مقارنة بين بطلان العقود وإبطالها في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي




الدكتور محمد مومن
كلية الحقوق بمرا كش

يعتبر العقد أهم مصدر من مصادر الالتزامات، ويقصد به توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني. ولكي ينعقد العقد وينتج آثاره، لابد من توفر الأركان اللازمة لإنشائه التي نص عليها المشرع في الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود، وهي الرضا
و(الأهلية) والمحل والسبب، ويلحق بها الشكل استثناء. فإذا اجتمعت هذه الأركان نشأ العقد صحيحا وأنتج كافة آثاره التي يحددها القانون، أما إذا كان العقد مفتقرا لأحد أركانه السابق ذكرها، فلا يكون صحيحا بل يولد ميتا هو والعدم سواء. فيكون أنذاك باطلا لا ينشئ التزامات ولا ينتج آثارا، فكأنه لم يكن.


وقد يكون العقد مستوفيا لجميع أركانه وبالتالي منتجا كل أثاره، ولكن بعض شروطها تكون ناقصة أو يشوبها عيب، كما إذا كان ركن الرضا يشوبه عيب من عيوبه كالغلط والتدليس والإكراه. ففي هذه الحالة تتوفر في العقد كل أركانه، وبالتالي فهو ينعقد منتجا لكل آثار، كل ما في الأمر أن خللا أصاب أحد أركان العقد، وهو كأصل عام ركن الرضا، إلا أن هذا الخلل ليس من الجسامة بحيث يؤدي
بمجرده إلى انهيار العقده ولكنه يعطي المتعاقد الذي يضار من وجوده الرخصة في إهدار العقد، فيكون بذلك العقد قابلا للإبطال. 

وقابلية العقد للإبطال لا تلازمه دائما، فهي فترة مؤقتة تبدأ من وقت نشوئه إلى تاريخ معين قد يطول وقد ينقص، ولكنه ينتهي بالضرورة يوما ما، وهذه الفترة تنقضي بأن يأخذ العقد مصيرا من اثنين: فهو إما أن يتطهر من جرثومة الفساد التي يتضمنها فيصبح صحيحا بصفة نهائية، وإما أن يعمل فيه سيف الإبطال فينهار، وبالتالي فإن العقد القابل للابطال يمر بمرحلتين : مرحلة القابلية للابطال ومرحلة التحديد النهائي.

يتضح مما سبق أن المؤيد أو الجزاء الذي يلحق العقد عند عدم استكمال أركانه وشروط صحته يختلف باختلاف المخالفات التي تقع عند إنشاء العقد والتي قد تكون آثاره أساسية فتستوجب البطلان، وتارة ثانوية فتستوجب الإبطال .

وبالرغم من ذلك، فإنه إذا نظرنا إلى ماهية البطلان، أي من حيث هى نجده لا يتنوع أي أن مؤداه هو انعدام العقد، والعدم في ذاته لا يختلف. لكن إذا نظرنا إلى البطلان من حيث الوقت الذي يلحق فيه العقود نجده نوعين : بطلان يلحق العقد منذ نشأته، أي أنه يحول دون قيام العقد، وبطلان لا يلحق العقد إلا بعد فترة من الزمن طالت أم قصرت، وهوإن لحقه فلا يكون ذلك على سبيل الحتم؛ وإنما للإعمال رخصة يجيزها القانون لأحد المتعاقدين لمن أراد الإفادة منها، وعلى عكس النوع الأول الذي يعتبر العقد فيه منعدما وغير منتج لأي أثر سوى في حالات استثنائية، فإنه في النوع الثاني يعتبر قائما ومنتجا لجميع آثاره ولكنه عرضة للإبطال لعلة جعلته كذلك قانونا، فإنه من الطبيعي أن تكون لمعدومية العقد الباطل خصائص بعكس الخصائص التي يستلزمها قيام العقد القابل لإبطال، أما ما ليس من مستلزمات الوجود أو العدم فليس فيه اختلاف، لذلك فإن البطلان يتميز ببعض الخصائص التي تختلف عن الخصائص التي يتميز بها الإبطال، ويشترك معه في بعض الخصائص الأخرى.

ولبيان ذلك سنقسم هذه الدراسة إلى فصلين : نخصص الأول لأوجه الشبه أو الالتقاء بين البطلان والإبطال، والثاني لأوجه الاختلاف بينهما.



شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق