حدود إعمال الطابع المطلق والدائم للحيازة العرضية: قراءة على ضوء المادة 264 من مدونة الحقوق العينية واجتهاد الفقه والقضاء




الدكتور المصطفى خطيب
أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية الاقتصادية والاجتماعية
جامعة ابن زهر أكادير

مقدمة :

الحيازة مظهر واقي أو وضع مادي، ينطوي على مباشرة سلطة فعلية على الشيء يجعل الحائز يظهر فى مركز المالك لهذا الشيء أو صاحب حق عليه.

والحيازة باعتبارها واقعة مادية ترتب آثار قانونية أبرزها كسب الملكية أو غيرها من الحقوق العينية أو الثمار التي ينتجها الشيء متى توافرت شروطها، فضلا عن إمكانية حمايتها بدعاوى الحيازة، وسقوط دعوى ملكية الشيء المحوز في مواجهة الحائز، وذلك متى ثبت أنه كان حاضرا وساكتا بلا مانع طول المدة المقررة للحيازة.

وعلى هذا النحو تناول المشرع المغربي الحيازة ضمن أسباب كسب الملكية في مدونة الحقوق العينية، بالكتاب الثاني الفصل الثالث منه، وذلك انسجاما مع مقتضيات المادة 3 منها التي رتبت على الحيازة المستوفية للشروط القانونية "اكتساب الحائر ملكية العقار غير المحفظ أو أي حق عيني آخر يرد عليه إلى أن يثبت العكس". فالمشرع انطلق من كون الحيازة الاستحقاقية سببا لكسب الملكية تقوم بمنطوق المادة 239 من المدونة على السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه أي نية تملكه، مما يعنى أنه اشترط العنصرين اللازمين في الحيازة وهما العنصر المادي من جهة، المتمثل فى السيطرة المادية على الشيء، والعنصر المعنوي من جهة أخرى القائم على نية من يباشر هذه السيطرة في أن يكون مالكا لهذا الشيء.


إن هذا المنطلق الذي اعتمده المشرع المغربي يختلف عن ما هو معتمد لدى الرأي الراجح فى الفقه الإسلامي من كون الحيازة الاستحقاقية أساسها التصرف المادي من جهة، ومظنة الملك من جهة أخرى . فهو لا يجعل الحيازة سببا لكسب الملكية بشكل مباشر، وانما رتب على الحيازة متى استجمعت شروطها سقوط حق من يدعي ملكية المال المحجوز، وهو ما يعني أن الحيازة قرينة على الملك أي دالة عليه، وليست سببا مباشرا فيه، فيدعي الملك متى كان حاضرا وساكتا بدون عذر طول المدة المقررة للحيازة. بموقفه هذا يكون الحائز مالك فعلي لما يحوزه وهو ما ينهض سببا لسقوط دعواه في مواجهته.

ومهما كان أمر هذا الاختلاف بين الصورتين فإن الحيازة المفتقرة لعنصر نية التملك أو مظنة الملك لا يمكن أن تكون سببا لكسب ملكية الشيء ولا قرينة دالة عليها تسقط معها دعوى من يدعي الملك.

ولعل هذه حالة الحائز العرضي الذي يحوز الشيء أو الحق ليس لحساب نفسه، بل هو يحوزه حيازة مادية محضة لحساب غيره وملزم برده له، فالسيطرة المادية التي تكون للحائز العرضي على الشيء إنما يستمدها من غيره وليست سيطرة مادية ابتداء ودون وساطة من أحد. وهذه حالة المستأجر الذي يعتبر حائزا عرضيا للعين المؤجرة فيما يتعلق بحق الملكية عليها لكونه لا يباشر السيطرة المادية ابتداء بشأنها بل يستمدها من المالك المؤجر وبالوساطة عنه، بمقتضى عقد الإيجار الذي يخوله الانتفاع بالعين. ولذلك فإن من يباشر الحيازة بالوساطة عن غيره لا يستطيع أن يغير بنفسه لنفسه الأصل الذي تقوم عليه مباشرة السيطرة المادية أي أصل مدخل حيازته غير الناقل للملكية. ولعل هذا المقتضى هو ما نصت عليه المادة 246 من مدونة الحقوق العينية بقولها: " لا تقوم الحيازة ولا يكون لها أثر إذا ثبت أن أصل مدخل الحائز غير ناقل للملكية، ولا يحق لواضع اليد أن يغير بنفسه لنفسه سبب وضع اليد على الملك محل ادعاء الحيازة ولا الأصل الذي تقوم عليه".

على ضوء ذلك سنعمل في هذه المداخلة على الوقوف من جهة عند الطابع الدائم والمطلق للحيازة العرضية وهو ما سنتناوله في مبحث أول، على أن نخصص المبحث الثاني لحدود إعماله وفقا للمادة 246 من المدونة وما هو مستقر لدى الفقه والقضاء.



شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق