يده فإنه يكون مسؤولا عن هذا الهلاك".

فالواهب الذي يسترجع الملك الموهوب لاعتصار غير صحيح، يضمن ويلتزم بالرد إلى الموهوب له عند الطلب ويتحمل بالصوائر، وإذا هلك أو تعيب الملك الموهوب بين يديه بفعل القوة القاهرة أو بفعله أو خطأه أو بفعل أو خطأ أحد من أتباعه، ضمن الهلاك للموهوب له بالتعويض[107].

كما يسقط هذا الالتزام إذا كان الحوز المادي لا يزال بيد الواهب، لاسيما وأن المشرع المغربي اعتبر القيد في السجلات العقارية مغنيا عن الحيازة الفعلية، وهو ما يتصور معه قيام عقد الهبة صحيحا دون توفر عنصر الحوز المادي.

ويرتبط نقل الملكية في هذا الصدد بالثمار التي يغلها العقار الموهوب سواء كانت غلال مادية أو قانونية من قبيل أجرة كراء العقار أو غيره من طرق الاستغلال، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 287 سالفة الذكر على ما يلي: "لا يلتزم الموهوب له برد الثمار إلا من تاريخ الاتفاق أو من تاريخ الحكم النهائي في الدعوى"، وهكذا فالموهوب له يتملك الثمار لحين حصول اتفاق أو صدور حكم نهائي يقضي بالاعتصار.

وقد أثير التساؤل حول التاريخ الواجب اعتماده بالنسبة للعقارات المحفظة، وإن كان الأمر يتعلق بتاريخ الاتفاق أو الحكم أم بتاريخ تقييدهما في السجلات العقارية تطبيقا لأحكام الفصول 65 و 66 و 67 من ظهير التحفيظ العقاري[108].

وفي مقابل الحقوق التي منحها المشرع المغربي للواهب لممارسة الحق في الاعتصار، فإنه ألزمه بتحمل نفقات الاعتصار بموجب المادة 289 من م.ح.ع، والتي نصت على ما يلي: "نفقات الاعتصار ورد الملك الموهوب يتحملها الواهب".

ب - آثار الاعتصار على الموهوب له:
الموهوب له بعد سريان أثر الفسخ، يسترد من الواهب النفقات الضرورية التي أنفقها على الملك الموهوب، أما النفقات الأخرى النافعة ونفقات الزينة والترف، فلا تسترد إلا فيما زاد منها في قيمة الملك، وذلك بموجب المادة 287 من م . ح . ع: "...يجوز للموهوب له أن يسترد النفقات الضرورية التي أنفقها على الملك الموهوب، أما النفقات النافعة ونفقات الزينة فلا يسترد منها إلا ما زاد في قيمته".

وقد نص المشرع المغربي بموجب المادة 288 من م . ح . ع على ما يلي: "إذا امتنع الموهوب له عن رد الملك الموهوب إلى الواهب بعد اعتصاره اتفاقا أو قضاء رغم إنذاره بذلك طبقا للقانون وهلك العقار الموهوب في يده فإنه يكون مسؤولا عن هذا الهلاك"، وفي ذلك موازنة بين الواهب الذي يسترجع العقار الموهوب دون اتباع الإجراءات القانونية المطلوبة والموهوب له الذي يمتنع عن رد الملك الموهوب بعد الإنذار وذلك فيما يخص تحمل تبعة الهالك.

فالموهوب له الذي يمتنع عن الرد بعد الإعتصار الاتفاقي أو القضائي، فإنه ينذر للتنفيذ تبعا لمسطرة التنفيذ في الأحكام، وإلا كان مسؤولا عن الهلاك أو العيب الذي يصيب العين الموهوبة بفعل القوة القاهرة، والأحرى بفعله أو خطأه، أو بفعل أو خطأ أحد من أتباعه[109].

الفقرة الثانية: موانع الاعتصار
المانع يسقط الاعتصار من أساسه، وتجب إثارته ولو لم يثره الواهب والموهوب له لتعلقه بالشرع والشرع عين النظام العام، وعلى المحافظ ألا يأخذ بإشهاد لم يشر إلى عدم وجود المانع. ولا يصح القول بأن سكوت الموهوب له قرينة على عدم المانع، لأن القرائن لا تكفي لعدم إثارة المانع وهو من النظام العام[110].

الإعتصار استثناء من الأصل، والاستثناء لا قياس فيه ولا توسع في تفسيره، ويسقط كلما حصل مانع من موانعه. وموانع الاعتصار نص عليها المشرع في المادة 285 من م.ح.ع[111]، ويمكن تقسيمها إلى نوعين: موانع ناتجة عن شخص الواهب والموهوب له وحالة الهبة، وموانع ناتجة عن التصرفات المبرمة من الموهوب له المتعلقة بالهبة.

أولا: الموانع الناتجة عن شخص الواهب و الموهوب له و حالة الموهوب

هبة أحد الزوجين للآخر ما دامت الرابطة الزوجية قائمة:

الزوجية مانعة من الإعتصار مادامت قائمة، ويزول المانع بانتهاء العلاقة الزوجية، وتظل قائمة في الطلاق الرجعي إلى انتهاء العدة.

ويرجع هذا المانع للآثار السلبية التي قد تترتب عن الرجوع في الهبة، ليس فقط على الزوجين وإنما حتى على الأبناء والأسرة كخلية داخل المجتمع.

 وهكذا يمنع على الزوج الرجوع في الهبة لزوجته بعلة فقره وعجزه عن الإنفاق، وإذا كان هذا المانع يشمل طرفي عقد الزواج على حد السواء، فإنه لا يشمل طرفي الخطبة، لأن الخطبة ليست بزواج كما لا تسري على الهبة بعد الطلاق أو فسخ الزواج.


موت الواهب أو الموهوب له:

سايرت م . ح . ع في هذا الصدد موقف المذهب المالكي[112]، فانتقال محل الهبة إرثا لورثة الموهوب له يمنع الاعتصار في الهبة، ذلك أن سبب انتقال الملكية في هذه الحالة هو الإرث وليس الهبة، وهو نفس الحكم في حالة وفاة الواهب، فخيار الاعتصار ذو طابع شخصي صرف يتصل بالواهب وحده، والذي يقدر الاعتبارات الداعية إليه دون انتقاله إلى الورثة بعده.

ويعتد بالموت سواء كان حقيقيا أو حكميا، و المفقود مستصحب الحياة بالنسبة لأمواله، و هكذا لا يحق لورثة الواهب المفقود المحتملين ممارسة الاعتصار سواء قبل الحكم بتمويته أو بعده، أما إذا كان الموهوب له هو المفقود فيحق للواهب مباشرة دعوى الاعتصار طالما لم يصدر الحكم بتمويته.

أما إذا حصل الإشهاد بالاعتصار، أو صدر به حكم، وتوفي الواهب أو الموهوب له قبل التنفيذ، استمر التنفيذ ولا تركة إلا بعد إخراج الحقوق المتعلقة بأعيانها، وللورثة عند الإقتضاء حق الطعن في الحكم، لثبوت الحق بين الخلف والسلف[113].

مرض الموت الملتبس بالواهب أو الموهوب له أو هما معا:

يعتبر مرض الموت والذي يحكم الطب بغلبة الموت فيه ولا يشكل في حد ذاته تأثيرا على الأهلية لكن تصرفاته تكون محفوفة بالمخاطر وتحوم حولها الشكوك لاسيما فيما يتصل بالتبرعات.

فمرض الموت مانع من الإعتصار، وإذا زال عاد، على شرط إثبات رجوع الصحة وتاريخ البرء، أو أن المرض ليس بمرض موت.

فإقرار قواعد خاصة لهذه الحالة لا يكون حماية للمتعاقد بقدر ما هو حماية للدائنين والورثة المحتملين، ويعتبر مرض الموت واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الوسائل المقبولة حيث ينتهي المانع بزوال المرض.

وقد كانت محكمة النقض في مرحلة أولى تعتد بشهادة الأتمية المذكورة في الرسوم العدلية وتستبعد ما عداها من حجج ولو كانت صادرة عن أهل الخبرة أي الأطباء، لكن هذا التوجه بدأ يتقلص تدريجيا حيث فسحت المجال أمام إقامة الدليل على خلاف ما جاء في شهادة الأتمية[114].

هلاك الموهوب في يد الموهوب له:

إذا هلك الملك الموهوب بين يدي الموهوب له دون قصد أو علم مبيت منه، يمنع الاعتصار، أما لو اقتصر الهلاك على جزء منه، فإن الاعتصار يصح في الباقي[115].

وهكذا ربط المشرع المغربي الرجوع في الهبة بعين المال الموهوب، فإذا هلك المال الموهوب لا ينصب الاعتصار على قيمته أو التعويضات التي قد تترتب عن هلاكه كما هو الشأن لتعويضات شركات التأمين أو التعويضات المؤداة من المتسبب في الهلاك في إطار المسؤولية المدنية، وعند الهلاك الجزئي ينصرف الرجوع للجزء الباقي.

ثانيا: موانع ناتجة عن التصرفات المبرمة من الموهوب له والتي يكون الشيء الموهوب محال لها أو سببا فيها
زواج الموهوب له بعد الهبة أو من أجلها:

يراد بهذا المانع توظيف الموهوب له محل الهبة في الزواج كأن يجعل من محل الهبة صداقا أو هدية أو اتخاذه بيتا للزوجية وغير ذلك من الصور، وهذه هي الحكمة من هذا المانع، ذلك أن المال الموهوب قد تعلقت به مآرب أخرى ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى حتى ولو أن الأول هو الذي تقع عليه بحكم القانون الالتزامات المالية المترتبة عن الزواج.

فالهبة المنعقدة من أجل الزواج، مانعة من الإعتصار، على أن يتزوج الموهوب له بسببها، ولو لم يدم هذا الزواج، أما لو امتنع من الزواج أو عقد زواجا صوريا، فإن الاعتصار يحل بسبب عدم الوفاء بالشرط أو التحايل عليه[116].

تفويت الموهوب له الملك الموهوب:

إذا فوت الموهوب له الملك الموهوب بتصرف ناقل للملكية سواء كان بعوض أو تبرعا، منع الإعتصار، وإذا كان التفويت جزئيا، بقي الإعتصار على الجزء الباقي[117].

وعلى الرغم من أن ظاهر النص يوحي بكون المانع مرتبطا بالتفويت الاختياري المقترن برضا الموهوب له، إلا أن هذا المانع يمتد ليشمل التفويت الجبري من خلال نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وكذا البيوع القضائية الجبرية[118].

ويجب أن يكون التفويت حقيقيا لا صوريا، فإذا ادعى الواهب صورية التفويت لمنعه من مباشرة حقه في الرجوع في الهبة، جاز له إثبات هذا الأمر خصوصا وأن القانون فتح المجال للتدليل على الصورية بالقرائن و شهادة الشهود وغيرها من وسائل الإثبات.

وقد تتعارض في هذا الإطار دعوى الرجوع في الهبة مع دعوى إتمام إجراءات البيع، وهو ما يجعل القضاء ملزما بالتدخل والتصدي للغش والتواطؤ سواء بين الواهب والموهوب هضما لحق الغير المفوت له محل الهبة، أو بين الموهوب له والمفوت له إضرارا بالواهب، فمتى ظهر أن رافع دعوى إتمام إجراءات البيع يستند إلى سند سابق تاريخا لتاريخ دعوى الرجوع في الهبة، فلابد من إيقاف البت في هذه الأخيرة، وعند تفويت جزء من محل الهبة فقط، جاز الرجوع في الجزء غير المفوت، كما ينتهي المانع بعودة العقار إلى الموهوب له نتيجة فسخ عملية التفويت أو إبطاله.

وفي قرار للقضاء المغربي، اعتبر تقديم العقار الموهوب حصة في شركة مانعا من الاعتصار، وذلك بموجب قرار محكمة النقض عدد 670 الصادر بتاريخ 29/11/2006 والذي نص على "إن تقديم العقار الموهوب حصة في شركة بمثابة التفويت المانع من الاعتصار طبقا للقواعد الشرعية"[119].

تعامل الغير مع الموهوب له اعتمادا على الهبة:

التعامل مع الغير في الملك الموهوب، مانع من الإعتصار، كالتداين عليه برهنه، أو بأي دين عليه ومن أجله، أو بكرائه أو إعارته، أو بكل معاملة مالية أخرى متعلقة به[120].

فيأتي هذا المقتضى في الصورة المتعلقة بالتداين على العقار برهنه، حماية للدائن ومنعا لاتخاذ الاعتصار وسيلة لتهرب الموهوب له، وإنقاص الضمان العام، ويتصور أن يكون الدين سابقا على الهبة كما يتصور أن يكون بعدها، حيث يعمل الدائن على رهن محل الهبة، وهو ما يؤدي لمنع ممارسة الحق في الاعتصار.

وهكذا فالغاية الرئيسية من هذا المانع هي ترسيخ صلابة الائتمان وحماية الغير الدائن.

إدخال تغييرات في الملك الموهوب أدت لزيادة مهمة في قيمته:

إدخال الموهوب له تغييرات على الملك الموهوب، أكسبته زيادة مهمة في قيمته، مانع من الاعتصار، ويتطلب ذلك أن تحدث التغييرات بفعل الموهوب له. ومن أمثلة ذلك البناء فوق الأرض أو غرس الأشجار فوقها.

وهكذا فبمفهوم المخالفة إذا كانت هناك زيادة دون فعل الموهوب له، كارتفاع الأسعار بشكل كبير نتيجة دخول العقار ضمن مخططات التعمير، ففي هذه الحالة لا يؤدي تغيير القيمة إلى منع الاعتصار، لأنه راجع إلى أمر عارض لا دخل للموهوب له فيه.

كما يجب أن تقترن هذه التغييرات بزيادة مهمة، ولم يحدد المشرع المغربي ضابطا لتقدير أهمية الزيادة، وما إذا كانت ترتبط بثلث القيمة أو ما فوقها أو ما دونها، وعموما يرجع تقدير لقضاء الموضوع من خلال المقارنة بين القيمة وقت حصول الهبة، ووقت التعبير عن الرغبة في الاعتصار، ولا يؤخذ بالتغيير الطفيف ولا بالنقص الذي يميز محل الهبة وفي هذا الإطار، فقد صدر عن محكمة النقض قرار عدد 528 صادر بتاريخ 23/11/2005 جاء فيه ما يلي: "إن بناء الدار على الأرض التي أعطيت للمعطى له بعد القسمة لا يمكن من الرجوع في العطية بسبب التغييرات الحاصلة في الأرض. إن من شروط صحة الاعتصار للهبة أنها لا تفوت للموهوب له ببيع أو غصب أو عنف أو تدبير أو بزيادة أو نقصان أو موت أو مرض أو نكاح أو دين أو عرض"[121].



خاتمة

من خلال ما تم التطرق إليه، يتضح أن المشرع أحاط تنظيم الهبة بمجموعة من القواعد التي ساهمت في توحيد العمل القضائي بشأن مجموعة من الإشكاليات التي كانت تثيرها ازدواجية تنظيم أحكام الهبة، بين أحكام الفقه الإسلامي والقواعد العامة للقانون المدني، خاصة حول موضوعي الحوز في الهبة والإعتصار.

كما ارتقى المشرع بالهبة إلى مصاف العقود الشكلية التي يترتب البطلان عن عدم احترام شكلياتها، حماية لطرفي عقد الهبة، وصيانة كذلك لحقوق الأغيار.

كما حسم الجدال الفقهي والقضائي حول اعتبار الحيازة القانونية بالنسبة للعقار المحفظ والعقار في طور التحفيظ تغني عن الحيازة المادية وإخلاء الملك الموهوب. إلا أنه لم يراعي في ذلك جملة من الخصوصيات التي تحكم عقد الهبة، باعتباره من عقود التبرع، خاضع في تنظيمه لأحكام الفقه الإسلامي.

لذلك وتفاديا للإشكالات التي يطرحها التطبيق العملي لأحكام هبة العقار كما وردت في م ح ع، نطرح بعض الإقتراحات كما يلي:

-      قيام السادة الموثقين والعدول بالتحقق من مدى توافر أهلية الواهب، قبل تحرير العقد، كالحصول على شهادة طبية تتبث أتمية الواهب.

-      إعادة صياغة بعض نصوص المدونة بأسلوب واضح ودقيق، لخلق الانسجام والتوافق بينها وبين أحكام الفقه الإسلامي المنظمة للتبرعات، من ذلك المادة 279.

-       العمل على إيجاد بعض الحلول التي تساعد على تخفيف العبء على الجهاز  القضائي، كقيام السادة المحافظين العقاريين بالتحقق من عدم حصول مانع الموت قبل الإقدام على تقييد عقد الهبة.



[1]  ظهير شريف رقم 1.09.236 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير 2010) يتعلق بمدونة الأوقاف.
[2]  ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة.
[3]  القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 صادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011).
[4]  كما هو شأن عقد الصدقة الذي أحال المشرع على احكام الهبة في تنظيمه. مع مراعاته لبعض خصوصيات الصدقة.
انظر المادة 291 من مدونة الحقوق العينية.
[5]  ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) يتعلق بقانون الالتزامات والعقود
[6]  ابن منظور، لسان العرب، باب "وهب"، المجلد 15، دار صادر بيروت، ص 408.
[7]  سورة آل عمران، الآية 8.
[8]  سورة ص، الآية 9.
[9]  سورة الشورى. الآية 49.
[10]  الرصاع التونسي، شرح حدود ابن عرفة، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، 1992، ص 593.
[11]  عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج 5، دار إحياء الثراث العربي، بيروت، ط الأولى، 1952، ص 15 وما بعدها.
[12]  عبد الرحمان بلعكيد، الهبة في المذهب والقانون، الطبعة الثالثة، 2015، ص17.
[13] -    * المادة 894 من القانون المدني الفرنسي: ''الهبة بين الأحياء هي عقد يتجرد بمقتضاه الواهب حالا وبدون رجعة فيه من الشيء المعطى لصالح الموهوب له الذي يقبل''.
الصيغة الأصلية باللغة الفرنسية:
 ‘’la donation entre vifs est un acte par lequel le donateur se dépouille actuellement et irrévocablement de la chose donnée en faveur du donataire qui l’accepte’’.
   * المادة 486 من القانون المدني المصري: '' (1)الهبة عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مال له دون عوض.
(2) ويجوز للواهب، دون أن يتجرد عن نية التبرع، أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين."
 يمكن الرجوع لمزيد من التعاريف للبحث في التشريعات التالية:
   * المادة 200 من مدونة الأحوال الشخصية التونسية
   * المادة 202 من قانون الأسرة الجزائري.
[14] - أحمد ادريوش، الحوز في التبرع بعقار محفظ –محاولة لرفع الالتباس والخلط بين شكلية النفاذ ومستلزمات الشرط-منشورات سلسلة المعرفة القانونية 1431ه 2010م، مطبعة الأمنية. صفحة196  
[15] -عبدالرحمان الشرقاوي. القانون المدني.دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام  على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي. الكتاب الأول. مصادر الالتزام. الجزء الأول. التصرف القانوني. مطبعة المعارف الجديدة- الطبعة الثانية 2014. الرباط صفحة 7.
[16] - تطابق مجموعة من التشريعات العربية الأخرى ما ذهب اليه التشريع التونسي والتشريع الجزائري في تعريفهما لعقد الهبة. وذلك عبر التنصيص على مصطلح المال بدل الملك أو العقار أو الحقوق العينية العقارية. للاطلاع على بعض هذه التشريعات المدنية العربية ينظر:
        - عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج 5، م . س . صفحة 4 ومابعدها
[17] - للإطلاع على القانون المدني الفرنسي وفق اخر التعديلات  يرجى تصفح الرابط التالي:
https://www.legifrance.gouv.fr/telecharger_pdf.do?cidTexte=LEGITEXT000006070721
نسخة محينة الى 23 أكتوبر 2019
[18] - القانون رقم 84-11 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 الموافق 9 يونيو 1984، المتضمن قانون الأسرة، المعدل والمتمم بالأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فبراير 2005. حريدة رسمية 15 صفحة 19.
  . يمكن الولوج الى القانون أعلاه مباشرة عبر الرابط التالي:
https://www.joradp.dz/trv/acivil.pdf
[19]  الحقوق التي تقع على المنفعة فقط منها: حق الانتفاع، والعمرى، والاستعمال، والوقف.
[20] - يخضع نظام الوقف لمدونة الأوقاف الصادر بها الظهير الشريف رقم 1.09.236 صادر في 8 ربيع الأول 1431 ( 23 فبراير 2010) يتعلق بمدونة الأوقاف
 جريدة رسمية عدد 5847 بتاريخ فاتح رجب 1431 ( 14 بونيو 2010) ص 3154.
وجاء في المادة 16 من مدونة الأوقاف أنه: يجوز وقف العقار والمنقول وسائر الحقوق الأخرى.
[21]  عبد الرحمان بلعكيد، م.س، ص 20.
[22] -على خلاف المشرع التونسي الذي نظم أحكام الهبة في إطار مجلة الأحوال الشخصية. وذلك دون أن يصطبغ هذا العقد مع بقانون الأحوال الشخصية أو الميراث. فلا وجه لإستخلاص علاقة  هذا العقد بالأحوال الشخصية أو بالميراث. ولذك يرى بعض الباحثين التونسيين أن السبب يكمن في مجرد غياب هذا التنظيم بمجلة الإلتزامات والعقود التونسية. وبذلك تبقى الهبة عقد يتسم بصبغته المالية والعينية.
  - خليفة الخروبي. قانون مدني.العقود المسماة. الوكالة-البيع والمعاوضة- الكراء- الهبة.منشورات مجمعالأطرش للكتاب المختص. مطبعة الأطرش للكتاب المختص. الطبعة الثانية . تونس 2013. صفحة 318.
[23] - تنص المادة 291 من م . ح . ع على أنه: تسري على الصدقة أحكام الهبة مع مراعاة مايلي:
-  لايجوز الاعتصار في الصدقة مطلقا.
- لا يجوز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث.
[24] - الظهير الشريف رقم 1.04.22 صادر في 12 من ذي الحجة 1424 ( 3 فبراير 2004) بتنفيد القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة. جريدة رسمية عدد 5184 بتاريخ 14 ذو الحجة 1424(5فبراير 2004) .ص 418.
[25] - مأمون الكزبري. نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي. الجزء الأول. مصادر الالتزامات. الطبعة الثانية. 1972. دون ذكر المطبعة ودار النشر. صفحة 38.
[26] - خليفة الخروبي. م . س . صفحة 317.
[27]- يراجع عبدالرزاق السنهوري. م . س  صفحة 5 ومايليها.
[28] - أنظر المادة 286 من مدونة الأسرة.
[29] - أنظر المادة 284 من م . ح . ع.
[30] - تنص المادة 40 من مدونة الأوقاف على أنه:'' يحق للموقوف عليه أن يستعمل المال الموقوف وأيستغله وفق شروط الواقف بكيفية تتوافق مع الأغراض المتوخاة من الوقف.
ويجوز له أن ينتفع بالمال الموقوف بنفسه، أو يفوت حق الإنتفاع به إلى الغير، مالم يكن حق الوقف مقصورا على شخصه.
[31] -راجع حول النظرية العامة : عبدالرحمان الشرقاوي. القانون المدني.دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام  على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي. م . س .
[32] - Gael chantepie. Mathias Latina. Le nouveau droit des obligations. Commentaire théorique et pratique dans l’ordre du Code civil. 2éme édition.2018 . Dalloz.paris page 67
[33] - تجدر الإشارة بداية إلى ان التدخل التشريعي لتنظيم الهبة وإعطاء وصف تشريعي لها ضمن فصول م . ح . ع ليس في الواقع الا وسيلة يتمكن بفضلها الباحث في الميدان القانوني من مواكبة التطور الحاصل على هذا النوع من العقود الخاصة والتوصل الى المعرفة الواضحة لنظامه القانوني. على أنه ينبغي الإنتباه الى أن هذه الوسيلة تبقى غير كافية لبلوغ الغاية المذكورة بحيث أنها تكشف في نفس الوقت عن عدم تأقلم الإطار التشريعي لعقد الهبة مع بعض أحكام الهبة في الشريعة الإسلامية وخاصة أحكام الهبة في الفقه المالكي الذي يعتبر الى حدود سنة 2011 مصدرا تنظيميا لهذا النوع من العقود. يراجع: أحمد ادريوش . مناهج القانون المدني. أحمد ادريوش. مناهج القانون المدني المعمق. منشورات سلسلة المعرفة القانونية. مطبعة اصكوم. القنيطرة. الطبعة الأولى. 2012.. ص 215
[34] - نذير بن عمو. قانون مدني. العقود الخاصة. البيع والمعاوضة. مركز النشر الجامعي. 2007. صفحة 11
[35] . ينص الفصل 2 من ق. ل . ع المغربي على أن: الأركان اللازمة لصحة الالتزامات الناشئة عن التعبير عن الإرادة هي:
-       الأهلية للإلتزام
-       تعبير صحيح عن الإرادة يقع على العناصر الأساسية للإلتزام.
-       شيء محقق يصلح لأن يكون محلا للإلتزام.
-       سبب مشروع للإلتزام
[36] - تراجع المادة 274 من م . ح . ع.
[37] - تراجع المادة 275 من م . ح . ع.
[38] - على إعتبار أن الحوز في التبرعات دليل للقبول وشرط من شروط تمامها. وقد عرف المشرع المغربي الحوز في  المادة 26 من مدونة الأوقاف بقوله:  "الحوز هو رفع يد الواقف عن المال الموقوف ووضعه تحت يد الموقوف عليه
يصح الحوز بمعاينة البينة، أو بتسجيل الوقف في الرسم العقاري، أو بكل تصرف يجريه الموقوف عليه في المال الموقوف.
لايتوقف الحوز على إذن الواقف، ويجبر عليه إن إمتنع''.
[39] - ذهب  فقهاء المالكية الى إعتبار الحيازة أو القبض لايشترط لصحة الهبة ولا للزومها وإنما هو شرط لتمامها أي لكمال فائدتها. بمعنى أن الموهوب له ينملك بمجرد العقد أي القبول. على خلاف فقهاء الشافعية والحنفية الذين يعتبرون الحوز من شروط صحة الهبنة.
 - ينظر:الإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. الجزء الثاني . دار المعرفة للطباعة والنشر. الطبعة السادسة. بيروت. لبنان. 1982. صفحة 329.
[40] - قرار عدد 526 المؤرخ في 10/7/2002  في الملف العقاري عدد 404/2/1/2001. ينظر في الملحق
[41] - القرار عدد 4204 المؤرخ في 2001/11/29 ملف مدني عدد 432/3/2/2000 . ينظر في الملحق
[42] - كأن يحتفظ الواهب لنفسه بالحق في أن يصرح الى أجل محدد بماإذا كان يريد الإبقاء على العقد أم يريد فسخه.
تراجع المادة 112 من ق. ل . ع المغربي.
[43] - ينص الفصل 110 من ق. ل . ع المغربي على أن:'' الشرط الذي ينافي طبيعة الفعل القانوني الذي أضيف إليه يكون باطلا ويبطل الإلتزام الذي يعلق عليه.
ومع ذلك يجوز تصحيح هذا الإلتزام إذا تنازل صراحة عن التمسك بالشرط الطرف الذي وضع لصالحه''.
[44] لابد من التذكير بأن التشريع الفرنسي حرص على إعمال العقد إذا تعلق بالتبرع رغم كون الشرط مستحيلا  أو مخالفا للقانون . بحيث يعتبر عقد التبرع صحيحا ويبطل الشرط المعلق عليه. وذلك بموجب المادة 900 من القانون المدني الفرنسي.
[45] - تراجع المادة 275 من م . ح . ع.
[46] -  ينص الفصل 5 من ق. ل . ع على أنه:'' يجوز للقاصر ولناقص الأهلية أن يجلبا لنفسهما نفعا ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم، بمعنى أنه يجوز لهما أن يقبلا الهبة أو أي تبرع اخر من شأنه أن يثريهما أو يبرئهما من التزام دون أن يحملهما أي تكليف''.
[47] - تنص الفقرة الثانية من المادة 279 من م.ح.ع على أنه:'' لايعتد إلا بتاريخ تقييد إراثة الواهب إذا تعلق الأمر بعقار محفظ''.
[48] - وفي ذلك تطابق مع ماجاءت به مدونة الأوقاف في المادة 33 التي تنص على أنه:'' إذا توفي الواقف قبل أن يحوز الموقوف عليه المال الموقوف حوزا صحيحا، بطل الوقف مالم يطالب به في حياة الواقف.
للمزيد من الإطلاع حول شرط الحوز في البرعات ينظر
-       أحمد ادريوش. الحوز في التبرع بعقار محفظ. محاولة لرفع الإلتباس والخلط بين شكلية النفاذ ومسالزمات الشرط. تأملات نظرية حول م . ح . ع. الكراسة الأولى. منشورات سلسلة المعرفة القانونية.  "مطبعة الأمنية الرباط. الطبعة الأولى.2014-2015 .
[49] - أنظر المادة 280 من م . ح . ع.
[50] - تنص المادة 9 من مدونة الأوقاف على أنه:'' يعتبر وقف الفضولي باطلا،  إلا إذا أجازه مالك المالك الموقوف، شريطة إستيفاء جميع أركان الوقف وشروطه.
[51] - انظر المادة 278 من م . ح . ع.
[52] ينص الفصل 1241 من ق. ل . ع على أن:'' أموال المدين ضمان عام لدائنيه..''
[53] - أنظر المواد 62 و 63 و 64 و 65 من ق. ل . ع المغربي.
[54] - عرف مامون الكزبري العقد الشكلي بكون ذلك العقد الذي يشترط لإنعقاده علاوة على تراضي المتعاقدين مراسم شكلية يجب ان يتبعها المتعاقدين.
- مامون الكزبري. م.س . ص 40
و من التشريعات القانونية التي فرضت الشكلية على تحرير عقد الهبة. التشريع المصري بموجب المادة 488 من قانونه المدني :'' (1) تكون الهبة بورقة رسمية، وإلا وقعت باطلة مالم تتم تحت ستار عقد اخر  (2) ومع ذلك يجوز في المنقول أن تتم الهبة بالقبض، دون حاجة الى ورقة رسمية.
[55] - أحمد ادريوش. مناهج القانون المدني. م .س . صفحة 85.
[56] - تنص الفقرة الأولى من الفصل 306 من ق. ل . ع على أن:'' الالتزام الباطل بقوة القانون لايمكن أن ينتج عنه أي أثر، إلا استرداد مادفع بغير حق تنفيدا له .
[57] -إدريس العلوي العبدلاوي. وسائل الاثبات في التشريع المدني المغربي. القواعد العامة لوسائل الاثبات - الكتابة – الشهادة – القرائن – الإقرار – اليمين.مطبعة فضالة . المحمدية. المغرب الطبعة الأولى. 1977. ص 68.
[59] - تطبيقا للفصل 231 من ق.ل.ع
[60]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 286.
[61]  عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح م . ح . ع، مكتبة الرشاد سطات، الطبعة الثالثة 2018، ص 485
[62]  عبد الكريم شهبون، المرجع السابق، ص 485.
[63]  عبد الكريم شهبون، عقود التبرع في الفقه المالكي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1992، ص 190.
[64]  العربي محمد مياد، تأملات في م . ح . ع، الشفعة والهبة و الصدقة والعمرى، الجزء الثاني، طبعة 2016. ص 111.
[65]  الرصاع التونسي، شرح حدود ابن عرفة، م . س ، ص 586.
[66]  يقول محمد المهدي الوزاني: "إن حوز الأراضي بالحراثة كاف بلا نزاع، لأن الحوز يكون بالحراثة وبالتطوف عليها من جميع جهاتها والوقوف على حدودها، ويكون بعقد إكرائها وبغير ذلك، لكن الحوز بالحراثة أقوى"
-       أبو عيسى سيدي المهدي الوزاني، النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، ج8، ط1، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1997، ص 540.
[67]  قرار رقم 106 مؤرخ في 11/02/2014 في الملف الشرعي عدد 282/2/1/2013. مجلة قضاء محكمة النقض، عدد 77، 2014، ص 124.
[68]  أحمد ادريوش، الحوز في التبرع بعقار محفظ، منشورات سلسلة المعرفة القانونية، 2010، ص 149.
[69]  أبو الوليد القرطبي الأندلسي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المجلد الثاني، المكتبة العصرية – بيروت، 2015، ص 329 - 330.
[70]  تنص المادة 1  من م.ح.ع على أنه: " تسري مقتضيات هذا القانون على الملكية العقارية والحقوق العينية ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار.
تطبق مقتضيات الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود في ما لم يرد به نص في هذا القانون. فإن لم يوجد نص يرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى به العمل من الفقه المالكي."
[71]  قرار رقم 158 صادر بتاريخ 10/03/2011 ملف عدد 033/04/10، غير منشور. أورده: ميموت الوكيلي، هبة عقار في طور الانجاز، أعمال الندوة العلمية الوطنية التي نظمها مختبر الدراسات القانونية المدنية والعقارية يومي 04 و05 ماي 2018 بعنوان: م . ح . ع بين الواقع والمأمول، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2019، الجزء الثاني، ص 321.
[72]  أحمد بنكيران، تعليق على القرار عدد 555 المؤرخ في 2003/12/08، مجلة القضاء والقانون، عدد 149 ص 307.
[73]  أحمد ادريوش، مرحع سابق، ص5.
[74]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 352.
[75]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 352.
[76]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 357.
[77]  وهو ما سار إليه قرار محكمة النقض عدد 224 المؤرخ في 23/04/2008 ملف شرعي عدد 529/2/1/2007 منشور في مجلة المحاكم المغربية عدد 133/134 ص 366
[78]  قرار محكمة النقض عدد 4 المؤرخ في 8/1/2008 ملف شرعي عدد 324/2/1/2007، منشور في مجلة المحاكم المغربية، عدد 133/134 ص 321.
[79]  أبو الوليد القرطبي الأندلسي ، م . س ، ص 329.
[80]  عمر الأبيض، حوز الهبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، مطبعة الأمنية، ط الأولى 2016، ص 33.
[81]  ميموت الوكيلي، هبة عقار في طور الانجاز، أعمال الندوة العلمية الوطنية التي نظمها مختبر الدراسات القانونية المدنية والعقارية يومي 04 و05 ماي 2018 بعنوان: م . ح . ع بين الواقع والمأمول، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2019، الجزء الثاني، ص 321.
[82]  تنص المادة 273 من م.ح.ع على أن: " الهبة، تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض."
[83]  تنص المادة 278 على أنه: "لا تصح الهبة ممن كان الدين محيطا بماله."
[84]  تنص المادة 280 على أنه: " تسري على الهبة في مرض الموت أحكام الوصية."
[85]  ميموت الوكيلي، م . س ، ص 331.
[86]  قرار عدد 554 في الملف العقاري عدد 6907/92 بتاريخ 23/07/1996، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 53/54، السنة 21، ص 163.
[87]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 216.
[88]  قرار محكمة النقض عدد 164 صادر بتاريخ 16 فبراير 2016 في الملف الشرعي عدد 64/02/02/2015، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض، عدد 82، ص 62.
[89]  قرار مدني صادر عن محكمة النقض بتاريخ 10 يناير 1968 منشور في مجموعة قرارات المجلس الأعلى، المادة المدنية 1966/1982 ص 775.
[90]  المقدمات الممهدات الجزء 2 صفحة 313
[91]  التحفة فى شرح البهجة الجزء 5 الصفحة 359
[92]  شرح مختصر خليل للخرشي باب الهبة والصدقة و العمرى الجزء 7 الصفحة 110
[93]  أنظر: أحمد العطاري، تأملات حول الاشكاليات القانونية التي أفرزتها تطبيق المقتضيات المتعلقة بالتبرعات الواردة بم . ح . ع، مجلة القضاء المدني، الجزء الأول، ص 79 وما بعدها.
[94]  ابن منظور، لسان العرب، الجزء 4، ص 579.
[95]  الرصاع التونسي، شرح حدود ابن عرفة، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، 1992، ص 650.
[96]  الحديث ورد في: سنن ابن ماجه، دار إحياء الكتب العربية، برقم: (2384)، ومسند أحمد، مؤسسة الرسالة، ط الأولى 2001، 12/ 493، برقم: (7524).
[97]  أنظر: أبو الوليد القرطبي الأندلسي ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المجلد الثاني، المكتبة العصرية – بيروت، 2015، ص318.
[98]  تنص المادة 283 من م . ح . ع على أنه: "يراد بالاعتصار رجوع الواهب في هبته، ويجوز في الحالتين التاليتين:
أولا: فيما وهبه الأب أو الأم لولدهما قاصرا كان أو راشدا؛
ثانيا: إذا أصبح الواهب عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته."
[99]  عبد الواحد التكاني، الاعتصار في الهبة من خلال م . ح . ع، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2011 / 2012، ص 25.
[100]  ينص الفصل 404 من قانون الإلتزامات والعقود على أن: "وسائل الإثبات التي يقررها القانون هي:
- 1إقرار الخصم؛
- 2الحجة الكتابية؛
- 3شهادة الشهود؛
- 4القرينة؛
5 - اليمين والنكول عنها."
[101]  عبد الواحد التكاني، المرجع السابق، ص 37.
[102]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 412.
[103]  تنص المادة 269 من مدونة الأسرة على أن: " إذا أراد النائب الشرعي القيام بتصرف تتعارض فيه مصالحه أو مصالح زوجه، أو أحد أصوله أو فروعه مع مصالح المحجور، رفع الأمر إلى المحكمة التي يمكنها أن تأذن به، وتعين ممثلا للمحجور في إبرام التصرف والمحافظة على مصالحه. "
[104]  تنص المادة 289 من م . ح . ع على أن: "نفقات الاعتصار ورد الملك الموهوب يتحملها الواهب."
[105]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 416.
[106]  ينص الفصل 67 من ظهير التحفيظ العقاري على: " إن الأفعال الإرادية والاتفاقات التعاقدية، الرامية إلى تأسيس حق عيني أو نقله إلى الغير أو الإقرار به أو تغييره أو إسقاطه، لا تنتج أي أثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التقييد بالرسم العقاري، دون الإضرار بما للأطراف من حقوق في مواجهة بعضهم البعض وكذا بإمكانية إقامة دعاوى فيما بينهم بسبب عدم تنفيذ اتفاقاتهم."
[107]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 416.
[108]  وبالرجوع للتشريع المقارن، نجد المشرع المصري قد نص على رد الثمار منذ الإتفاق على الرجوع أو رفع الدعوى القضائية، وقد انتقد الفقه المصري موقف مشرعه لأن الدعوى قد يحكم فيها لصالح الواهب إذا قدم عذرا اقتنع بها القاضي و يعتبر الحكم الصادر في الموضوع.
أنظر: عبد الواحد التكاني، المرجع السابق، ص 94.
[109]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 416.
[110] عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 415.
[111]  جاء في الفصل 285 من م.ح.ع أنه: "لا يقبل الاعتصار في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية:
1.  إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر ما دامت رابطة الزوجية قائمة؛
2.  إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار؛
3.  إذا مرض الواهب أو الموهوب له مرضا مخوفا يخشى معه الموت، فإذا زال المرض عاد الحق في الاعتصار؛
4.  إذا تزوج الموهوب له بعد إبرام عقد الهبة ومن أجلها؛
5.  إذا فوت الموهوب له الملك الموهوب بكامله، فإذا اقتصر التفويت على جزء منه جاز للواهب الرجوع في الباقي؛
6.  إذا تعامل الغير مع الموهوب له تعاملا ماليا اعتمادا على الهبة؛
7.  إذا أدخل الموهوب له تغييرات على الملك الموهوب أدت إلى زيادة مهمة في قيمته؛
8.  إذا هلك الملك الموهوب في يد الموهوب له جزئيا جاز الاعتصار في الباقي."
[112]  أبو الوليد القرطبي الأندلسي ، م . س ، ص318.
[113]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 419.
[114]  للمزيد حول هذا الموضوع أنظر: عادل العشابي، الشهادة الطبية في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون المدني، جامعة محمد الخامس – أكدال الرباط، 2002.
[115]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 420.
[116]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 419.
[117]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 420.
[118]  حساين عبود، الرجوع في الهبة وفقا لم . ح . ع، المنازعات العقارية - الجزء الثاني، سلسلة دراسات وأبحاث، منشورات مجلة القضاء المدني، ص 47.
[119]  أورده: محمد بفقير، م . ح . ع و العمل القضائي المغربي، الطبعة الثانية، 2017، ص 285.
[120]  عبد الرحمان بلعكيد، م . س ، ص 420.
[121]  أورده: محمد بفقير، م . س ، ص 285.

شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق