علاقة الطبيب بالمريض على ضوء قواعد المسؤولية المدنية




محمد بالفقير
باحث في القانون المدني.


مقدمة:


تعتبر مهنة الطب من أنبل المهن الإنسانية، ويشير التاريخ الانساني عبر مراحله المختلفة إلى ضرورة تحمل الطبيب بالضوابط الأخلاقية لحماية مرضاه، ويتعين عليه احترام سلامة جسم الإنسان لما له من حرمة والمحافظة على أرواح الناس أثناء ممارسة واجباته، قانونيا كانت أو أخلاقيا.

وقد صاحب التقدم العلمي الحاصل في المجال الطبي إلى ظهور مخاطر، نتج معظمها من سوء التحكم في التقنيات الطبية الحديثة، وانعكس سلبا على صحة المريض وسلامته، ولم يستقر الفقه وحتى القضاء في تحديد طبيعة المسؤولية المدنية للطبيب، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمريض، وتضييع حقوقه في أغلب الأحوال؛ لأن المريض يجد نفسه غير قادر على مواجهه الأطباء من جهة، وصعوبة إثبات تقصير الطبيب في تنفيذ التزامه من جهة أخرى.

وتقوم المسؤولية المدنية عموما حينما يخل الفرد بالتزم له قبل الغير قانونا أو اتفاقا، والجزاء فيها يكون بتعويض الضرر الناشيء عن هذا الاخلال.
وتبرز إشكالية البحث في اختلاف مواقف الفقه وحتى ردود القضاء في الأخذ بنظام مسؤولية واحدة.


أولا: تكييف مسؤولية الطبيب على أنها مسؤولية ذات طبيعة تقصيرية.


نظم المشرع المغربي أحكام المسؤولية التقصيرية بصفة عامة في الفصول من 77 إلى 106 من قانون الالتزامات والعقود، وتترتب المسؤولية التقصيرية بمجرد الإخلال بالواجبات القانونية، سواء كان منصوص عليها في بنود تشريعية، أو كانت نابعة من نظام التعايش الاجتماعي؛ كضرورة احترام حقوق الجوار، فإذا تحققت أركان هذه المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، فإنه المتضرر ستحق التعويض عن الأضرار اللاحقة به.

وكان تكييف مسؤولية الطبيب على أنها مسؤولية تقصيرية في فرنسا منذ سنة 1835، وكان ذلك في القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 18 يونيو 1835، وتتلخص وقائع هذا القرار في أن السيد guigne رفع دعوى ضد الدكتور
thouret noroy بسبب بثر ذراعه الأيمن الذي كان نتيجة خطأ الطبيب الذي قطع الشريان العضدي، حيث قضت المحكمة الإبتدائية evreux بمسؤولية الطبيب التقصيرية، وتم تأييد الحكم في محكمة الاستئناف ومحكمة النقض، وقد تواترت الأحكام الصادرة عن المحاكم الفرنسية التي تقضي بالمسؤولية، وفي هذا الصدد سبق لمحكمة النقض الفرنسية أن أصدرت قرارا سنة 1862 ورد فيه مايلي :
"حيث إنه ثبت إهمال الطبيب وعدم انتباهه مما أدى الى إلحاق أضرار بالمريض وغياب الرابطة العقدية بين الطرفين، مما دفع المحكمة إلى تكييف مسؤولية الطبيب على أساس تقصيري استنادا إلى المادتين 1382 و1383 من القانون المدني الفرنسي."
واستقرت المحاكم الفرنسية على الأخذ بالمسؤولية التقصيرية للطبيب لمدة قرن من الزمن، وكان الطبيب مسؤول مباشرة عما يرتكبه من أخطاء نتيجة إهماله وعدم احتياطه في الأخذ بالأصول العلمية والفنية المرتبطة بالطب، لأن العلاج الطبي يتعلق بحياة الإنسان وسلامة بدنه، ويعتبر المساس بذلك من النظام العام يستوجب تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية.

وتطبيقا لذلك، فإنه لا يمكن الحديث عن العلاقة التعاقدية بين الطبيب والمريض خاصة إذا كان المريض في حالة غيبوبة، فالطبيب هنا يتدخل بدون وجود أي اتفاق سابق بينه وبين المريض، ويمكن أن نعطي بعض الأمثلة من القضاء العربي فيما يلي:

- القضاء العراقي: بنى القضاء العراقي مسؤولية الطبيب على أساس تقصبيري؛ ففي قرار صادر عن المحكمة جاء فيه: "إن طبيب الأسنان يتعامل تعاملا إنسانيا مع ابن المدعي، ويقتضيه واجبه الطبي، وأنه أوكل أمر قلع سن ابن المدعي إلى ممرضة، وكان عليه أن يقوم بهذا الواجب بنفسه، وأن اللجنة المذكورة قررت فرض عقوبة إدارية على الطبيب المدعى عليه وعاى الممرضة بناءا على المادتين 203 و 204 من القانون المدني".
- قضاء سلطنة عمان: اتجه القضاء العماني إلى تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية في الحالة التي يرتكب فيها الطبيب خطأ نتيجة عدم تبصره أو إهماله فألحق ضررا بالمريض، ذلك ما تؤكد عليه المحكمة العليا لسلطنة عمان في القرار الصادر عنها الذي ورد فيه مايلي: "خطأ الطبيب سواء أكان من الأخطاء العادية التي يقع فيها صاحب أية مهنة أخرى كالسكر والإهمال الذي يرتبط ارتباطا مباشرا بالقيام بالعمل الطبي وهو كل ما يتصل بالحرص المفروض على الناس كافة، أو كان من الأخطاء الفنية أي تتصل بمهنته مثل تشخيص المرضى، أو تحديد الدواء أو إجراء عملية جراحية، وتخضع هذه الأخطاء عند تقدير التعويض لأحكام المسؤولية التقصيرية".

وقد استند أنصار المسؤولية التقصيرية الى أن العلاج الذي يباشره الطبيب يتعلق بالمساس بالأشخاص، وسلامة الأبدان، ومصالح المجتمع. وأن أي اعتداء على ذلك يمس بالنظام العام، ويستوجب المتابعة بناءا على قواعد المسؤولية التقصيرية.


ثانيا: تكييف مسؤولية الطبيب على أنها مسؤولية ذات طبيعة عقدية.

تقوم المسؤولية العقدية على الإخلال بالتزام عقدي يختلف باختلاف ما اشتمل عليه العقد من التزامات. فإذا امتنع المدين عن تنفيذ التزامه التعاقدي، فإن مسؤوليته تكون عقدية. ولا فرق بين عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي، وكدى التأخر في تنفيذ العقد في وقته المحدد، ويستحق الدائن التعويض نتيجة هذا التماطل.

وكان الفقه والقضاء في فرنسا يأخذ بنظام المسؤولية التقصيرية الى أن صدر اجتهاد عن محكمة النقض الفرنسية في قضية ميرسى Mercier  بتاريخ 20 ماي 1936 إذ بموجبه تقرر تأسيس مسؤولية الطبيب على أساس عقدي، ولا يلتزم بشفائه، لكن بتقديم العلاج له المتفق عليه، والتحلي باليقضة والحذر مع الإلتزام بالمعطيات العلمية المكتسبة.

وتتلخص وقائع القرار في أن السيدة مرسي كانت تشكو من حساسية في الأنف، وعلى إثر ذلك قامت بمراجعة أحد الأطاء المختصين بالأشعة، حيث قام بعلاجها بأشعة إكس وكان ذلك سنة 1925، ونتج عن هذا العلاج تلف الأنسجة المخاطية في وجه السيدة ما دفع زوجها إلى رفع دعوى نيابة عنها سنة 1929. واستند الى أن الطبيب لم يتخذ الاحتياطات اللازمة التي تقتضيها أصول مهنة الطب من أجل تفادي المخاطر، إلا أن محكمة الدرجة الأولى رفضت الدعوى عن طريق الدفع بالتقادم الذي تمسك به الطبيب.
 وبعد استئناف الحكم، وبموجب القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بتاريخ 19/07/1932 الذي قرر رفض الدفع بالتقادم الذي تمسك به الطبيب، وقبول الدعوى المرفوعة من الطرف المتضرر والحكم بالتعويض لفائدته. 
طعن الطبيب نيكولا ضد قرار محكمة الاستئناف معتبرا أن المحكمة خرقت قواعد المسسؤولية التقصيرية، إلا أن محكمة النقض الفرنسية ذهبت أبعد من ذلك، وقررت مبدأ جديد في إطار العلاقة بين الطبيب والمريض مؤكدة على الطبيعة العقدية، والحكم بالتعويض لفائدة السيدة ميرسي مؤسسة قرارها بتطبيق قواعد المسوولية العقدية.

وجدير بالإشارة إلى أن هذا القرار لم يحسم في طبيعة مسؤولية الطبيب فحسب، وإنما قرر في نوعية التزامه بأنه التزاما ببذل عناية، وأكد أن العقد الطبي لا ينشئ التزاما بشفاء المريض، وإنما معالجته بانتباه ويقظة وصدق وفقا للمكتسبات العلمية المستقرة.

فإذا كانت محكمة النقض الفرنسية قد حسمت في طبيعة مسؤولية الطبيب باعتبارها ذات طبيعة عقدية، فإن مسألة تكييف العقد الطبي سكت عنها القضاء الفرنسي، الأمر الذي اثار انقساما في صفوف الفقه الفرنسي، فهناك اتجاه يرى أن العقد الطبي أقرب إلى عقد وكالة، إلا أن ذلك لم يسلم من الانتقادات على أساس أن الطبيب لا ينوب عن المريض في عمله من جهة، ولا يقوم بإجراء تصرفات قانونية باسمه كما هو الحال في عقد الوكالة من جهة أخرى. وذهب الاتجاه الآخر الى اعتبار العقد الطبي عقد مقاولة، ويعاب على هذا الرأي أن التزام المقاول هو التزام بتحقيق نتيجة، في حين أن التزام الطبيب هو التزام بوسيلة.

ونتيجة هذا الانقسام, فإن الرأي الراجح في الفقه ذهب الى اعتبار العقد الطبى هو عقد مستقل بذاته لا يمت بأية صلة بباقي العقود.

وبالنسبة للقضاء المغربي، فإنه كيف العلاقة بين الطبيب والمريض على أنها علاقة تعاقدية وهو ما يتضح من خلال القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 29 يناير 1946 والذي جاء فيه مايلي :
"حيث إن العلاقة القائمة بين الطبيب والمريض تشكل حسب أحدث المبادئ التي أقرها الاجتهاد القضائي الفرنسي عقدا..."

وتم تأكيد الطابع العقدي للمسؤولية المدنية للطبيب في مجموعة من القرارات الصادرة عن الغرفة المدنية للمجلس الأعلى - محكمة النقض حاليا- وسلك العمل القضائي المصري نفس المنحى. حيث قضت محكمة النقض في القرار الصادر عنها سنة 1969 والذي ورد فيه مايلي:
"مسؤولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه هي مسؤولية عقدية، والطبيب وإن كان لا يلزم بمقتضى العقد الذي ينعقد بينه وبين مريضه بشفاءه وبنجاح العملية التي يجريها له. لأن التزام الطبيب ليس التزاما بتحقيق نتيجة وإنما هو التزام ببذل عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل مريضه جهودا صادقة يقضة تتفق - في غير الظروف الاستثنائية - مع الأصول المستقرة في علم الطب. فيسأل الطبيب عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقض في مستواه المهنى وجد في نفس الظروف الخارجية التى أحاطت بالطبيب المسؤول...".

وجدير بالإشارة إلى أنه إذا كان تكييف العلاقة بين الطبيب والمريض على أنها ذات طبيعة عقدية في إطار المسؤولية المدنية، فإن الوضع يختلف في إطار المسؤولية الإدارية حيث تصبح هذه العلاقة ذات طبيعة تقصيرية وذلك استنادا مقتضيات الفصل 279 من قانون الالتزامات والعقود؛ حيث تتحمل الدولة المسؤولية على شرط ألا يكون الخطأ الذي ارتكبه الطبيب غير جسيم وإلا فإنه يسأل على أساس المسؤولية الشخصية وفقا لمقتضيات الفصل 580 من نفس القانون.

ويمكن أن نعطى بعض الأمثلة عن مسؤولية الطبيب التقصيرية كمايلي:

القضاء المغربي
ذهب القضاء المغربي إلى أن الحالة التى ينعدم فيها العقد بين الطبيب والمريض، فإن الطبيب يسأل طبقا للفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، ذلك ما تؤكد عليه المحكمة الابتدائية بالناظور في الحكم الصادر عنها سنة 1996 والذي ورد فيه مايي:
" وحيث يتضح من وثائق المدعى عليه أنه لا يوجد ضمنها ما يفيد أنه طلب من المدعية إجراء تحليل تشريحي مخالفا بذلك التزامه بمجرد بذل عناية، مما يجعله تحت طائلة المسؤولية التقصيرية في تدهور الحالة المرضية للمدعية والذي نتج عنه نمو ورم سرطاني اقتضى استئصاله وإصابتها بالعقم.
وحيث إن طلب المدعية بالتعويض طبقا لمقتضيات الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود كان مبنيا على أساس سليم، وقد ارتأت المحكمة بما لها من سلطة تقديرية تحديد التعويض في المبلغ الوارد بمنطوق الحكم أدناه...".

القضاء المصري
كرس القضاء المصري مبادئ المسؤولية التقصيرية في حالة صدور خطأ من طرف طبيب المستشفى العام. ففي قرار صادر عن محكمة النقض المصرية الذي ورد فيه ما يلى:
"لا يمكن مساءلة الطبيب في المستشفى العام إلا على أساس المسؤولية التقصيرية؛ لأنه لا يمكن القول في هذه الحالة بأن المريض قد اختار الطبيب لعلاجه حتى ينعقد العقد بينهما. كما لايمكن القول بوجود عقد اشتراط لمصلحة المريض بين إدارة المستشفى العام وبين أطباءهم، لأن علاقة الطبيب الموظف بالجهة الإدارية التي يتبعها هي علاقة تنظيمية وليست عقدية".


خاتمة


عرفت المسؤولية المدنية للطبيب تطورا مهما، حيث كانت في بداية الأمر تأخذ على أساس تقصيري، وكان ذلك منذ القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية سنة 1835 في قضية السيد Guigne، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم حسم المشرع الفرنسي في طبيعة هذه المسؤولية، واتجه رجال الفقه والعمل القضائي إلى الأخذ بقواعد المسؤولية التقصيرية. واستمر ذلك ما يقارب قرن من الزمن، إلا أن عيوب تطبيق هذه القواعد بدأت تنتشر بشكل أكبر ما استدعى بعض رجال الفقه إلى التأكيد على ضرورة إعادة التوازن للعلاقة التي تربط الطبيب بالمريض، لأن في أغلب الأحيان يؤدي إلى تضييع حقوق المريض باعتباره طرف ضعيف في العلاقة التعاقدية. هذه المناداة دفعت بمحكمة النقض الفرنسية إلى تقرير مبدا أجديد سنة 1936، مفاده أن الطبيب عندما يخل بأحد التزاماته اتجاه مريضه فإنه يتابع على أساس عقدي.

وبالنسبة للقضاء المغربي، فإنه قبل 1946 لم يستقر على مبدأ واحد، حيث كان يأخذ تارة بقواعد المسؤولية التقصيرية، وتارة أخرى بقواعد المسؤولية العقدية، واستمر ذلك لمدة طويلة إلى أن صدر قرار عن محكمة الاستئناف بالرباط سنة 1946 الذي تأثرت فيه بالموقف الذي أخذ به الاجتهاد القضائي الفرنسي. حيث اتجهت إلى تطبيق قواعد المسؤولية العقدية كقاعدة عامة، وقواعد المسؤولية التقصيرية في حالات استثنائية.


شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق