ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير : الواقع وسبل التصدي



مقدمة

يلعب العقار دورا حيويا في تحقيق التنمية المستدامة في شتى تجلياتها، باعتباره الأرضية الأساسية التي تنبني عليها السياسات العمومية للدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة، كما انه يعتبر الوسيلة الأساسية لضمان حق
السكن، وتحفيز الاستثمار المنتج في المجالات الصناعية والتجارية والحرفية والخدماتية ...

غير أن تحقيق العقار لهاته الأهداف يشترط وجود إطار قانوني يحمي الملكية العقارية ويوفر مجالا للتعامل خالي من النزاعات، لهذا أولت مختلف التشريعات المعاصرة والمواثيق الدولية اهتماما بشكل كبير للملكية العقارية، حرصا منها على حمايتها وحصانتها من كل وقائع التعدي والإستيلاء.

وهذا ما نجده في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789، الذي أكد على مبدأ ضمان الملكية الخاصة وحرية التملك باعتبارهما حقا أساسيا.

ونفس الشيء نهجه المشرع المغربي من خلال مجموعة من المقتضيات القانونية، والتي بها ارتقى بالملكية العقارية إلى مصاف الحماية الدستورية، وذلك بموجب الفصل 5 من دستور فاتح يوليو 2011 الذي ينص في فقرته الأولى على ما يلي :"يضمن القانون حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا إقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون ...".

كما تدخل المشرع المغربي لضبط الملكية العقارية وحمايتها بعدة نصوص قانونية، في مقدمتها القانون المدني وقانون التحفيظ العقاري الذي يعد إحدى الركائز الأساسية لتثبيتها وتنظيمها، ولكن لما كانت الحماية المدنية للملكية الخاصة لا تكفي هي الأخرى لدرء الإعتداء، أقر المشرع الجنائي حماية أخرى من نوع آخر، ألا وهي  الحماية الجنائية كحماية استثنائية في مواجهة التعديات على عقارات الاغيار.

إلا انه بالرغم من الأهمية التشريعية التي أولها المشرع المغربي للملكية العقارية، فإن المنظومة العقارية لا زالت إلي يومنا هذا تعاني من مجموعة من الاكراهات والمشاكل، لعل أهمها تنامي ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير في السنوات الأخيرة والتي أصبحت تهدد الأمن العقاري بالبلاد، وخير دليل على ذلك حجم القضايا المعروضة على المحاكم والشكايات الموجهة للديوان الملكي، الشيء الذي جعل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوجه رسالة ملكية شريفة إلى السيد وزير العدل والحريات بتاريخ 30 دجنبر 2016 وذلك بهدف التصدي الفوري والحازم لظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير لما قد ينجم عنها من انعكاسات وسلبيات خطيرة قد تؤدي إلى زعزعة ثقة الفاعلين الاقتصاديين إذ وصفتها الرسالة الملكية ب "الخطيرة ".

وقد اتخذت هذه الظاهرة شكل جرائم منظمة يتقاسم فيها مختلف الفاعلين والمتدخلين في مجال العقار أدوارا مختلفة، مستعينين أحيانا بالتزوير وأحيانا أخرى ببحثهم وإحاطتهم بالعقارات المهملة، خاصة تلك التي تعود ملكيتها للآجانب والمغاربة المقيمين بالخارج والتي تعتبر عرضة للاستيلاء بالدرجة الأولى .

وجدير بالذكر أن ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير لا تقوم بوضع اليد على العقارات فقط بل يعتبر الاستيلاء كل احتلال للعقار دون سند قانوني بما فيها حالات الترامي على ملك الغير أو حيازته من دون موجب أو سند مقبول بحكم القانون.

وعلية يعد الاستيلاء سببا لكسب ملكية الأشياء التي لا مالك لها عن طريق وضع اليد عليها بنية تملكها.


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق