تعدد الأنظمة العقارية بالمغرب


من إعداد: محمد بداودي


مقدمة


   النظام العقاري بالمغرب نظام مزدوج في هيكله ومتنوع في تركيبه؛ فإلى جانب التقسيم الشامل للأراضي في المغرب بين أراضي محفظة منظمة بواسطة الظهير الصادر بتاريخ 12 غشت 1913، وأراضي غير محفظة بقيت خاضعة للفقه المالكي وأحكام قانون الإلتزامات والعقود. هناك أيضا إختلاف في الأنظمة العقارية من حيث تصنيفاتها، فمنها ما يعود أساس نشأتها إلى اعتبارات تاريخية وحضارية (الملكية الخاصة للأفراد، نظام أراضي الجماعات السلالية، الأملاك الحبسية...)، ومنها ما يرجع ظهورها إلى تبني المغرب لنموذج الدولة الحديثة وما استلزم ذلك من تبني المؤسسات القانونية والإدارية (الملك الخاص الدولة، الملك العام للدولة، ملك الجماعات المحلية...).
   يحيلنا هذا التقديم على إشكالية متعلقة بكيفية ظهور الإزدواجية العقارية بالمغرب؟ وتصنيف مختلف الأملاك العقارية المغربية والقوانين المنظمة لها؟
  تقتضي منا الإجابة عن هذين السؤالين تقسيم الموضوع إلى مطلبين على الشكل التالي:
المطلب الأول: إزدواجية النظام العقاري بالمغرب
المطلب الثاني: طبيعة الأملاك العقارية المغربية

المطلب الأول: إزدواجية النظام العقاري بالمغرب


   الملكية العقارية بالمغرب كانت منظمة بقواعد الفقه الإسلامي إلى أن أتى مشرع الحماية الفرنسية بنظام التحفيظ العقاري، مما أدى إلى ظهور الإزدواجية القائمة بين عقارات محفظة وعقارات غير محفظة.

الفقرة الأولى: دوافع إقرار نظام التحفيظ العقاري


   كان الإتفاق الذي عقد بمؤتمر مدريد سنة 1880، خصوصا ما يتعلق بالإعتراف لجميع الأجانب بحق التملك في سائر أنحاء المملكة، بداية للإحتلال الأجنبي للمغرب، وتأكد هذا في عقد الجزيرة الخضراء المبرم في 2 أبريل 1906، وفي عقد الحماية المبرم في 30 مارس 1912، ثم الإتفاق الفرنسي الإسباني حول المغرب الموقع بتاريخ 27 نونبر 1912.
   وكانت سلطات الحماية آنذاك متحفزة لوضع نظام يتعلق بالملكية العقارية من أجل ضمان الإستقرار للفرنسيين والأجانب، وتمكين الجميع من التملك والإستغلال المنظم للأراضي، وبهذا أعدت سلطات الحماية نظام التحفيظ العقاري بعد سنة ونصف من عقد الحماية، حيث صدر ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) الذي يقر نظاما جديدا إلى جانب النظام الذي كان سائدا ومعمولا به.
   وكان مشرع الحماية يبرر إقراره لنظام جديد للملكية العقارية والذي بمقتضاه أصبحت العقارات بالمغرب تخضع لنظام مزدوج، بدعوى وضع حد للفوضى التي كانت تتسم بها الملكية العقارية، وذلك لافتقار محرري الرسوم العدلية إلى الدقة والتحديد، وعدم ضبط السجلات العقارية ضبطا كافيا، يمكن ذوي الحقوق والغير والمحاكم من الرجوع إليها كلما اقتضت الضرورة ذلك. كما كانت من ضمن الأسباب المبررة للأخذ بنظام التحفيظ العقاري إقرار الحقوق على أسس عصرية يكفل للملكية العقارية وضعا قانونيا مستقرا ومبنيا على أسس علمية ومنطقية ويضع حدا للتلاعب والإستيلاء والترامي الذي كان يسود البلاد، وكذلك وضع سياسة عقارية واضحة تمكن الملاكين من استغلال أراضيهم بكيفية أفضل.
   والتحفيظ عامة هو نظام إشهاري عيني لا شخصي، مأخوذ من نظام تورنس الأسترالي، وهو نظام يقوم على التنظيم الدقيق للعقار ذاته بصرف النظر عن مالكه أو أصحاب الحقوق العينية عليه.

الفقرة الثانية: النظام القانوني للعقار المحفظ والعقار غير المحفظ


   يقصد بتعبير "التحفيظ العقاري" مجموع الإجراءات والعمليات التي ينبغي اتباعها لجعل العقار خاضعا لنظام التحفيظ العقاري المنصوص عليها في ظهير 9 رمضان 1331 (12غشت 1913)، من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد، وهذه الإجراءات ترمي في النهاية إلى إقامة رسم الملكية مسجل بسجل عقاري سواءا تعلق الأمر بأراضي زراعية أو غير زراعية أو  بعقارات مبنية أو غير مبنية.
   والرسم العقاري حسب الفصل 62 من ظهير 12 غشت 1913 كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 14.07، يعتبر نهائيا ولا يقبل أي طعن، ويعتبر نقطة الإنطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه، دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة. كما يمكن للغير الإطلاع على وضعية العقار من خلال الرسم العقاري، لأنه يسمح بتتبع سائر التطورات التي قد تطرأ على وضعيته القانونية والمالية.
   أما العقار غير المحفظ فيعتبر هو الأساس، فقبل إقرار نظام التحفيظ العقاري كان المغرب لا يعرف إلا تنظيما واحدا، هو العقار المدني بأشكاله التقليدية ولم يكن تعبير "عقار غير محفظ" متداولا ولا معروفا.
   وبالنسبة للأساس القانوني الذي يقوم عليه العقار غير المحفظ فيتمثل في الحيازة، أي وضع اليد والتصرف فيها بشكل عادي وعلني والإستمرار والخلو من اللبس، ومن أهم ما يطبع النزاعات حول العقارات غير المحفظة تمحورها حول دعوتين رئيسيتين هما: دعوى الحيازة ودعوى الإستحقاق.
   ويخضع العقار العادي أو العقار غير المحفظ لقانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية وفي ما لم يرد به نص في هذه المدونة تطبق عليه مقتضيات قانون الإلتزامات والعقود، فإن لم يوجد فيه نص يرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى به العمل من الفقه المالكي.
   وفي إطار ضبط المعاملات العقارية المتعلقة بالعقارات غير المحفظة ومحاولة للتقريب بين العقار المحفظ والعقار غير المحفظ، اتخذ وزير العدل قرارا رقم 1848-16 الصادر بتاريخ 24 يوليوز 2016، يقضي بإحداث نموذج سجل إيداع وتسجيل الوثائق الخاصة بالعقارات غير المحفظة يتم مسكه داخل كل محكمة ابتدائية، تودع وتقيد به نسخ الوثائق المثبتة لملكية المعني بالأمر، وبإمكانه الحصول على شهادة إيداع من رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الإبتدائية المعنية.

المطلب الثاني: طبيعة الأملاك العقارية الموجودة بالمغرب


   نجد إلى جانب إزدواجية النظام العقاري المغربي تنوعا في طبيعة الأملاك العقارية الموجودة بالمغرب، بعضها يعود إلى اعتبارات تاريخية ودينية (كأملاك الجماعات السلالية وأراضي الأحباس وأراضي الكيش ...)، والبعض الآخر تدخل المشرع مباشرة لتنظيمه (كأملاك الدولة الخاصة والأملاك العامة ...).

الفقرة الأولى: الملك العام للدولة


كان هناك خلط كبير بين الأملاك العامة والأملاك الخاصة للدولة، وكان تسيير أراضي الدولة وأراضي المخزن تعترضه صعوبات عملية كثيرة، الشيء الذي كان يؤدي إلى ضياع كثير من هذه الأراضي عن طريق الإستيلاء عليها وبيعها، وقد استرعت هذه الفوضى انتباه السلطان مولاي الحسن الأول، فأصدر أمره سنة 1865 إلى أمين الأملاك آنذاك، مطالبا إياه بالقيام بجرد وإحصاء جميع أملاك المخزن في المملكة ووضع ملفات وقوائم بها حسب كل منطقة.
   ظلت هذه الوضعية على ما هي عليه إلى أن صدرت بعد الحماية أول دورية بتاريخ 1 نونبر 1912 عن الصدر الأعظم، والتي حددت الأملاك غير القابلة للتفويت، ثم صدر ظهير فاتح يوليوز 1914 المتعلق بالأملاك العامة، بمقتضاه وضع حد للخلط الذي كان قائما بين أراضي الدولة وأراضي المخزن (الأملاك الخاصة للدولة). وتم تحديد الأملاك العامة على أنها الأراضي المخصصة للمنفعة العامة أو لتسيير مرفق عام، والتي لا يجوز لأحد الإنفراد بتملكها إذ تعد شائعة بين الجميع.
   وقد عهد بإدارة وتسيير هذه الأملاك إلى المدير العام للأشغال العمومية بمقتضى تفويض مستمر، ويديرها أعوان الدولة الذين يعينون لهذا الشأن بظهير.
   وإذا ما قمنا باستقراء المادة الأولى من ظهير فتح يوليوز 1914 نجده يعدد الأملاك التي تدخل في نطاق الملك العمومي على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، ونذكر من بينها: الشواطئ والموانئ، والأنهار والجداول والبحيرات والآبار والينابيع والطرق والقناطر والممرات وغيرها... وتعتبر المناجم أيضا من الملك العام حسب المادة 3 من قانون 33.13 المتعلق بالمناجم، كما تعد جزءا من الملك العمومي المائي: المسطحات المائية وكل أنواع المستنقعات والعيون ومجاري المياه والضفاف الحرة والطمي والمنشآت المائية والحواجز والسدود طبقا للقانون 36.15 المتعلق بالماء.

الفقرة الثانية: الأملاك الخاصة للدولة


   لم ينص ظهير فاتح يوليوز 1914 المنظم للمال العام على أي تعريف للملك الخاص للدولة، لذلك حاول بعض الفقه إيجاد تعريف له وذلك في إطار مقابلته مع الطبيعة القانونية للملك العمومي، فعرف على أنه مجموعة من العقارات والمنقولات التي تملكها الدولة دون أن تكون مخصصة للعموم، وهي بعبارة أخرى الأملاك التي لا تدخل في إطار أملاك الدولة العامة.
   وينقسم الملك الخاص للدولة إلى نوعين يخضع كل واحد منهما لنظام قانوني مستقل، ويتعلق الأمر ب: 
ملك خاص خاضع في تدبيره لوزارة الإقتصاد والمالية (مديرية أملاك الدولة)،
ملك غابوي خاضع في تدبيره للمندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر.
   والملك الخاص الذي أسندت مهمة تدبيره لوزارة الإقتصاد والمالية خصوصا مديرية أملاك الدولة، منظم بمقتضى ظهير 3 يناير 1916، ويخضع من حيث المبدأ لقواعد قانون الإلتزامات والعقود لكونه قابل للتفويت والتصرف بشتى الطرق (كالبيع، الكراء، المعاوضة، التخصيص).
   ويتميز الرصيد العقاري للملك الخاص للدولة بالتنوع، حيث نجد الأملاك التي تم استخراجها من الملك العمومي وضمها إلى الملك الخاص، والأراضي التي تم استرجاعها من يد الأجانب والمعمرين، والأموال الموهوبة للدولة والتي لا مالك لها، والأراضي الموات، والقطع المتروكة بسبب ضم الأراضي الفلاحية، والعقارات المقتناة من طرف الدولة إما بالتراضي وإما بنزع الملكية، والتركات الشاغرة والعقارات الفلاحية المهملة وغيرها. 
   وتعمل مديرية أملاك الدولة على تدبير هذه الأملاك عبر مرحلتين: 
- مرحلة التصفية القانونية من خلال الإستكشاف والتحديد الإداري والتحفيظ، 
- مرحلة التدبير وتتضمن عملية التخصيص، الكراء والبيع.

الفقرة الثالثة: الملك الغابوي


   طبقا لمقتضيات الدورية الصادرة عن الصدر الأعظم بتاريخ فاتح نونبر 1912 اعتبرت الغابات بجميع أرجاء المملكة ملكا للدولة، مع إعطاء حق الإنتفاع للرعي وجمع الحطب للقبائل المجاورة، شريطة الحصول على رخصة من الجهة المختصة.
   والملك الغابوي منظم بمقتضى الظهير الصادر بتاريخ 10 أكتوبر 1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها كما تم تتميمه وتعديله، ويعتبر من الملك الخاص للدولة، كونه يقبل التصرف عن طريق البيع أو المعاوضة، كما أنه غير مخصص لاستعمال الجمهور ولا لخدمة مرفق عمومي أو منفعة عامة.
   وتغطي النظم الغابوية مساحة إجمالية تقدر بحوالي 9 مليون هكتار، وتؤدي وظائف متعددة من أهمها المحافظة على التوازنات الطبيعية والوقاية من انجراف التربة ومحاربة التصحر. وتشرف على إدارتها وتدبيرها وزارة الفلاحة والصيد البحري خاصة المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر.
   الأملاك الغابوية لا تدخل كلها في ملكية الدولة، بل هناك غابات مملوكة للخواص، والسند التشريعي في ذلك هو الفصل الأول من ظهير 10 أكتوبر 1917 الذي حدد الفصل الأول منه الأملاك الخاضعة للنظام الغابوي في: 
- أولا- الملك الغابوي.
- ثانيا - غابات الجماعات القابلة للتهيئة و الاستغلال بصفة منتظمة.
- ثالثا - الغابات المتنازع فيها بين الدولة و جماعة أو بين أحد هذين الصنفين من الملاكين و أحد الأفراد
- رابعا - الأراضي الجماعية المعاد غرسها أو التي ستغرس من جديد و أراضي الرعي الجماعية التي يجب تحسينها من طرف الدولة بعد موافقة مجلس الوصاية على الجماعات.
- خامسا - الأراضي المعاد غرسها أو التي ستغرس من جديد وأراضي الرعي الجارية على ملك أحد الأفراد و التي يريد ملاكوها أن يعهدوا بصددها للدولة إما بالحراسة و إما بالحراسة و التسيير.
وقد أكد القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة الصادر بالظهير الشريف بتاريخ 12 ماي 2003 نفس المبدأ بإقراره وجود غابات مملوكة للدولة وأخرى للأفراد، فقد نص الفصل 23 منه على مايلي:
” تعتبر الغابات سواء العمومية، أو الخاصة بمثابة ممتلكات ذات منفعة مشتركة من واجب الإدارة والخواص المحافظة عليها بشكل يضمن توازنها واحترام الأنظمة البيئية”.
بل أكثر من ذلك، فالمشرع قد رخص في بيع الملك الغابوي، وإن كان قد قيد عملية البيع بضابطين أولهما أن يتم البيع لفائدة المصلحة العامة، وثانيهما أن ثمن البيع يدفع لاستعماله في شراء أراضي جديدة وغرسها.

الفقرة الرابعة: أراضي الكيش


   أراضي الكيش أو الجيش هي تلك الأراضي التي تم تسليمها منذ عهد بعيد إلى بعض المجموعات القبلية قصد استغلالها، مقابل خدماتها العسكرية في الجيش السلطاني، على أن تتمتع الجماعات القبلية بحق الإنتفاع على هذه الأراضي، في حين تحتفظ الدولة بحق الرقبة، وقد كان السلاطين آنذاك يقتطعونها من الأراضي الموات أو الأراضي التي انتزعت ملكيتها من القبائل غير الخاضعة لسلطاتهم.
   وهذه الأراضي تكون عبارة عن أراضي فلاحية أو قابلة للفلاحة أو مراعي تستغل على وجه الشياع بين أفراد القبائل المكلفة بحماية الثغور أو بعض المناطق بالمغرب، وقد كان عدد المناطق التي توجد بها أراضي الكيش تختلف تبعا لظروف البلاد، وأهم ما عرف من هذه المناطق ستة، هي منطقة سوس والوداية والشراردة والشراكة والبواخرة أو عبيد البخاري والريف، وكانت تلك القبائل الجيشية في البداية تؤدي ضريبة عقارية تسمى الخراج على شكل خدمات عسكرية، وبعد أن انقطعت خدماتهم العسكرية، صاروا يستغلونها بمقابل مالي، وأصبح يطلق عليها فيما بعد أراضي النايبة أو النيابة، وقد كانت القبائل التي تستغل هذه الأراضي معفاة من أداء الضرائب عدا الزكاة.
   بالنسبة لتنظيم أراضي الكيش بالمغرب، فلا يوجد أي نص قانوني إلا ما كان متعارفا عليه في القديم، علما بأن هذه الأراضي هي في الأصل ملك خاص للدولة، وأن غياب النصوص القانونية لهذه الأراضي أدى إلى تحويل بعضها إلى أراضي جماعية، كما حدث بالنسبة لبعض أراضي الجيش بالأوداية بأحواز الرباط.
   وقد سبق للمجلس الأعلى (محكمة النقض) أن أبدى رأيه بوضوح حول أراضي الكيش من حيث الإختصاص والوصاية، وذلك في إحدى قراراته التي جاء فيها أن: " أراضي الكيش ليست من أملاك الجماعات فلا يختص مجلس الوصاية بإتخاذ أي قرار بشأن استغلالها، وكل ماله هو الدفاع عن مصالح الجماعات المتعلقة بها، ولهذا فإن تصدي مجلس الوصاية للبث في نزاع شخصين حول استغلال هذه الأراضي، يعتبر خروجا عن دائرة اختصاصه مما يستوجب إلغاء المقرر المطعون فيه." قرار عدد 136 صادر بتاريخ 9 ماي 1979 منشور بمجلة قضاء الأعلى عدد 30 (1982).

الفقرة الخامسة: الأراضي السلالية أو أراضي الجموع


   أراضي الجماعات السلالية هي أراضي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو دواوير أو عشائر، قد تكون بينهم روابط عائلية أو عرقية واجتماعية ودينية، وحقوق الأفراد فيها غير متميزة عن حقوق الجماعة، بحيث أن استغلالها يتم مبدئيا بكيفية جماعية.
   وتظهر أهمية أراضي الجماعات السلالية من خلال مساحتها الإجمالية التي تقدر بخمسة عشر مليون هكتار، ومن المؤكد أنها كانت ذات مساحة أكبر بكثير من الحالية، بل يمكن القول بأنها كانت هي الأساس وأراضي الخواص هي الإستثناء. ومن حيث السكان، يعيش على الأراضي السلالية ما يناهز 9 مليون نسمة حسب الإحصائيات المقدمة خلال المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة الداخلية سنة 1995.
   وقد كان أول تدخل رسمي في أراضي الجماعات السلالية بواسطة منشور صادر عن الصدر الأعظم بتاريخ 1 نونبر 1912، والموجه إلى القواد والقضاة يقضي بأن الأراضي المشغولة بكيفية جماعية من طرف القبائل ستستمر إدارتها طبقا للقواعد القديمة بدون إمكانية بيعها أو قسمتها. كما أكد منشور آخر صدر بتاريخ 6 مارس 1914 عدم قابلية الأراضي السلالية للتفويت، ومنع القضاة من إقامة رسوم الملكية المتعلقة بها. ثم بعد ذلك بادرت سلطات الحماية إلى التدخل بواسطة قوانين متلاحقة أهمها ظهير 27 أبريل 1919 المتعلق بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها، بهدف تفكيك التضامن الذي كان سائدا بين أفراد الجماعات والإستيلاء على هذه الأراضي بطرق مختلفة من طرف المعمرين الأجانب، وحتى من طرف بعض ذوي النفوذ بالقبائل.
   وقد صدرت مؤخرا مجموعة من القوانين الناسخة والمعدلة للقوانين السابقة التي كانت تنظم الأراضي السلالية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية واستجابة للتوصيات المنبثقة عن الحوار الوطني حول أراضي الجماعات السلالية، الذي تم تنظيمه تحت الرعاية السامية لجلالة الملك خلال سنة 2015، منها قانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، والذي نسخ وأعاد صياغة الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919، كذلك القانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، والذي نسخ وأعاد صياغة الظهير الشريف المؤرخ في 18 فبراير 1924، ثم قانون رقم 64.17 المتعلق بتغيير الظهير 25 يوليوز 1969 بشأن الأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري.
   ويمكن إجمال الخصوصيات التي تتميز بها الأراضي السلالية في عدم قابليتها للتقادم أو الحيازة أو الحجز، وعدم قابليتها للتفويت ويمكن أن تكون موضوع نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وذلك كما جاء في المادة 15 من القانون 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، كذلك تتميز الأراضي السلالية بعدم خضوعها لقاعدة التطهير المنصوص عليها في الفصلين 1 و 62 من ظهير التحفيظ العقاري، وعدم قابليتها للقسمة البتية (إلا في الحالة المنصوص عليها في المادة 17 من قانون 62.17، والمتعلقة بالأراضي الواقعة خارج دوائر الري وغير المشمولة بوثائق التعمير)،  في مقابل ذلك يمكن قسمتها قسمة استغلالية.
   ويتم تدبير الجماعة السلالية لممتلكاتها والمحافظة على مصالحها وإدارة شؤونها الخاصة عن طريق بعض الممثلين لها يطلق عليهم جماعة النواب وهم من ذوي الحقوق والمنتسبين للجماعة، يتم إختيارهم بالتوافق من قبل جميع أفراد الجماعة أو بالإنتخاب، وتنتهي ولاية جماعة النواب بمرور ست سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة. إلى جانب جمعية المندوبين أو جماعة النواب توجد أيضا مؤسسة الوصاية التي أسند إليها المشرع مهمة المراقبة والإشراف والعمل على المحافظة على ممتلكات الجماعات السلالة.
   وقد جاء القانون 62.17 بمقتضى جديد في المادتين 30 و 32 يتعلق بإحداث مجلس وصاية مركزي برئاسة وزير الداخلية، إلى جانبه مجلس وصاية إقليمية برئاسة العامل.

الفقرة السادسة: أراضي الأحباس


   ينصرف مفهوم لفظ الوقف ولفظ الحبس في الفقه الإسلامي إلى معنى واحد، وذلك لاعتياد الفقهاء على استعمالهما بمعنى واحد، وهو نظام اسلامي عريق يعبر عن ثقافة التضامن بين أفراد المجتمع، ويعكس أواصر التقارب بين الميسور والمحتاج، حيث يقوم على تخصيص المحبس لجزء من أملاكه لفائدة جهة خيرية أو دينية أو اجتماعية معينة. وبالتالي فالوقف إما أن يكون عاما لفائدة جهة خيرية أو دينية معينة كالمساجد والمقابر وغيرها، وإما أن يكون خاصا كالوقف المعقب الذي يكون مخصصا في الغالب لذرية الواقف ما تناسلوا، فإذا انقطع المعقب عليهم أصبحت ملكيته للأوقاف العامة، وإما أن يكون مشتركا بين جهة عامة وجهة خاصة.
   وقد تم وضع معظم القوانين المنظمة للوقف بالمغرب، أو ما يصطلح على تسميته بالضوابط الحبسية، أثناء فترة الحماية الفرنسية، ولم يكن المشرع آنذاك حرا في اختياره، بل كان مقيدا بعقد الجزيرة الخضراء لسنة 1906 ومعاهدة الحماية لسنة 1912، اللذين جعلا مجال الأحباس خارج تدخل سلطات الحماية.
   وبالتالي ظلت الظهائر الصادرة في هذه الفترة سارية المفعول حتى بعد الإستقلال، إلى أن صدر ظهير 25 يوليوز 1969 والذي انتقلت بموجبه إلى الدولة ملكية الأراضي الفلاحية أو القابلة للفلاحة المعتبرة أوقافا عمومية. أما الأوقاف الخاصة أو المعقبة فرغم أنها بدورها غير قابلة للتفويت مبدئيا ولا للتقادم ولا للحجز، فقد أدت وضعيتها إلى تفتيت كثير منها بسبب تعدد الأعقاب وتشتتهم وقلة منابهم من الإنتفاع، مما أدى بالمشرع إلى إصدار ظهير 18 أبريل 1979 تحدد بموجبه كيفية تشكيل لجنة يعهد إليها بتصفية الأوقاف المعقبة والمشتركة.
   أصبحت الأوقاف حاليا تخضع في تنظيمها لمدونة الأوقاف الصادرة بالظهير الشريف 1.09.236 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 ه (23 فبراير 2010)، حيث تم تجميع كل الأحكام المتعلقة بالأوقاف وتوحيدها في مدونة قانونية عصرية. وتخضع الأملاك الوقفية للمراقبة والتسيير والتدبير من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خاصة مديرية الأوقاف.

الفقرة السابعة: الأملاك الخاصة


   الأملاك الخاصة هي التي يملكها الأفراد لانتفاعهم الخاص، وحقهم بالانتفاع بها والتصرف فيها حق مطلق، إلا ما كان من قيود مستحدثة اقتضتها المصلحة العامة.
   وتكتسب الملكية الخاصة بطرق متعددة؛ إما عن طريق الحيازة مع توفر شروطها، وإما الانتقال بين الأحياء عن طريق البيع أو المعاوضة أو الشفعة أو الهبة، أو من ميت إلى حي عن طريق الإرث أو الوصية. كما أن هذه الأملاك يمكن أن تكون محل مسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة.
   وتشكل الأراضي المملوكة للخواص حوالي 75 في المائة من الوعاء العقاري الوطني.


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق