الكراء الوقفي pdf



تقديم

يتميز النظام العقاري بالمغرب بتعدد أنواع الأراضي واختلاف أصناف الملكية العقارية، إذ لا يتعلق الأمر بالأزدواجية القائمة فقط على أساس التمييز بين عقار محفظ وعقار غير محفظ وإنما يتجاوز ذلك إلى وجود أنماط مختلفة ضاربة في أعماق التاريخ المغربي، هذا التعدد والتتوع أدى إلى تداخل على مستوى القواعد والقوانين المنظمة لهذه العقارات حيث يستقي بعضها مصدره من الفقه الإسلامي، كما هو الشأن بالنسبة لنظام الوقف.

ويعرف الوقف في المذهب المالكي بأنه: إعطاء منفعة شيه مدة وجوده، لازم بقاؤه في ملك معطيه ولو تقدير. وهو يعتبر عند عموم فقهاء المسلمين من التبرعات، وحثوا الناس على حبس أموالهم رغبة في رضا رب العالمين والتقرب إليه عبر إنفاق أموالهم في أوجه الخير والبر مصداقاً لقوله عز وجل: "وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".

وهكذا فالوقف يعتبر أحد مظاهر مظاهر الشخصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي عموما، إذ احتفظ بموقعه كنظام إسلامي خالص مستمد من روح الشريعة الإسلامية؛ هدفه تخصيص مال معين لأهداف خيرية إما محددة أو متنوعة.

وقد اهتمت الدولة المغربية بتنظيم الوقف، حيث في الققرة ما بين 1912 و1924 أصدر السلطان مولاي يوسف عدة ظهائر شريفة لتنظيم الأحباس متضمنة هذه القرارات ومنشورات وزارية لتفسيرها، بشكل يصعب معه ضياع الأحباس إما بالتفوبت أو البيع، أو نزع الملكية بدعوى المصلحة العمومية؛ خصوصاً وأن المغرب في هذه الفترة كان قد خضع للاستعمار الفرنسي.

إلا أنه ورغم كثرة الظهائر الصادرة التي سميت فيما بعد بالضوابط الحبسية، والتي حاول من خلالها المغرب الحفاظ على روح الفقه الإسلامي وبالأخص الفقه المالكي، إلا أن جانباً مهما من أحكام الوقف ظل خارج دائرة التقنين. وهو ما حدا بالمشرع إلى ضرورة مراجعة التشريع الحبسي. بما يراعي تطور المجتمع وتحقيق مصلحة الوقف. خاصة وأنه كما قال الملك الراحل الحسن الثاني: "الأحباس مقياس الحضارة والرقي، رقي شعور الأمة والشعب الذي يحبس"، فالعقارات الحبسية رغم كثرتها، ظلت في منأى من مسايرة متطلبات التنمية؛ نظراً لعدم تمتيعها بنظام قانوني يضمن حقوقها، ويسهل إدماجها في عجلة التنمية الاقتصادية؛ كما ظلت هذه العقارات محل نزعات قضائية لا منتهية نتيج للفراغ التشريعي الذي ظل مرافقا لهذه الأملاك”.

ونظرأ للمشاكل التي نتجت عن العمل بالضوابط الحبسية، وما نتج من ضياع للأملاك الوقفية، صدرت مدونة الأوقاف في المغرب سنة 2010 في قالب جامع للأحكام الفقهية المتناثرة للوقف، حسمأ لكل تضارب أو نقاش في أمور الوقف. فقد اعتبر إصدار هذه المدونة حدثأ قانونياً متميزاً في طبيعة النظام الإجرائي الجديد والمتنوع الذي جاءت به المدونة.

وتتجلى أهمية الموضوع أنه ومع تغير المفاهيم الاجتماعية والملامح الاقتصادية ليس للبلاد فحسب. بل للعالم بأسره فقد أضحى إدماج الوقف في عجلة التنمية ضرورة ملحة، وذلك من أجل تنمية رأسمال الأوقاف وانتشاله من الركود خاصة وأن عقارات الأوقاف ظلت في تزايد مستمر وتراكم دائم. ومن هنا كان كراء الأوقاف صيغة استثمارية تبناها المشرع المغربي في إطار للعمل على استثمار وتدبير الرأسمال الوقفي.

وبناء على ما سبق يمكن إثارة الإشكالية المركزة التالية:
إلى أي حد توقيف المشرع المغربي في تنمية الأموال الوقفية وإدماجها في عجلة الاقتصاد من خلال تنظيم كرانها؟

وعليه فإن الإجابة عن الإشكالية المحورية أعلاه، فإننا سنتناول موضوعنا وفق التصميم المنهجي التالي:

المبحث الأول: الأحكام العامة لعقد الكراء الوقفي

المبحث الثاني: آثار عقد الكراء الوقفي وانقضاؤه


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق